حتمية الزوال وسقوط الأقنعة
حين تصمت الحناجر التي بُحَّت بالهتاف المأجور، وتبدأ غبرة المعارك الوهمية بالانجلاء، يكتشف التاريخ حقيقةً مرة:
أن القوة التي لا تضرب جذورها في وجدان الأرض والعدل، هي مجرد رغوة عابرة على سطح الزمن.
إن ما شهدناه في تجربة المجلس الانتقالي ليس مجرد فشل سياسي، بل هو انتحار أخلاقي لنموذج ظن أن الجبروت يمكن أن يُشيّد فوق جماجم الفقراء وأنين المظلومين في أزقة عدن المنسية.
لقد سقطت سردية "القائد الملهم" الذي يختبئ خلف ترسانة من الخوف، حينما حانت لحظة المكاشفة، فتبخرت الهالة التي صُنعت بالمال والإعلام، وظهر النمر الورقي على حقيقته مجرد أداة تنتهي بصلاحية التمويل.
إن المشهد الأكثر دراماتيكية في هذا السقوط هو انكشاف زيف "وحدة المصير" بين رفاق المسار؛ فمن كانوا يحيطون به ويصدرون بيانات الوعيد، لم يترددوا في الانحياز لغريزة البقاء عند أول منعطف حقيقي.
يمموا وجوههم شطر الرياض، والتحفوا بعباءة الشرعية التي طالما شيطنوها، تاركين صاحبهم وحيداً يواجه صقيع النبذ والطرد، ومؤكدين للعالم أن عقيدتهم لم تكن وطناً، بل كانت وظيفة تنتهي بانتهاء مصلحة الممول.
لقد تركوه مطروداً من جغرافيا الوهم التي شيدها، ليواجه وحده لعنات المظلومين الذين صودرت أراضيهم وبيوتهم في عدن لصالح حاشية "مثلث الدوم" الذين استبدلوا مدنية المدينة بهمجية الجبال.
المأساة الكبرى تكمن في ذلك الجهل الذي استبد بهؤلاء الغوغاء؛ فبينما كانت عدن تُستنزف، وكان أصحاب الخبرات من أبناء الشمال يُهجّرون بدم بارد، كانت بذور الفناء تُزرع في قلب مشروعهم.
لقد جهلوا أن الطبيب والمهندس والخباز والبناء الذي طردوه هو من كان يسير حياة الناس، وأن رحيله يعني توقف نبض الحياة.
واليوم، يجدون أنفسهم محاصرين بكراهية شاملة؛ فلا هم نالوا رضا الجنوب في حضرموت والمهرة بعد أن اقتحموها بالسلاح، ولا هم حافظوا على جسر تعايش مع الشمال، بل صاروا جزيئة معزولة ومنبوذة بسبب تصرفاتهم الرعناء التي لا تقيم وزناً للمنطق.
إن هذا التلاشي السريع يترك درساً أيقونياً لكل ذي عقل:
أن الأوطان لا تُبنى بالضجيج والشعارات الجوفاء، ولا بالشركات الخاصة التي تنهب مقدرات الدولة لتبني عقارات "للبعار" بينما يموت ابن عدن قهرًا. الدولة هي الصمت الذي يبني، والعدل الذي يساوي، والصدق الذي يجمع القلوب طوعاً.
واليوم، وبينما يتنفس المظلومون الصعداء، يبقى السؤال معلقاً: كم من صنم سنعبد قبل أن ندرك أن بناء الإنسان هو المنجز الوحيد الذي لا ينفرط عقده؟ لقد ذهب الضجيج، وبقيت الحقيقة العارية: من لم يحكم بالعقل، قتله منطق الجهل وسقط في طي النسيان.