لحظة ضوء !!
خلال الأيام الماضية حرصت على زيارة دبلوماسيين أجانب كُثر مهتمون ومنشغلون بالشان اليمني في العاصمة السعودية الرياض، بعض تلك الزيارات كانت علنية وأخرى خاصة.
خلال هذه الزيارات حملت سؤالاً واحداً كنت بحاجة لأن أستمع إلى إجابة عنه: هل يمكن للمجلس الانتقالي (المنحل) أو عيدروس الزُبيدي أن يعودا إلى واجهة المشهد السياسي في اليمن؟
كانت الإجابات واضحة ومتطابقة: انتهى أمر المجلس الانتقالي.
أحد الدبلوماسيين الغربيين قالها بلغة إنجليزية واضحة: They have become a thing of the past.
ولأن العبارة صادمة، فلتبقَ بالإنجليزية أفضل.
أضاف قائلاً:" من يخسر(السعودية)في اليمن يخسر نفسه..!
وعليه نقول إن محاولات التعطيل وإثارة الفوضى لا قيمة لها، بل على العكس، هذه المحاولات ستعطل على الناس أشياء كثيرة فيما يخص الخدمات والرواتب، حتى هذه الأشياء ستمضي في طريقها أيضا.
أما الخارطة السياسية فقد شكّلها العالم وتوافق عليها، وهي ماضية في طريقها.
محاولات التعطيل هذه لن تضر إلا المواطن المسكين.
كلمة لمن له عقل ويعي..!
لماذا نقول هذا الكلام الآن؟
فقط لكي تتضح الحقيقة، ولكي لا يظن أي شخص أنه بمسيرة أو فوضى ما سيعطل شيئاً.
حينما وصل الانتقالي بجنوده إلى الحدود السعودية والعُمانية خرجتُ بمنشور على فيسبوك وتويتر وقلت إن ما حدث أشعل فتيل صراع وجودي بالنسبة للمملكة العربية السعودية.
هذا الصراع امتد اليوم إلى تركيا وقطر وباكستان ومصر، وذهب إلى السودان وتوجه إلى الصومال، واشتعلت المنطقة كأحلاف متضادة.
وعليه، فإن الناظر إلى خارطة الصراع سيجد أن ما يحدث في المحافظات الجنوبية اليوم مجرد هامش صغير، وأن محاولات التعطيل التي يتوهم البعض أنها ستعيق المرحلة هي أشبه بصراع بين ذبابة وثور.
الذبابة دائماً لاعقل لها.
ليست الرياض وحددها المهددة بالطوق ، مصر مهددة في امنها القومي ، الصومال ، السودان ، إريتريا ، تركيا ،ذاتها وباكستان .
أفزعتم العالم أيها الجهلة ..
ولأن هذه الجماعة المنفلتة جنوباً لا تقرأ التاريخ ولا تفهم حسابات السياسة، نقول لمن يعي وهو خطاب لمن لايعي أيضاً:
ليس من مصلحة أحد معاداة السعودية أو الوقوف في وجهها، خصوصاً مع وجود خطاب سعودي تصالحي؛ خطاب يدعوهم للمشاركة ويفتح الأبواب أمام الجميع ولا يُقصي أحداً.
وهو خطاب وشيك، لكنه ليس مفتوحاً على بياض ولن يستمر إلى الأبد.
أكرر هذا خطاب لمن يعي في الأكثر: لا تخسروا السعودية.
الصراع بالنسبة لها وجودي، وإذا خسرته (ولن يحدث) فسيصل الخطر إلى قلب الرياض، ولذلك لا مجال — ولو بنسبة 0% — لخسارته هو وجودي لنا أيضاً والفرصة الأخيرة للشعب للنجاة .
اكسبوها، فهذا أفضل لكم.
اقتربوا منها، وطالما هي ترحب بكم، مالم فو الله إنكم تخوضون صراعاً لا طائل منه.
ونحن هنا ننصحكم،رغم إدراكنا العميق أنكم بلا عقل؛ فلو كانت لكم عقول لما أضعتم دولة بينتموها في عشر سنوات وأضعتموها في تسع ساعات .
تحية.
لحظة ضوء
في ختام زيارتي إلى المملكة العربية السعودية، ثمة حديث لا بد أن يُقال، موجَّه إلى كل اليمنيين عامة، وإلى أبناء عدن وأهلها على وجه الخصوص.
ثمة اشياء رأيتها هنا ، عاينتها ووجب الحديث عنها:
تربطنا بالمملكة العربية السعودية علاقة تاريخية عميقة ووطيدة، يزيد عمرها على مئة عام؛ علاقة تحكمها الجغرافيا والأخوة والتاريخ والدين والمصير المشترك.
وهي علاقة ليست بيدنا ولا بيدهم فكّها أو الانفكاك عنها، ولن تُطوى إلا بقيام الساعة، ولا شيء دون ذلك.
وعلى خلاف كثير من الدول ومحيط واسع، لم تُحكم هذه العلاقة من جانب المملكة بمنطق المصالح الضيقة، بقدر ما حكمتها عوامل عدم الاستقرار في اليمن والاضطراب المزمن الذي شكّل سمة أساسية من سمات الدولة اليمنية.
ورغم أن السعودية ظلّت لعقود الحاضرَ الأول والداعمَ الأول للدولة اليمنية، فإن عنوان هذه المرحلة هو حضور من نوع آخر ودعم من طبيعة مختلفة؛ حضور قررت فيه الرياض أن ترمي بكل ثقلها لدعم المحافظات المحررة واليمن عموماً، مسجِّلة نموذجًا للدعم يُشابه الحضور السعودي اليوم في سوريا.
يسابق السعوديون الزمن؛ تتشكّل خلايا نحل في العاصمة الرياض لدراسة جدوى المشاريع السياسية والاقتصادية والتنموية، وتُطرح الخطط الاستراتيجية في قطاعات الكهرباء والمياه والاستثمار، وعلى مقربة سيُعلن رسميًا عن توجه شركات سعودية للاستثمار.
هذا الجهد، وهذا الحضور، وهذا التوجّه (بحسابات الاقتصاد) لن يحقق للرياض مكسبًا ماديًا يُذكر، بقدر ما سيُدوَّن في سجلات الإنفاق على دولةٍ جارة تحكمها الجغرافيا والتاريخ والأخوة بحالة إسنادٍ صادقة.
وعليه نقول للناس: هذه فرصة تاريخية لن تتكرر، ولن يعيدها التاريخ مرتين؛ إما أن نلتقطها ونسير مع أشقائنا في السعودية نحو إعادة عجلة الدولة ومسارها وتوجّهها إلى ما هو أصلح لنا جميعًا، وإما أن نُضيّعها إلى الأبد.
هي لحظة ضوء؛ إما أن تُضيء حياتنا وواقعنا، أو نسير في طريق العتمة إلى الأبد.
هي لحظة نجاة قبل سقوط نهائي.
وهي لحظة تجاوز ويجب ان نمر بها والا تمر علينا.
كونوا إلى جانب هذه الجهود، وتعلّموا من أشقائنا السوريين الذين يمضون اليوم—بإسنادٍ سعودي—نحو مصافات لم يكونوا يحلمون بها يومًا.
في الحضور السعودي ليست هناك سجون بل مدارس، وليست هناك متاريس بل طرق، وليست هناك فوضى بل مؤسسات، وليست هناك حروب بل تنمية، وليست هناك أزمات بل معالجات، وليست هناك معاناة بل فرص، وليست هناك عتمة بل كهرباء، وليست هناك عزلة بل شراكات، وليست هناك شعارات بل مشاريع، وليست هناك وعود مؤجلة بل إنجازات على الأرض، وليست هناك يدٌ تثقل كاهل الناس بل يد تمتد لدعمهم، وليست هناك مخاوف من الغد بل ملامح أمل يتشكل كل يوم.
إنها لحظة تاريخية عنوانها: الطريق، والمدرسة، والمشفى، والراتب، واستعادة الدولة ومؤسساتها. لحظة بلا هتاف ولا تظاهر ولا شعارات؛ لحظة نرسم فيها وطنًا جديدًا بملامح جديدة، بلا تعب ولا إرهاق ولا خوف ولا ظنون.
ولأننا تعبنا جميعًا… أقول:" أرجوكم، اصطفّوا دفاعًا عن هذه اللحظة؛ لأنها ليست لحظة عابرة، بل كلّ المستقبل.
هل قلت المستقبل؟
بل كل الحاضر والمستقبل وقليلاً من الماضي.