Logo

الأوهام تسيطر على عقولنا، ولذا نصيب اليمن السمك!!

 من المؤسف أن البعض ما زال يصرّ على العيش في مساحة من الوهم، رغم كل ما يحيط بنا من واقع قاسٍ. بالأمس نشرتُ موضوعاً لأوضح أن تسويق الأحلام الزائفة لا يبني أوطاناً، لكن يبدو أن الانطباع الذي وصلني هو العكس – أن هناك من يفضّل الوهم على الحقيقة.

انتشر في الآونة الأخيرة حديث منسوب إلى الدكتور ياسين سعيد نعمان يدّعي أن إيرادات ميناء عدن يمكن أن تصل إلى نحو 400 مليار دولار سنوياً إذا تم تشغيله بكامل طاقته وبكوادر مؤهلة. 

وأجزم أن مثل هذا الكلام لا يمكن أن يصدر عن رجل بعقلانية الدكتور ياسين، فهو يدرك تماماً حدود الواقع الاقتصادي اليمني. يبدو أن بعض ناشري هذه الرواية يستغلون اسمه لترويج معلومات لا أساس لها من الصحة. 

كما ظهرت مزاعم أخرى تتحدث عن “خبير اقتصادي مغربي” يعمل في بورصة نيويورك وسوق سنغافورة للأوراق المالية، زُعم أنه قال إن اليمن دولة غنية جداً وأن ميناء عدن وحده قادر على تحقيق 75 مليار دولار كحد أدنى من العائدات، وتوفير وظائف بالملايين. 

الحقيقة أن مثل هذا “الخبير” لا وجود له إلا في خيال من يسوّق هذه الأكاذيب، وربما في مجلس قات لا أكثر. ولم يتوقف الخيال عند هذا الحد. 

فهناك من استحضر “الخبير الروسي سيرجي نيكلايف”، قيل إنه باحث في جامعة سانت بطرسبرغ ومتخصص في شؤون الجزيرة العربية، 

وزعم أن الجنوب اليمني نُهب منه ما يقارب 400 مليار دولار من عائدات النفط بين عامي 1994 و2013! كل هذه القصص ظهرت أصلاً في مقالات ومنشورات ومجالس دعائية هدفها التحريض والانقسام، 

وأصبحت لاحقاً “حقائق” يتناقلها الناس دون تمحيص، فقط لأن الاسم أجنبي ويبدو علمياً.

إخواني الأعزاء، اليمن ليست بحاجة إلى المزيد من هذه الأوهام. نحن نتحدث اليوم عن واحدة من أفقر بلدان العالم، دولة بلا مشروع وطني حقيقي، تعيش على المساعدات، ولو لا دعم المملكة لانتهى وضع الدولة خلال أشهر قليلة. 

أتذكر هنا ما قاله مذيع ألماني قبل نحو عشرين عاماً في تقرير تلفزيوني على قناة “RTL”، عندما أنهى جولته في الخليج واليمن بقوله: “يبدو أن الله حين وزّع النفط أعطى الخليج نصيبه، 

وعندما وصل إلى اليمن لم يبقَ نفط، فأعطاهم البحر وقال: هذا نصيبكم – السمك.” كلامه فيه قسوة وسخرية، لكنه يعكس حقيقة مؤلمة: 

ثروة اليمن ليست في النفط أو الغاز، بل في الإنسان اليمني نفسه، إذا تعلم وتأهّل وبُنيت له بيئة عمل منتجة.

إن الإيمان بأن ميناء عدن أو ثروات البحر العربي قادرة لوحدها على إنقاذ الاقتصاد مجرد خيال تُسوقه أطراف تبحث عن مكاسب سياسية.

 فمثل هذه الأوهام تجد طريقها إلى الشباب الغاضب، فتغذي مشاعر الكراهية والانقسام، وتهيئه لأن يُهين أخاه اليمني بدعوى الانفصال أو “استعادة دولة”، بينما السبب الحقيقي هو الفشل العام والغياب المزمن للتخطيط والتنمية.

ولكي نكون واقعيين، فلننظر إلى ميناء جبل علي في دبي – أكبر ميناء بحري في الشرق الأوسط وبوابة إلى أسواق تضم أكثر من ملياري إنسان. 

هذا الميناء جزء من شبكة “موانئ دبي العالمية” التي تدير 78 ميناء ومحطة عبر العالم، وقد بلغت عائدات موانئ دبي العالمية في 2024 نحو 20 مليار دولار فقط، بأرباح صافية تقارب 1.5 مليار دولار. 

أما ميناء هامبورغ في ألمانيا، الذي يعمل فيه نحو 7 آلاف موظف ويتعامل مع 8 ملايين حاوية سنوياً، فحقق 1.6 مليار يورو إيرادات. هذه هي الأرقام الواقعية، بأحدث التكنولوجيا والبيئة المستقرة. 

وفي المقابل، يمتلك اليمن بنية تحتية متهالكة، وكوادر محدودة، وبيئة سياسية غير مستقرة. 

حتى مشروع تطوير ميناء عدن الذي أُعلن عام 2013 بمساعدة صينية لتوسيع الميناء وتعميق الحوض البحري ورفع طاقته إلى 2 مليون حاوية سنوياً – لم يُنفذ. 

فكيف يمكن بعد هذا أن نصدق من يقول إن الميناء سيحقق عشرات المليارات من الدولارات؟!

المشكلة اليمنية ليست في الجغرافيا ولا في قلة الموارد، بل في غياب الإدارة الرشيدة، والتعليم الحقيقي، والتخطيط الطويل الأمد. 

اليمن لن ينهض إلا إذا استثمر في إنسانه، لا في الوهم. فقوة هذا البلد في وحدته وتنوعه وموقعه وبشريته، وليس في أرقام تُكتب على الورق لتخدير الناس.

وختاماً، لا يوجد ما يُسمّى بخبير روسي يدعى سيرجي نيكلايِف، ولا خبير مغربي في بورصة نيويورك، ولا مليارات قادمة من موانئ الجنوب، ولا "ثروات منهوبة" ستعيد بناء الوطن بين ليلة وضحاها. 

الحقيقة الوحيدة التي علينا مواجهتها هي أننا لا نملك اليوم سوى سبيل واحد للنجاة: الاستقرار، والاستثمار في الإنسان، واستغلال الجغرافيا اليمنية في السياحة والاستثمار المنتج. 

أما أوهام “الثروات المدفونة” في باطن الأرض، والكلام الفارغ الذي يُتداول في مجالس القات، فليست سوى مضيعة للوقت وذريعة للهروب من مواجهة الواقع.

 فالنفط والغاز المتوفران في اليمن لا يكفيان حتى لتغطية ثمن نصف هواتف الشعب التي نستوردها من كوريا والصين، فكيف يمكننا إذن مناقشة مليارات وهمية؟

 الصورة الواقعية أن اليمن اليوم من أفقر دول العالم، بلا بنية تحتية حقيقية، ولا مشاريع مستقبلية للأجيال، في وقت يستمر فيه الفساد والنهب والابتزاز وهروب المسؤولين بأسرهم إلى الخارج، 

ومن هنا فقط يجب أن نبدأ رحلة الإصلاح والبناء — بخطى واقعية لا بخيالات رقمية ليتوقف العقل اليمني عن انتظار "المعجزة" التي ستأتي من باطن الأرض أو النفط والغاز او المؤاني، 

ويبدأ بالتركيز على المعجزة التي يمكن أن يصنعها الإنسان إذا تسلّح بالعلم والإدارة الرشيدة. 

فالقوة الحقيقية للدول لا تُقاس بما تملكه من نفط وغاز، بل بما تملكه من عقول قادرة على تحويل التحديات إلى فرص. فطريقنا طويل، لكنه اقلها يبدأ بكلمة واحدة: الحقيقة  لفهم أين يجب أن نقف، وماذا معنا، وكيف نبدأ، وأين الاتجاه .