Logo

بين تقاطع المصالح وصناعة الأعداء: كيف يُدفع الإقليم نحو حرب لا رابح فيها

 لم يكن الصراع في المنطقة العربية يوما وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات تاريخية، وتداخل مصالح دولية، وانقسامات داخلية لم تعالج في حينها. ومع كل تصعيد جديد، تعود الأسئلة ذاتها: من يحدد العدو؟ ومن يدفع الثمن؟ ومن يربح في النهاية؟.

على مدى عقود، تغيرت أولويات العداء والتحالف في المنطقة بشكل لافت، كانت إسرائيل تعد تهديدا وجوديا بالأمس وأصبحت شريكا ضمنيا اليوم لبعض الدول العربية، 

هذا التحول لم يحدث صدفة، بل نتيجة تفاعل معقد بين السياسات الواقعية، ومخاوف الأنظمة، والتدخلات الخارجية..

صناعة العدو وتبدل السرديات

الدول لا تتحرك وفق العواطف، بل وفق المصالح، لذلك، فإن إعادة تعريف العدو ليست بالضرورة مؤامرة بقدر ما هي انعكاس لتغير موازين القوى، فعندما ترى دولة ما خطرا أكبر في طرف معين، تعيد ترتيب أولوياتها، وقد تفتح قنوات مع خصم سابق لمواجهة تهديد جديد..

ليست الخطورة في هذه المتغيرات،  بل في تحولها إلى قناعات شعبية حادة تُبنى على التخويف، وتستثمر لإعادة توجيه الرأي العام، حينها يصبح العدو مفهوما متغيرا، لكنه مشحون عاطفيا، ما يسهل تعبئة المجتمعات نحو المواجهة..

تبقى الهشاشة الداخلية هي الخطر الأكبر

أخطر ما في أي صراع إقليمي ليس فقط المواجهة العسكرية، بل ما يكشفه من هشاشة داخلية والمجتمعات العربية تعاني من ضعف في الاندماج الوطني، ومن تهميش بعض المكونات، مما يجعلها أكثر عرضة للاستقطاب..

في هذا السياق، فإن أي انزلاق لدول الخليج في هذه الحرب سيدفع بالأقليات الشيعية، التي تشعر بأنها خارج المعادلة الوطنية، لأن تصبح أكثر قابلية للتأثر بخطابات خارجية، أو الانخراط في صراعات لا تخدم استقرار الدولة، وهذا ما تسعى إليه إسرائيل..

وهم الحسم العسكري

التاريخ الحديث في المنطقة يثبت أن الحروب لا تحسم بسهولة، وأن كلفتها تمتد لعقود، من العراق إلى سوريا إلى اليمن إلى ليبيا والسودان، النتيجة واحدة: دمار واسع، واستنزاف اقتصادي، وتفكك اجتماعي..

المواجهة واسعة بين إيران وإسرائيل وأمريكا لن تكون حربا تقليدية قصيرة، بل صراعا مفتوحا متعدد الجبهات، قد يتحول إلى حروب بالوكالة داخل الدول نفسها إذا اندفعت دول الخليج إلى هذه الحرب، وهو السيناريو الأخطر الذي تراهن عليه أمريكا وإسرائيل..

من سيدفع الثمن؟

في نهاية المطاف، لن تدفع أمريكا أو إسرائيل الثمن، بل الشعوب العربية والبنية التحتية، والاقتصاد، والاستقرار الاجتماعي، كلها ستكون الضحية الأولى، فإذا اتخذت  الحسابات السياسية في الغرف المغلقة، فسيعيش المواطن العربي تبعاتها لعقود..

الخلاصة: الحاجة إلى وعي استراتيجي

الخطر الحقيقي ليس في الحرب بين إسرائيل وإيران، بل في الانزلاق غير الواعي إليها. المطلوب اليوم ليس فقط قراءة ما يحدث، بل فهم أبعاده العميقة،

 فالصراعات الإقليمية لا تدار فقط من الخارج، بل تغذيها عوامل داخلية، والانقسام الداخلي أخطر من أي تهديد خارجي، والحروب الطويلة لا تخدم أحدا، حتى من يعتقد أنه سيكسبها..

الرهان الحقيقي أمام دول الخليج تحديدا والمنطقة عموما يجب أن يكون على بناء تماسك داخلي، وتعزيز مفهوم المواطنة، واتباع سياسات عقلانية تقلل من فرص الانفجار بدل الانجرار إليه، 

ففي عالم تتغير فيه التحالفات بسرعة، يبقى الثابت الوحيد هو أن كلفة الحرب دائما أكبر من كلفة تجنبها..