Logo

يقتتلون على الرماد

 لم يعد الخلاف بين حزب المؤتمر الشعبي العام وحزب التجمع اليمني للإصلاح مجرد تباين في الرؤى أو اختلاف طبيعي في الوسائل، بل تحول إلى حالة مرضية مزمنة تتغذى على الكراهية وتعيد إنتاج الفشل في كل مرحلة. 

منذ سنوات طويلة، والبلاد تدفع فاتورة هذا العجز الفاضح عن الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، فيما لا يزال البعض غارقين في معاركهم الصغيرة، يتبادلون الاتهامات ويستعرضون خصوماتهم وكأن الوطن هامش يمكن التضحية به..

المشكلة لم تعد في الخطأ، فالخطأ وارد في العمل السياسي، وإنما في الإصرار على مراكمة الأخطاء وتبريرها، ثم الانتقال بسلاسة إلى مرحلة أخطر: دفع الأثمان على حساب الشعب، ثمن الانقسام لم يعد سياسيا فقط، بل أصبح اقتصاديا، اجتماعيا، وإنسانيا، حيث تتآكل مؤسسات الدولة، ويزداد تمزق النسيج الوطني، 

بينما يستمر البعض في سلوكهم العبثي وكأن شيئا لم يحدث..

ما يثير السخرية المريرة أن هذه الأصوات، التي لم تقدم نموذجا ناجح في إدارة الخلاف، تحاول أن تلبس ثوب الوطنية كلما اشتد النقد، وتتصرف وكأنها تحتفظ بأسرار خطيرة يمكن أن تهز الطرف الآخر، وكأن الوطن رهينة في خزائنهم الخاصة. 

هذا الابتزاز المتبادل لا يعكس قوة، بل يكشف هشاشة عميقة وعجزا عن المواجهة الصادقة مع الذات..

إن الخطاب المليء بالكراهية لا يبني دولة، والعقول المغلقة لا تصنع مستقبلا، كل طاقة تهدر في تصفية الحسابات هي طاقة تسحب من معركة استعادة الدولة. 

وكل معركة إعلامية مفتعلة هي خدمة مجانية للأخطار الحقيقية التي تتربص بالبلاد. ومع ذلك، لا يبدو أن هناك إدراكا جديا لحجم الكارثة، أو ربما أن هناك من اعتاد العيش داخلها..

المأساة الحقيقية أن هذا الصراع لم يعد يدمر الخصوم فقط، بل يلتهم أصحابه أولا، فالقوى التي تنشغل بإضعاف بعضها تفقد تدريجيا قدرتها على التأثير، وتتحول إلى كيانات مستنزفة، بلا مشروع واضح ولا رؤية جامعة. 

وفي النهاية، لا يبقى منتصر، بل وطن منهك وشعب يدفع الثمن وحده..

إن المرحلة لا تحتمل هذا القدر من العبث، فالبلاد بحاجة إلى عقول باردة، وقلوب خالية من الأحقاد، وإرادة سياسية تدرك أن الخلاف يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُحسن إدارته، لا أداة هدم إذا تُرك للغرائز. 

أما الاستمرار في هذا النهج، فلن يقود إلا إلى مزيد من الانهيار، حيث لا يعود للندم معنى، ولا للخسارة حدود..

الوطن ليس ساحة لتفريغ الغضب، ولا منصة لاستعراض الأحقاد أو تقيؤ الكراهية في وجوهنا. الوطن مسؤولية، ومن يعجز عن حملها، فليتنحَّ جانبا قبل أن يضيف إلى ركام الخسائر خسارة جديدة..