Logo

سرمد الزبيدي وفلسفة التهور

 ما زلتُ أذكر جيداً ذلك العام، عام 1999، حين أُطلق مسلسل "الفوارس" ليحبس أنفاسنا أمام الشاشات؛ كنتُ ومعي الكثير من الأصدقاء نعد الساعات والدقائق بلهفة وشغف بانتظار موعد الحلقة، وكأننا ننتظر حقيقةً لا مجرد خيال درامي، 

واليوم، وبعد كل تلك السنين، أجد أن جرس الموسيقى وصوت صهيل الخيول في ذلك العمل ما زال يرن في أذني، لكنه لم يعد رنيناً للذكرى فحسب، 

بل صار واقعاً حياً يتجسد أمام عيني في تفاصيل "سرمد الزبيدي"، الذي يبدو وكأنه استل عيوبه وتوحشه من شخصية سرمد الدرامية ليطبقها على أرض الجنوب والشرق اليمني، في تطابق عجيب يثبت أن صراع الحق والباطل هو ملحمة تتكرر باختلاف الوجوه.

إن عقلية سرمد التي رأيناها في اجتياح القبائل العربية وتفتيت عضدها هي ذاتها العقلية التي تتحرك اليوم في رمال المهرة وسواحل حضرموت، فهي عقلية لا ترى في الجغرافيا السكنية والاجتماعية إلا مساحات فارغة يجب ملؤها بالحديد والنار، 

ولم يكن سرمد في حقيقته قوياً بذاته، بل كان يستمد بريقه من "الفراغ" الذي تركه شتات الإخوة، ومن الدعم الذي كان يتدفق إليه من خلف البحار، حيث كان الروم يمدونه بالعدة والعتاد ليكون "شرطي الحدود" الذي يضرب العرب بالعرب،

 ونحن نجد اليوم "روم العصر" يقدمون الدعم لسرمد الزبيدي، ليس إيماناً بمشروعه، بل ليكون مخلب قطّ يروض الجغرافيا العنيدة ويحجم تطلعات أهل الأرض الأحرار.

وتعلمنا الفلسفة السياسية أن العلاقة بين الإمبراطورية و"الأداة" هي علاقة نفعية مؤقتة تنتهي بانتهاء الغرض منها، فالروم في حكاية الفوارس لم يكونوا أوفياء لسرمد قط،

 بل كانوا يستخدمونه قناعاً لطموحاتهم الإمبراطورية في السيطرة، وحين بدأت القبائل العربية التي تمثل اليوم وعي حضرموت المتجذر وتلاحم المهرة الأصيل وسكون شبوة الذي يسبق العاصفة تستعيد وعيها وتوحد صفوفها في وجه الغطرسة، 

صار سرمد في نظر الروم "عبئاً" لا "ذخراً" و"عيباً" لا "ميزة"، 

وهنا تكمن الفلسفة المُرّة التي يجب أن يدركها كل من رهن قراره للخارج، فالروم لا يحمون حليفاً سقطت ورقة توته، ولا يراهنون على سيف انكسر نصابه أمام إرادة الناس، 

وحين تصبح كلفة الحماية أغلى من فوائد السيطرة، ينسحب الروم إلى قصورهم ببرود تام، ويتركون سرمد وحيداً يواجه مصيره أمام الذين اجتاح ديارهم وسلب أمنهم.

إن سرمد الزبيدي اليوم يعيش نشوة السيطرة المتخيلة ويظن أن الدعم الخارجي هو قدر لا يرد، متناسياً أن الفوارس الحقيقيين ليسوا من يملكون السلاح الأحدث،

 بل من يملكون الحق التاريخي في الأرض، وإن محاولة اجتياح المهرة وحضرموت ليست نزهة عسكرية عابرة، بل هي استدعاء لوعي جمعي كفيل بأن يمحو أثر السطو كما يمحو السيل الروابي، 

وفي نهاية المطاف سيبقى هذا "السرمد" مجرد فصل عابر ومظلم في كتاب التاريخ، بينما تبقى الأرض لأهلها الصامدين، 

ويبقى الروم كما كانوا دائماً وراء البحار، يراقبون سقوط أدواتهم دون أن يرف لهم جفن بعد أن استنفدوا منها كل مصلحة.