Logo

بين سلطة الأمر الواقع وهيمنة الجماعة!

قراءة في آليات السيطرة وتآكل الوظيفة المؤسسية

 تُقدم تجربة الاثني عشر عامًا الماضية نموذجًا لجماعة أحكمت قبضتها على مقدرات الدولة، وسخّرت مواردها لبناء وتمويل ترسانة أمنية ضخمة تضمن بقاءها وحماية بنيتها التنظيمية. 

وفي المقابل، يبرز عجز حاد وممنهج في الوفاء بالالتزامات السيادية الأساسية، وعلى رأسها دفع رواتب الموظفين وتفعيل الدورة المصرفية؛ وهو عجز يُغلَّف دائمًا بخطاب رسمي يتذرع بـ "شح الموارد".

 غير أن هذا الخطاب يصطدم بتساؤلات منهجية حول أولويات الإنفاق، إذ تظهر الجماعة قدرة فائقة على تمويل قطاعات أمنية وعسكرية مكلفة، مقابل تنصل كامل من المسؤوليات الخدمية.

وفي السياق الاقتصادي، أدى الاعتماد المتزايد على مكاتب الصرافة كبديل للمؤسسات المالية الرسمية إلى خلق دورة مالية موازية تعمل خارج نطاق الرقابة. 

هذه المنظومة لم تكتفِ باستنزاف مدخرات المواطنين وتحويلات المغتربين، بل أصبحت أداة للتحكم في التدفقات النقدية بعيدًا عن القوانين الناظمة. 

وبدلًا من أن تنعكس هذه الآلية إيجابًا على الاستقرار المعيشي أو القوة الشرائية، تحولت إلى وسيلة لتركيز الثروة في يد فئة محدودة، مما عمّق اختلالات التوزيع وضاعف معاناة المجتمع.

إن هذه الممارسات تضعنا أمام إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة هذه السلطة ووظيفتها: هل نحن أمام "سلطة أمر واقع" بالمعنى المؤسسي، أم "جماعة استحواذ" تتحكم بمقدرات الدولة؟

إن التحلل من الوظائف الأساسية المرتبطة بتمثيل المجتمع وتقديم الخدمات العامة — وأبرزها الرواتب والودائع المحتجزة والأرباح المنهوبة — يقوّض الأسس التي يُعرف بها "الحكم" حتى في حده الأدنى. 

إن الاعتماد المفرط على أدوات القسر، والخطاب التعبوي، وآليات الضبط غير المؤسسية، يكشف عن نمط في الإدارة يبتعد عن معايير "سلطة الأمر الواقع" التي تلتزم بحد أدنى من العقد الاجتماعي، ويقترب أكثر من نموذج "سلطة الغنيمة" التي تستدعي تقييمًا نقديًا ضمن أطر تحليل الاقتصاد الخفي وسلطات الهيمنة غير الدولة.

بين سندان الفقر ومطرقة الوعظ الزائف: كيف يُصنع الانفلات الأخلاقي؟

لا تستقيم شعارات "العزة والكرامة" مع واقع الجوع والبؤس؛ فواقع اليمن اليوم يرزح تحت وطأة ثلاثية قاتلة: فقرٌ مدقع، وواعظٌ يُغيّب الوعي لصالح الطغيان، وخطابٌ زائف يبيع الوهم للناس.

إن تفشي الجريمة والانفلات الأخلاقي ليس صدفة، بل هو ثمرة "صناعة" متعمدة؛ أبطالها سياسة تجويعٍ ممنهجة، وقطعٌ للمرتبات، وتعطيلٌ للحياة المصرفية، ونهبٌ لمدخرات الناس. حين تجمُد الودائع وتُسرق أرباحها، وتتفشى البطالة، تنهار الحصانة المجتمعية؛ فالعوز هو البيئة الخصبة لكل أنواع السقوط.

الحقيقة المرّة أن من صنع هذا البؤس هو المسؤول الأول عن ضياع الأخلاق، فلا كرامة لمن لا يملك قوت يومه، ولا وعيَ يستقيم تحت سياط الحاجة.

* دبلوماسي وسياسي يمني