واهمٌ من يظن أنه سيسقط نظاماً عقائدياً من الجو !
واهمٌ من يظن أن إسقاط نظامٍ ثوريٍّ عقائديٍّ كالنظام الإيراني يمكن أن يتحقق بضربات جوية، أو باغتيال رأس الهرم القيادي.
فالتجارب التاريخية والوقائع الراهنة تؤكد أن مثل هذه الأنظمة لا تُهزم بهذه البساطة، بل كثيراً ما تزداد صلابةً وتماسكاً كلما تعرضت للضغط الخارجي.
وأقرب تجربة ماثلة للعيان هي تجربة "جماعة الحوثي"؛ فعلى مدى سبع سنوات من القصف الجوي من قبل التحالف السعودي، حيث صُبت على اليمن مئات الآلاف من الغارات التي دمرت كل شيء وحولت البلاد إلى أنقاض، ومن بعدها القصف الجوي الأمريكي الإسرائيلي الذي استمر سنتين بعد أحداث ٧ أكتوبر.. ومع ذلك لم تسقط الجماعة، بل زادت قوة وصلابة وتجذراً.
مثل هذه الأنظمة تأتي "مُعرّقة" وعميقة، تشبه في طبيعتها ما يسميه الفلاحون في بلادنا بـ "الزيل أو الوبل"؛ فهذا النوع من النبات كلما "جحزته" (قطعته) من رأسه من على ظاهر الارض، وظننت أنك استأصلتها، تزداد عروقها غوصاً وتجذراً في أعماق التربة.
السياسة تشبه الزراعة هنا؛ فالأنظمة العقائدية ليست "كيانات كرتونية" تسقط بسقوط شخوصها، بل هي شبكات مؤسسية ممتدة.
منذ خمسة وعشرين يوماً اشتعلت "حرب إيران الثانية"، وبالضربة الأولى قطفت الرأس و٤٩ من قادة الصف الأول في الدولة والجيش الإيراني.
وراهن ترامب ونتنياهو على سقوط النظام وانهياره بمجرد اغتيال قادته، وظنوا أن الشعب الإيراني سيثور ويخرج للشوارع لإسقاط النظام، فلم يخرج الشعب، ولم تحصل انقسامات ولا تمردات، ولم تحدث أي فوضى!
كانوا يظنون أن سيناريو فنزويلا سيتكرر في إيران؛ بمجرد أن يزيحوا الرأس سيجدون من يحل محله ليكون دمية بأيديهم، ليسيطروا بعدها على إيران ونفطها وغازها وبرنامجها النووي، ويحوّلوا ولاءها غرباً ويحققوا أهدافهم بضربة خاطفة..
ولكنهم تفاجأوا بصمود وتماسك النظام وصلابته وقوته الصاروخية، وتمكنه من استهداف قلب تل أبيب وقصف كل دول الخليج وتعطيل الملاحة بمضيق هرمز، وإحكام السيطرة على عصب اقتصاد العالم بمنع مرور ثلث نفط وغاز العالم،
مما رفع أسعار الطاقة بنسبة ٥٠٪. ضج العالم، ورفضت أوروبا ودول الخليج وبقية الحلفاء الانضمام لهذه الحرب، فبات ترامب يعيش في مأزق وصارت تصريحاته متضاربة ومتناقضة.
هدف ترامب من الحرب هو القضاء على البرنامج النووي الايراني ووضع يده على النفط والغاز الايراني ؛ فإن سقط النظام فبها ونعمة، وإن لم يسقط يضعف ويخضع ويتنازل عن برنامجه النووي ويولي وجهه غربا نحو واشنطن بدلاً من الشرق بكين وموسكو.
أما هدف نتنياهو فهو إسقاط النظام والدولة وتفكيك إيران وتدمير قوتها العسكرية تماماً.
وفي المقابل، فإن هدف النظام الإيراني هو "البقاء"، وإذا لم يسقط النظام فقد انتصر، فالضربة التي لا تسقطك تقويك.
والحقيقة الماثلة للعيان أن النظام الإيراني نظام ثوري عقائدي متماسك وقوي، ويمتلك أكبر ترسانة صاروخية في الشرق الأوسط، وقد أثبت فاعليته من خلال صموده بحرب الـ ١٢ يوماً السابقة وهذه الحرب الحالية.
لقد تبين للعالم ولخصومه أنه من المحال إسقاطه من الجو حتى لو استمرت الغارات عدة سنوات.
فلديه تسلسل قيادي نادر، كلما قُتل قائد يحل بدله آخر بسلاسة، والحرس الثوري هو القوة الصلبة وعصب النظام.
أما التدخل البري فهو شبه مستحيل؛ فلا أمريكا ذاهبة لهذا الخيار المكلف ولا إسرائيل. فتجربة أمريكا المريرة في فيتنام ثم العراق وأفغانستان لا تزال ماثلة، وكذا تجربة إسرائيل القريبة في غزة.
وعند المقارنة بحرب الخليج الثانية، نجد أن إسقاط نظام صدام حسين احتاج تحالفاً دولياً عريضاً و١٣ عاماً من الحصار والإضعاف ثم تدخل عسكري بري قوي،
ومع ذلك غاصت أمريكا في رمال العراق وواجهت مقاومة شرسة استنزفتها مئات المليارات والآلاف من الجنود عادوا امريكا مصندقين بالنعوش، فقررت الانسحاب.
وبالتالي، لن تكرر أمريكا نفس الخطأ في إيران؛ فالمساحة هناك ثلاثة أضعاف مساحة العراق والتضاريس جبلية وعرة، ولدى النظام نقاط قوة وردع أثبتت فاعليتها (الصواريخ، المسيرات، ومضيق هرمز)
بالإضافة إلى الحلفاء في لبنان والعراق، ودعم روسيا والصين، ورفض دول الجوار المشاركة في الحرب.
بناءً على ذلك، الحرب ستطول وستستنزف أمريكا وإصرائيل، كما تُستنزف روسيا في أوكرانيا منذ اربع سنوات .
وروسيا مستفيدة ببيع نفطها بضعف السعر، والصين سعيدة وتدعم إيران لاستنزاف خصمها ومنافسها. والهائه بالشرق الاوسط وابعاده عن بحر الصين الجنوبي ..
والنظام الايراني لن يسقط بسهولة ويسر ، والحرب إما أن تطول وتستنزف امريكا واسرائيل ..
أو تنتهي قريباً دون تحقيق أهدافها، وسيخرج النظام الإيراني منتصراً ببقائه."بقاء النظام" هو النصر ..
وحينها، سيعلن ترامب كالعادة أنه انتصر وقضى على التهديد الإيراني، تماماً كما أعلن ذلك في المرة السابقة بحرب ال١٢ يوما..