Logo

قضية أمن قومي– الجسر المفقود بين العلم والتنفيذ!!

 نبدأ من ألمانيا لننتهي في اليمن، حيث نجد أنه في قلب الركود الاقتصادي الذي تمرّ به ألمانيا اليوم، تبرز فرصة تاريخية لا تقتصر على إعادة صياغة الصناعة الألمانية فحسب، بل تمتد لتكون جسراً نحو نهضة شاملة عابرة للحدود. 

نحن نعيش في ألمانيا خضمّ "داروينية رقمية" شرسة؛ ففي عام 2025، وبينما أعلنت أكثر من 23 ألف شركة إفلاسها لعجزها عن مجاراة روح العصر، شهد العام ذاته ولادة 3500 شركة ناشئة تقنية وتأسيس 67 ألف منشأة إنتاجية خلال ستة أشهر فقط. 

هذا الحراك يجسد قدرة ألمانيا على التجدد عبر الاستثمار المكثف في البحث والتطوير، وهو الميدان الذي أتحرك فيه يومياً، مؤمناً بأن السيادة التقنية هي الملاذ الحقيقي لأي مجتمع، وأن الثروة المستدامة تكمن في الإنسان القادر على صناعة الغد وبناء الجسر بين العلم والتنفيذ.

على مدار عقدين ونصف من العمل مع كبرى الشركات الألمانية وأبرز البروفيسورات والشركاء الدوليين، تعلمت ألا أنتظر الفرص، بل أصنعها عبر استقراء دقيق لاحتياجات السوق. 

أؤمن دائماً بأن "الصعود على أكتاف العمالقة" – المتمثلين في نتاج المجتمع والصناعة والتحديات المعقدة – هو السبيل الأذكى لفهم اتجاهات المستقبل وإحداث أثر. 

هذا الإيمان دفعني لتطوير مساري المهني باستمرار؛ فمن يعجز عن التكيف ينتهي مهما بلغت حصيلته المعرفية.

 انطلقت من الهندسة الكهربائية والأتمتة، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي وتفاعل الإنسان مع الأنظمة الذكية، حيث كنت في قلب مشاريع النخبة الممولة من منظمة البحث الألمانية ولسنوات طويلة.

لكن التحول الجوهري حدث في عام 2011، حين بدأ العالم يتحدث عن "الثورة الصناعية الرابعة" في معرض "سيبت" الدولي. أدركت حينها أن الإحجام عن المخاطرة هو الهزيمة المبكرة، فسحبت فريقي نحو هذا التوجه الجديد. 

وبحلول عام 2013، نجحنا في تأسيس تحالف صناعي ضخم يضم 60 شركة ومركز بحثي، وتشرفت أن اكن في فريق الرئاسة له لسنوات، حيث أدرنا مشاريع ابتكارية تجاوزت ميزانيتها 80 مليون يورو، بقرار تمويلي وتنفيذي سيادي. 

واليوم، تقف مجموعتنا البحثية كواحدة من أفضل المجموعات في شرق ألمانيا في مجالات عدة منها الروبوتات الصناعية والطبية، ونحن على ثقة بأننا سنحدث طفرة تقنية في مجالنا خلال الثلاث سنوات القادمة وسوف نبني اول خلية انتاج للثورة الصناعية الخامسة  

لان كمية الدعم المالي والمشاريع عندي يكفي لذلك.

لقد أدركت من سنوات دراستي أن الهندسة ليست مجرد معادلات جامدة، بل هي "فن التكيف" مع المشكلات لإيجاد حلول جذرية. 

هذا النهج هو فلسفتي في الحياة؛ فإذا وُضعت في بيئة أعيد بناء نظامها كآلة مؤتمتة، وإن كنت في الميدان الطبي او تنظيمي او اداري، أصيغ حلولاً تقنية متكاملة. 

ولتصحيح المفهوم السائد؛ فإن "البروفيسور" في الغرب هو رجل ميدان؛ فساعات التدريس لدي لا تتجاوز 8 ساعات أسبوعياً، بينما يذهب أكثر من 55 ساعة عمل أسبوعياً لإدارة المشاريع وحل المعضلات التقنية للشركات. 

هذه الثقافة القائمة على التأهيل المستمر والإنتاج والنزاهة والمنافسة والتدافع والقيم هي ما أسعى لنقله إلى وطني.

في حديثي الهاتفي مع فخامة الرئيس رشاد العليمي قبل فترة، أكدت على ضرورة بناء رؤية تنموية شاملة مدعومة بالأرقام والخطط، تشمل إطلاق 1000 شركة ناشئة يمنية، وانتشال التعليم، وإطلاق تنمية ريفية وبؤر إنتاج ومدن صحية بما هو متواجد من دعم. 

المشكلة اليوم ليست في شُحّ الموارد المالية، فالمغترب اليمني يمتلك كتلة نقدية واستثمارية ضخمة، ولكن المعضلة تكمن في غياب البيئة الآمنة والمشاريع الطموحة التي تجذب هذه الأموال. 

نحن "جسور اليمن" في الغرب، ونحمل مسؤولية تاريخية؛ فالجامعات اليمنية بوضعها الراهن خارج سياق المنافسة، ومن الضروري وجود قيادة شجاعة في التعليم العالي تبني جسوراً لإنقاذ هذا القطاع.

هنا، أوجه رسالة صريحة ومخلصة إلى فخامة الرئيس رشاد العليمي: لقد وجهتم لي الدعوة مراراً في الفترة الأخيرة للقاء في الرياض أو عدن، 

وكنت حينها أتحرج من مصارحتكم بالسبب الحقيقي لعدم قدومي؛ وهو إدراكي بأن الإشكالية ليست في اللقاء، بل في حكومة لا تمتلك مشروعاً واضحاً ولا كفاءات قادرة على استيعاب لغة العصر. 

هكذا حكومة لن تفهم كيف يمكننا مساعدتها لنكون جسوراً لها نحو الغرب، وسيكون العمل معها من الغرب مرهق ومجرد هدر للوقت والجهد ونحن هنا لانمتلك ذلك الوقت الفائض.

فخامة الرئيس، إن أردتم أثراً ملموساً وحشد نخب المجتمع في الخارج مع الحكومة، فاختاروا لإدارة الشأن العام كفاءات وقدرات نحترمها إذا تحدثت إلينا، وقتها فقط سنحشد نحن المغتربين كل إمكانياتنا لنجاح هذه الحكومة من اجل اليمن. كلما كانت الحكومة كفاءات  

حقيقية كلما لقينا لغة مشتركة معها. إن منهجي المهني والأخلاقي لا يسمح لي بالتعامل مع الانتهازيين أو مؤسسات تفتقر للرؤية؛ لأنه لا أقبل أن تتبدد جهودي أو جهود غيري في دهاليز الإدارة غير الكفؤة. 

نحن نعتبر أنفسنا "آخر جسر" لليمن نحو الغرب، لأن أبناءنا المغتربين لن يعودوا لليمن وينظرون للغرب كوطن نهائي لهم. إننا نمثل الجيل الأخير من المغتربين المرتبطين وجدانياً وهُويةً باليمن؛

 وبعد عقد ونصف من الآن، سيفقد الوطن آخر خيوط اتصاله بعقول مهاجريه وقدراتهم وثرواتهم، حيث سيصبح الاغتراب استيطاناً نهائياً وبذا تفقد اليمن ثروة تتجاوز 100 مليار دولار غير العقول المهاجرة  التي يمكنها تغير حال المجتمع. 

كثير منا جاهزون لدعم الحكومة، ولكننا ننتظر الشريك الذي يدرك قيمة العمل، والنزاهة، والزمن ويعرف أن وقتنا هنا لليمن هو وقت جانبي بجانب اعمالنا. 

إما أن تختاروا فريقاً لليمن ندخل بهم هذه الألفية يفهم كيف يستفيد من المغترب وقدراته، أو أن تظلوا على العبث والمراضاة القائمة للانتهازيين وغير الكفاءات، وعلى ثقة أنه لا يوجد انتهازي نجح إلا بسرقة ما تحت يديه وتدمير ما حوله.