اليمن بين فكي علوج الهضبة ومغول مثلث الدوم
يقف العقل اليمني اليوم أمام تراجيديا وجودية تتخطى رتابة السياسة، لتدخل في طور "العدمية المعتمة".
هي حالة من الاستلاب القهري لجسد الوطن، حيث يتقاسم الضحية طرفان كلاهما يحمل معول الهدم لروح الدولة ونبض المجتمع: علوج الهضبة، ومغول المثلث.
في شمال الشمال، تتمدد ظاهرة علوج الهضبة؛ تلك الفئة التي وأدت "المواطنة" في مهدها لتبني فوق أنقاضها هيكل "الرعية"، واستبدلت قداسة الدولة بشهوة الفيد.
إن وصفهم بالعلوج هو اعتراف فلسفي بغربتهم الموحشة عن قيم المدنية والتحضر.
لقد أقاموا هيكلهم على تجريف الهوية، واحتكروا السماء والأرض في صكوك سلالية ضيقة، حتى غدت صنعاء العريقة أسيرة للحن جنائزي مكرور، يقتات على دماء الكادحين ويسحق النسيج الاجتماعي تحت وطأة ولاءات صماء لا تفهم لغة الحوار ولا تتقن إلا العزلة.
وعلى الضفة الأخرى من الوجع، يبرز مشروع مثلث الدوم كزحف مغولي في ميكانيكية حركته. وكما استباح التتار بغداد قديمًا، نرى هؤلاء يعبرون عدن وحضرموت والمهرة بعقلية الغازي الذي لا يرى في الأرض إلا مغنمًا، وفي الإنسان إلا تابعًا.
إن حضورهم في حضرموت والمهرة لم يكن مخاضًا للتحرر، بل كان "غزوًا مناطقياً" أراد استبدال قيود بقيود.
هم المغول الجدد الذين تقمصوا دور الفاتحين ليهدموا ما تبقى من أطلال المؤسسات، محولين عدن، منارة التنوير الكبرى، إلى ساحة قلقة لتصفية الأحقاد والهيمنة المنظمة.
حين تتأمل الوجوه المتعصبة بالصبر في أزقة عدن وسواحل حضرموت، تدرك عمق الجرح الذي خلفته هذه الكماشة.
لقد رأيت في عيون الناس بريقًا لثورة وجودية كانت تنشد استئصال شأفة الفساد من جذوره، لكن الصدمة كانت مريرة حين اختطف مغول المثلث هذا الوهج وحولوه إلى كابوس من التشرذم والمسكنة.
وبدلًا من دولة العدل التي حلموا بها، برزت إقطاعيات فساد مريرة جعلت الإنسان مغتربًا في عقر داره. الفساد هنا ليس مجرد اختلاس عابر، بل هو عملية "تصفية للمستقبل"، وتمزيق متعمد لخيوط المجتمع بين مطرقة مناطقية المثلث وسندان تسلط الهضبة.
إن اليمن يعزف اليوم سيمفونية مكسورة الأوتار، تئن تحت وطأة الاغتراب. فما بين علوج يتغطون بالقداسة لنهب اليمن، ومغول يتغطون بالمظلومية لنهب الساحل والوادي، يظل الإنسان اليمني هو القربان المنسي.
إن الخلاص من فكي هذا الوحش المزدوج يتطلب يقظة كونية تدرك أن العلوج والمغول ليسا إلا وجهين لعملة الاستبداد الواحدة، وأن طريق النجاة يبدأ حين يلفظ الوعي هذه المشاريع القزمة، ليعيد الاعتبار لمشروع الإنسان اليمني، أولاً.. ودائماً.