Logo

نفضل النفاق والتصفيق والهدرة!!

 منذ عقود، يعيش اليمن دورة متكررة من الفشل امتدت من مشاريع البنية التحتية إلى قطاعات الاستثمار والخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، بل شملت حتى مشاريع السياسة والسلطة وأدارة الشأن العام . 

لم ينجح مشروع واحد من متابعتي في تحقيق أهدافه أو بناء نموذج يمني يُكرَّر، سواء كان قطاعًا حكوميًا أو خاصًا أو مجتمعيًا. 

والنتيجة أننا تحولنا، كمجتمع ودولة، إلى عمال عند الآخرين – أي شقاة باليومية كما نتحدث – نعيش حياتنا وأعمالنا في اليمن كأوراق يانصيب تحكمها الصدفة لا التخطيط، وكل دعم يُقدَّم لنا ينتهي إلى الفشل ذاته وكارثة.

ورغم وضوح هذا المسار أمام النخب، نفضل النفاق والتصفيق لكل فاشل لأنه من القرية أو الجماعة او نريد نتصور معه، وما زلنا نسير في الاتجاه نفسه، 

نستيقظ كل يوم على أخبار لا تختلف كثيرًا عن سابقاتها، كأن الزمن متوقف عند مشهد واحد من العبث المزمن. كل هذا نعيشه بشكل متكرر وممل.

لكن المثير للسخرية أن هذا الواقع المزري لا يمنع كثيرين من أبناء اليمن من الانشغال على "فيسبوك" بتحليل الأزمات العالمية، ينتقدون خطط دول الخليج، ويقارنون بين اقتصاد أوروبا وأمريكا، ويقدمون رؤاهم لحل الأزمة الاقتصادية أو للحرب بين الروس والأوكرانيين،

 بل ويخوضون في طبيعة العلاقات بين واشنطن وبكين وكيف يجب أن تكون، كأنهم قد صلحوا وطنهم وما عاد بقي إلا غيرنا. 

وأجد بعض الإخوة يؤكدون أن اليمن تمتلك نخبًا وكفاءات، لكن في ثلاثة عقود لم أرَ لها أثرًا ملموسًا غير الهدرة – وأنا واحد منهم، لا أستثني نفسي – متناسين أننا من بلد تتآكله الأزمات، ونفضل الهدرة على العمل.

والأدهى أن البعض أيضًا يطالب اليوم بإدخال الذكاء الاصطناعي إلى المدارس اليمنية، وهذه أغرب من حكاية تصدير خبرات صالح للألمان لتحقيق الوحدة الألمانية،

 متناسين أننا نعلم أن 75% من مدارس البلاد لا تمتلك حتى مختبرات حاسوب (هذا إذا وُجدت الكهرباء)، وأن أكثر من 2 مليون طفل يمني خارج مقاعد الدراسة – بمعنى كوارث قادمة –، وأن نسبة الأمية في الأرياف تتراوح بين 60 إلى 70%، وأن أكثر من نصف المعلمين في 16 ألف مدرسة مؤهلاتهم دون المستوى الجامعي اي مايعرفوش ماذا يعني نظام حاسوب.

 أما الفصول فتحوي أحيانًا أكثر من 70 طالبًا وطالبة. ومع ذلك، يصر بعضنا على الحديث عن "ثورة الذكاء الاصطناعي" في التعليم، ويبكي أننا لا نواكب العالم، متجاهلاً أن إدخال ذلك لم يحدث حتى في ألمانيا لأسباب واقعية، 

بينما الأساس في اليمن نفسه منهار في بلد تتآكله الأزمات.

ربما حان الوقت لنواجه الحقيقة بانفسنا او عاد ننتظر للمسيح ينزل ليقول لنا لا يمكن بناء حاضر أو مستقبل في اليمن يعتمد على الأفكار الحديثة قبل إعادة بناء القاعدة، وهي التدفق إلى مفاصل إدارة الشأن العام حسب الكفاءات والتعليم نفسه. 

ولذا فإن أكبر إنجاز لمن هم في المشهد هو التوقف عن "حفر" المزيد من الكوارث، بصناعة قيادات ومسؤولين في مفاصل الدولة يدمرون أكثر مما هو مدمر، فيصعب التعافي ولو بعد عقود.  

فالمجتمعات لا تنهض بالشعارات ولا بالانبهار بما يفعله الآخرون، بل بالعمل الواقعي الذي يبدأ من أبسط الحاجات ويصعد بثبات إلى الأعلى وهذا ما لا نجده في اليمن، إذ نتجه نحو القعر أكثر فأكثر، ورغم ذلك نصفق ونبتهل.