Logo

شهر على «فجر اليمن»… ما الذي تغير في خريطة السيطرة؟

  أُطلقت عملية «فجر اليمن» في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر، في محاولة حكومية لوقف تقدم الحوثيين واستعادة زمام المبادرة، بعد أشهر من تصاعد المواجهات واتساع رقعتها إلى مناطق استراتيجية في محافظتي تعز والحديدة، وصولاً إلى محيط مضيق باب المندب.
 وبعد شهر من انطلاقها، اتسعت العمليات لتشمل جبهات الساحل الغربي وتعز ولحج ومأرب والجوف، بالتوازي مع إسناد جوي للتحالف بقيادة السعودية، وهجمات للحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت حيوية داخل اليمن وخارجه.
وتكشف التطورات خلال هذه الفترة عن مسارين متوازيين؛ أولهما تصعيد حكومي في العمليات الجوية والبرية، تقول الحكومة اليمنية إنه ألحق خسائر كبيرة بالقدرات العسكرية للحوثيين، 
وثانيهما توسيع الجماعة نطاق ردها، من خطوط المواجهة الداخلية إلى توسيع بنك أهدافها لتشمل معسكرات القوات الحكومية ومنشآت في السعودية.
وبينما تتحدث الحكومة عن استنزاف واسع لقدرات الجماعة وتحقيق تقدم في عدد من المواقع، لا تزال خريطة السيطرة الميدانية تشهد تغييرات محدودة، من دون اختراق عسكري يوازي الأهداف المعلنة للعملية.

هدف العملية

لم تبدأ عملية «فجر اليمن» في سياق مواجهة مفاجئة، بل جاءت تتويجاً لتصعيد عسكري شهدته البلاد منذ تموز/يوليو 2026، واتخذ منحى أكثر اتساعاً خلال أيلول/سبتمبر، مع تحركات للحوثيين في أرياف تعز ومناطق من الساحل الغربي، ومضيق باب المندب.
وفي الأيام التي سبقت إطلاق العملية، أعلن الحوثيون تحقيق تقدم في عدد من مناطق ريف تعز، والسيطرة على مواقع استراتيجية في الساحل الغربي. 
ووضع هذا التطور القوات الحكومية أمام تحدي منع اتساع تقدم الحوثيين، ولا سيما في المناطق التي تتيح السيطرة عليها التأثير في طرق الإمداد والاتصال بين تعز والساحل الغربي وعدن.
في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي ما وصفه بـ«ساعة الصفر» 
 قبل أن يعلن في اليوم التالي بدء عملية «فجر اليمن»، بمشاركة تشكيلات عسكرية حكومية ووحدات مساندة، بينها قوات العمالقة ودرع الوطن، إلى جانب الإسناد الجوي للتحالف بقيادة السعودية.
بحسب الأهداف التي أعلنها العليمي، تستهدف العملية استعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وإنهاء سيطرتهم على مؤسسات الدولة، وصولاً إلى استعادة العاصمة صنعاء.
 كما تشمل أهدافها تأمين الممرات البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، في ظل التهديدات التي طاولت الملاحة والمنشآت الحيوية خلال التصعيد السابق.
وتحمل أولوية الساحل الغربي بعداً يتجاوز المواجهة المحلية؛ فمضيق باب المندب يمثل أحد الممرات الرئيسية للتجارة الدولية، وأي تغير في السيطرة العسكرية على محيطه ينعكس على أمن الملاحة وخطوط التجارة.
 لذلك ارتبطت العملية، منذ بدايتها، بمحاولة منع الحوثيين من توسيع نفوذهم في هذه المنطقة، إلى جانب استعادة المواقع التي خسرتها القوات الحكومية.
وفي اليوم الأول، أعلنت القوات الحكومية تنفيذ 1122 عملية استهداف على جبهات صعدة والجوف وتعز والساحل الغربي، وقالت إنها استهدفت مواقع المدفعية والراجمات والتحصينات وخطوط الإمداد ومراكز القيادة والسيطرة. 
كما أعلن التحالف مشاركة نحو مئة طائرة مقاتلة في العمليات، وتوفير غطاء جوي للقوات على الأرض، مع تأمين المجال المحيط بمضيق باب المندب.
وكان وزير الدفاع طاهر العقيلي قد تحدث، بعد يومين من انطلاقها، عن تقسيم العملية إلى ست مراحل قتالية، في مؤشر على أن القيادة العسكرية لا تتعامل معها باعتبارها تحركاً محدوداً أو معركة قصيرة الأمد.

أكثر من 40 ألف استهداف

في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر، أعلن مجلس القيادة الرئاسي، في بيان بمناسبة مرور شهر على العملية، تنفيذ القوات المسلحة 40 ألفاً و761 عملية استهداف عسكرية ضد الحوثيين في مختلف الجبهات، قال إنها أسفرت عن تحييد نحو 20 ألفاً من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير وإعطاب أكثر من خمسة آلاف آلية.
واعتبر المجلس هذه الحصيلة بأنها تعكس حجم الاستنزاف الذي تعرضت له القدرات البشرية والعسكرية للحوثيين، مؤكداً أن العملية ماضية حتى إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على كامل الأراضي اليمنية.
ولم يقتصر البيان على عرض الحصيلة العسكرية، بل تضمن رسائل سياسية تتصل بمسار العملية وموقعها ضمن أولويات الحكومة. فقد أشاد المجلس بأداء القوات المسلحة والأمن والمقاومة الشعبية، مثمنا تضحياتها في مختلف الجبهات، وصمود أبناء محافظة تعز في مواجهة الحصار والهجمات الحوثية.
كما أكد مسؤولية الدولة عن انتظام الرواتب واستمرار الخدمات وتقديم الإغاثة ورعاية النازحين، مشيداً بالدعم السعودي لمؤسسات الدولة والجهود الإنسانية والتنموية.
وتكشف هذه المضامين عن محاولة لتقديم العملية باعتبارها مساراً يتجاوز المواجهة العسكرية، ويرتبط باستعادة مؤسسات الدولة وتعزيز حضورها في المناطق الخاضعة للحكومة،
 بالتوازي مع العمليات القتالية. كما حمل البيان رسالة إلى السكان في مناطق سيطرة الحوثيين، دعاهم فيها إلى رفض التجنيد وحماية المؤسسات المدنية من الاستخدامات العسكرية.
وبالنظر إلى الأرقام المعلنة الصادرة عن الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد عبدالله النزيلي، فإنها تعكس استمرار العمليات العسكرية بوتيرة مرتفعة خلال الشهر الأول، وإن تفاوتت أعداد الاستهدافات من يوم إلى آخر، من دون أن تسجل مساراً تصاعدياً منتظماً.
 ففي 7 تشرين الأول/أكتوبر، أعلنت القوات تنفيذ 2103 استهدافات، ارتفعت إلى 2200 في 13 من الشهر نفسه،
 قبل أن تتراجع في بعض الأيام اللاحقة، مسجلة 835 استهدافاً في 21 تشرين الأول/أكتوبر، و1392 في 23 منه، و951 في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر، ثم 1322 في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر.
يُظهر هذا التفاوت أن كثافة العمليات لم تقتصر على الأيام الأولى للعملية، بل استمرت خلال الأسابيع اللاحقة، وإن بمعدلات متباينة. 
ووفق البيانات العسكرية، شملت الاستهدافات مواقع انتشار الحوثيين وتجمعاتهم وتحركاتهم وتعزيزاتهم ومصادر نيرانهم، إلى جانب مراكز القيادة والسيطرة ومخازن الأسلحة والإمداد. 
وتظل هذه الأرقام حصيلة معلنة من القوات الحكومية، ولا تتوافر بيانات مستقلة تتيح التحقق من دقتها أو قياس نتائجها الميدانية بصورة شاملة.

الحوثيون يوسّعون دائرة الرد

في المقابل، لم يقتصر رد جماعة الحوثي على التصدي للهجمات البرية في جبهات القتال، بل اتخذ مسارات متزامنة 
 شملت تكثيف الهجمات الصاروخية والمسيّرة على السعودية، واستهداف تجمعات ومعسكرات القوات الحكومية، وضرب منشآت ومرافق حيوية في عدن وحضرموت.
وكثفت الجماعة هجماتها بالصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه السعودية، معلنة استهداف مطارات ومواقع عسكرية ومنشآت حيوية. 
وشملت الأهداف التي وردت في البيانات المعلنة مطارات أبها ونجران والدمام، وقاعدة الملك خالد الجوية، إلى جانب مواقع في الرياض والمنطقة الشرقية.
في المقابل، أعلن التحالف اعتراض عدد من المقذوفات والطائرات المسيّرة، وتعرض منشآت ومواقع مدنية لهجمات، بينها مرافق في قطاع الطيران والطاقة. وترافقت هذه التطورات مع تحذيرات من انعكاس التصعيد على سلامة الطيران والملاحة والمنشآت الحيوية.
على المستوى الداخلي، اتجهت الهجمات الحوثية بصورة متزايدة نحو معسكرات التدريب والتجمعات العسكرية، وهي أهداف تختلف عن المواقع القتالية التقليدية على خطوط التماس.
 ففي 20 تشرين الأول/أكتوبر، تعرض معسكر في منطقة العلم بمحافظة شبوة لهجوم صاروخي، أعقبه استهداف معسكر تدريب في منطقة مريس بمحافظة الضالع في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر.
وتكتسب هذه الهجمات أهمية خاصة بالنظر إلى أن الحكومة تسعى من خلال العملية إلى إعادة تنظيم قواتها ورفع جاهزيتها، وحشد وحدات عسكرية في محاور القتال. 
وبالتالي، فإن استهداف المعسكرات ومراكز التدريب لا يقتصر على إيقاع خسائر بشرية، بل يستهدف أيضاً إعاقة عملية تجميع القوات وتأهيلها وإعادة توزيعها على الجبهات.
ولم تتوقف الهجمات عند المعسكرات؛ إذ طاولت مطاري عدن والريان في المكلا، ومقر الحكومة اليمنية في قصر معاشيق بعدن، إضافة إلى مرافق أخرى، في تصعيد وضع المنشآت المدنية والحكومية ضمن نطاق المواجهة. 
ويشير هذا النمط إلى أن الجماعة تحاول توسيع كلفة العملية على الحكومة، وإظهار قدرتها على نقل المعركة إلى مناطق يفترض أنها أكثر أمناً واستقراراً، وفق قراءة لمنظمة ACLED المتخصصة في رصد النزاعات.

جبهات القتال المشتعلة

على المستوى الميداني، توزعت المواجهات خلال الشهر الأول على خمسة محاور رئيسية، هي الساحل الغربي وتعز ولحج ومأرب والجوف، مع اختلاف طبيعة المعارك والنتائج المعلنة في كل منها. 
وبينما تحدثت القوات الحكومية عن استعادة مواقع استراتيجية وتوسيع نطاق انتشارها، واصل الحوثيون شن هجمات مضادة ومحاولات تقدم في مناطق أخرى، بما جعل الحصيلة الميدانية متفاوتة من جبهة إلى أخرى.
وتكشف هذه الصورة عن تفاوت بين طبيعة العمليات العسكرية والنتائج التي أفضت إليها؛ فبعض المكاسب اقتصر على مواقع مرتفعة أو نقاط عسكرية ذات أهمية تكتيكية، 
بينما بقيت أهداف أوسع، مثل تأمين الطرق وفك الحصار عن تعز واستعادة المراكز الإدارية، خارج نطاق ما تحقق خلال الشهر الأول.

الساحل الغربي وباب المندب

كان الساحل الغربي أحد أبرز محاور العملية، بالنظر إلى أهميته العسكرية والجغرافية، وارتباطه بمضيق باب المندب وخطوط الملاحة الدولية. 
وأعلنت القوات الحكومية، في اليوم الأول للعملية، استعادة مواقع في منطقة باب المندب ومحيط مطار ذوباب، قبل أن تعلن لاحقاً استعادة مواقع في جبهة كهبوب الاستراتيجية.
لكن تقدم القوات الحكومية في هذا المحور واجه تحديات ميدانية، أبرزها كثافة الألغام التي زرعها الحوثيون في مناطق المواجهات، 
فضلاً عن استخدام الصواريخ الباليستية وانتشار القناصة، وهي عوامل أعاقت تحرك القوات وأبطأت تقدمها، وفق ما أفاد به الناطق الرسمي باسم القوات المشتركة في الساحل الغربي، وضاح الدبيش .
وفي كهبوب على وجه الخصوص، لم تتوقف المواجهات عند إعلان استعادة المواقع؛ إذ تجددت الاشتباكات بين الحين والآخر، 
بالتزامن مع محاولات حوثية لاستعادة بعض المواقع أو الالتفاف على القوات الحكومية، ما أبقى الجبهة مفتوحة على جولات متقطعة من القتال.
ويصف الباحث اليمني المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية علي الذهب عملية «فجر اليمن» بأنها متعثرة،
 معتبراً أن ما تحقق على الأرض لا يتناسب مع سقف التطلعات التي حملها اسم العملية وحجم الأهداف المعلنة لها، والمتمثلة في تحرير صنعاء واستعادة الدولة ومؤسساتها.
ويقول الذهب إن المكاسب الميدانية في محور باب المندب تقتصر على استعادة مناطق محدودة، فيما لا تزال المنطقة، بما فيها الجزر، تحت سيطرة الحوثيين.

تعز… جبهة مفتوحة

في تعز الواقعة جنوبي غرب البلاد، تداخلت العمليات المرتبطة بـ«فجر اليمن» مع مواجهات كانت قد بدأت قبل إطلاقها، إذ شهدت المحافظة تصعيداً حوثياً منذ آب/أغسطس، اتسع خلال أيلول/سبتمبر، بالتزامن مع تقدم الجماعة في مناطق من الريف الجنوبي والغربي.
وخلال العملية، اتسع نطاق المواجهات ليشمل ثماني جبهات تحيط بالمدينة من الجهات الشرقية والغربية والشمالية. وفي جنوب المدينة وجنوبها الشرقي، تركزت المعارك في ثلاثة محاور رئيسية: الأقروض في مديرية المسراخ، والشقب وكحلان في مديرية صبر الموادم.
في المقابل، واصل الحوثيون الضغط على محيط المدينة، مستفيدين من تقدمهم في الأرياف، وساعين إلى تطويقها وقطع طرق الإمداد. 
كما كثفوا هجماتهم على جبهتي صبر الموادم والمسراخ، اللتين تمثلان امتداداً دفاعياً للمدينة، في محاولة للوصول إلى مرتفعات جبل صبر المطلة عليها.
ورغم هذا الضغط، لم يحقق الحوثيون أي تقدم ميداني نحو مركز المدينة، فيما أعلنت القوات الحكومية، في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر، إحراز تقدم في جبهة كحلان، جنوب شرقي المدينة.
وتعكس هذه التطورات استمرار المواجهات بين محاولات الحوثيين توسيع نطاق سيطرتهم في محيط المدينة، ومساعي القوات الحكومية للحفاظ على مواقعها واستعادة ما فقدته، من دون أن يفضي ذلك حتى الآن إلى إنهاء التهديد العسكري عن المدينة ومحيطها.
في هذا الجانب، يوضح الباحث علي الذهب، أن المواجهات الدائرة في تعز بدأت أواخر آب/أغسطس، أي قبل إطلاق العملية، ولذلك لا يمكن احتسابها ضمن نتائج العملية. 
ويشير إلى أن القوات الحكومية خسرت خلال تلك المواجهات مناطق عدة، وأن المعارك الجارية لاستعادة بعض المواقع تأتي في سياق المواجهات التي بدأت قبل إطلاق العملية.
ويضيف الذهب أن محور تعز لم يتلقَّ أي وحدات قتالية جديدة لتعزيز قواته منذ إطلاق العملية، وأن قوات المحور والمقاومة الشعبية لا تزال تخوض المواجهات بالإمكانات المتاحة لديها.
وعلى الصعيد الإنساني، تواجه المدينة عزلة شبه كاملة مع استمرار تعطل طرق الإمداد. فمنذ الرابع من تشرين الأول/أكتوبر، تسيطر جماعة الحوثي على المنافذ الرئيسية المؤدية إليها، عقب تقدمها في مناطق ريفية جنوبي المحافظة، بينها الطريق الرابط بين تعز وعدن.
وبحسب تقارير أممية، أسهم الحصار الذي تفرضه جماعة الحوثي على مدينة تعز، والقيود المفروضة على حركة التنقل والبضائع، في تفاقم الأوضاع المعيشية للسكان، مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع قدرتهم على تأمين احتياجاتهم اليومية.
 في المقابل، تنفي الجماعة فرض حصار على المدينة.

لحج في قلب المواجهة

في لحج جنوبي البلاد، تركزت المواجهات في مناطق المضاربة والمقاطرة وطور الباحة وكهبوب، حيث تكتسب المرتفعات أهمية عسكرية بسبب إشرافها على الطرق التي تربط مدينة تعز بمحافظة عدن والساحل الغربي.
وأعلنت القوات الحكومية، خلال تشرين الأول/أكتوبر، التصدي لهجمات للحوثيين في عدد من المواقع، وتحقيق تقدم في بعض المحاور، بينها جبهة كهبوب ومؤخرًا مناطق في طور الباحة والمقاطرة.
في المقابل، واصل الحوثيون محاولات التقدم باتجاه المرتفعات والمواقع المشرفة على طرق الإمداد، وسيطرتهم على طريق هيجة العبد الرابط بين تعز وعدن.
وفي الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر، أعلنت قوات درع الوطن صد هجوم للحوثيين في جبهة المحاولة والبرهنة، والتقدم في مواقع بمديريتي طور الباحة والمقاطرة.
وتكشف هذه التطورات أن أهمية جبهة لحج لا تنحصر في السيطرة على المرتفعات، بل تمتد إلى تأمين خطوط الإمداد والحركة بين المحافظات، وهو ما يجعلها إحدى أكثر الجبهات حساسية في حسابات الطرفين.

مأرب… تقدم من دون اختراق حاسم

في محافظة مأرب الغنية بالغاز، أطلقت القوات الحكومية عمليات من المحورين الجنوبي والشمالي الغربي، وأعلنت السيطرة على مواقع في جبال ثمد والقايمة والمقيلات وعكد القايمة والرصيد، إلى جانب مواقع في سائلة رغوان، والتقدم باتجاه معسكر أم ريش الاستراتيجي.
في المقابل، استمرت المواجهات في رغوان ومدغل، مع هجمات متبادلة ومحاولات تقدم حوثية. ولم تسجل الجبهة، وفق التقييم المنشور بعد شهر، تحولاً جذرياً في خطوط السيطرة أو استعادة مراكز إدارية ومواقع استراتيجية كبرى.
وبذلك، يمكن وصف ما تحقق في مأرب بأنه انتقال من حالة الدفاع السلبي إلى نشاط عسكري أكثر فاعلية، بدون أن يفضي حتى الآن إلى اختراق يغير موازين السيطرة في المحافظة.

الجوف… تقدمات ميدانية

أما في الجوف شمالي البلاد، فقد شهدت الجبهة الشرقية والشمالية الغربية مواجهات متصاعدة، مع إعلان القوات الحكومية السيطرة على سلسلة مرتفعات جبلية استراتيجية مطلة على خطوط إمداد الحوثيين.
وتكتسب هذه المواقع أهميتها من إشرافها على مسارات التحرك والإمداد، وقربها من مدينة الحزم، مركز المحافظة، التي تسعى القوات الحكومية إلى الاقتراب منها والضغط على مواقع الجماعة في محيطها.
في المقابل، أعلن الحوثيون التصدي لمحاولات تقدم القوات الحكومية في الجوف. ولا تزال التطورات الميدانية في هذه الجبهة تقتصر على تقدمات موضعية ومحدودة،
 فيما يبقى توسيع نطاقها مرهوناً بتثبيت السيطرة على المواقع المستعادة وتأمين خطوط الإمداد، قبل الانتقال إلى مراحل تقدم أوسع باتجاه مركز المحافظة.
تتوزع السيطرة في الجوف بين القوات الحكومية والحوثيين، الذين يسيطرون على مركز المحافظة، مدينة الحزم، ومناطق أخرى.
 وتكتسب المحافظة أهمية استراتيجية لموقعها الحدودي مع السعودية، ومجاورتها محافظات عمران وصعدة وصنعاء الخاضعة للحوثيين، ومحافظتي مأرب وحضرموت الخاضعتين للحكومة.

الحصيلة

تكشف حصيلة الشهر الأول عن فجوة بين كثافة العمليات العسكرية والنتائج الميدانية التي أمكن تحقيقها. 
فبينما أعلنت الحكومة تنفيذ عشرات الآلاف من الاستهدافات وإلحاق خسائر كبيرة بالحوثيين، لم تنعكس هذه الأرقام حتى الآن في تغير واسع ومستدام في خريطة السيطرة.
في المقابل، لم يقتصر أداء الحوثيين على الاحتفاظ بمواقعهم في عدد من المحاور، بل تمكنوا من مواصلة الضغط على ريف تعز والتقدم في مناطق من لحج.
ولا تعني هذه المعطيات أن العملية لم تحقق أي نتائج عسكرية؛ فقد أسهمت في إعادة تحريك جبهات ظلت لفترة طويلة في حالة جمود، ودفعت القوات الحكومية إلى الانتقال من الدفاع إلى محاولات التقدم في بعض المحاور. 
لكنها، في الوقت ذاته، تكشف أن استنزاف القدرات العسكرية للحوثيين لا يترجم تلقائياً إلى مكاسب جغرافية، ما لم يترافق مع قدرة برية على السيطرة والتثبيت وتأمين خطوط الإمداد، وفق تقديرات خبراء عسكريين.

مازن ناصر