Logo

كيف أصبح الإنتهازيون سادة المشهد في اليمن؟

 هناك مفارقة مؤلمة باتت وأضحة في المجتمع اليمني اليوم، وهي أن من تربى في أسرة تقوم على الأخلاق والمبادئ وأحترام الناس وتقدير العلم، غالباً ما يجد نفسه عاجزاً عن تجاوز الأخرين أو إنتزاع ما ليس من حقه.. 

لانه يحمل داخله قيوداً أخلاقية تمنعه من التعدي أو الاستغلال أو القفز فوق القيم التي نشأ عليها.

 ولذلك يبقى أكثر تردداً في إتخاذ بعض القرارات، أو الدخول في صراعات لا تنسجم مع ضميره وتربيته، حتى لو كان الثمن ضياع حقه أو تراجعه في الحياة العامة.

وفي المقابل يظهر أشخاص أخرون تربوا أيضاً داخل بيئات تتحدث عن الأخلاق والمبادئ، لكنهم مع مرور الوقت تحولوا إلى نماذج إنتهازية، لا ترى في القيم سوى شعارات تستخدم عند الحاجة. 

بينما يمارسون في الواقع سلوكاً قائماً على الإستغلال والوقاحة وتجاوز الأخرين دون أي شعور بالحرج أو المسؤولية. 

وهؤلاء غالباً ما يمتلكون قدرة كبيرة على الوصول إلى المناصب والمكاسب، لأنهم لا يترددون في أستخدام أي وسيلة مهما كانت قاسية أو غير عادلة.

لقد ساهمت الحرب في اليمن في تعميق هذا الخلل بشكل كبير، فسنوات الصراع والإنهيار والفوضى، أضعفت مكانة القيم الإجتماعية التقليدية، ودفعت بكثير من الناس إلى الأعتقاد ان النجاح لا يتحقق إلا عبر النفوذ والإنتهازية والقدرة على تجاوز الأخرين..

 ومع غياب الدولة وهيبة القانون، تراجعت معايير الكفاءة والأخلاق، لصالح معايير القوة والمصلحة الشخصية والقدرة على المناورة والخداع..

ومع هذا التحول المؤلم، أصبح كثير من أصحاب الأخلاق الحقيقية يشعرون بالغربة داخل مجتمعهم، فهم يرون أن أحترام الناس والصدق والألتزام بالقيم، لم تعد صفات تمنح صاحبها التقدير، بل ربما تحولت في نظر البعض الى نقاط ضعف يستغلها الأخرون..

 بينما يتم تقديم الشخص الوقح والإنتهازي، على أنه قوي وناجح وقادر على فرض نفسه، حتى وأن كان وصوله قائماً على الظلم أو أستغلال ظروف الحرب والإنقسام..

أن اخطر ما خلفته الحرب ليس فقط الدمار الاقتصادي والسياسي، بل أيضاً هذا التشوه العميق في ميزان القيم داخل المجتمع اليمني.

 حيث أصبح المشهد العام في كثير من الأحيان بيد الأشخاص الأكثر قدرة على التلون والإستفادة من الفوضى، بينما تراجع أصحاب الكفاءة والأخلاق إلى الخلف..

 ومع أستمرار هذا الواقع، فان المجتمع قد يخسر أهم ما كان يميزه عبر تأريخه، وهو أحترام القيم والحياء الاجتماعي والشعور بالمسؤولية تجاه الأخرين..

* سفير بوزارة الخارجية