Logo

مسعفو اليمن... صراع مع الموت لإنقاذ المرضى والمصابين

 يُسابق مُسعفو اليمن اللحظات من أجل إنقاذ أرواح المرضى والمصابين عقب التصعيد الأخير في البلاد، غير آبهين بانفجاراتٍ أو معارك محتدمة أو مخاطر متنقلة. 

فهُم رغم قسوة الظروف، لا يفارقون الخطوط الأمامية، حيث يلبّون نداءات الاستغاثة وينهمكون في مهامهم الإنسانية، وسط نقصٍ حادّ في المعدات، وصدمات نفسية متراكمة.

وسط إمكانات معدومة وانهيار شبه تامّ للقطاع الصحي في اليمن، لا يقتصر المشهد على دمار الحرب وحدها، بل يمتد ليصنع قصصاً يومية من البطولة الصامتة عقب اتساع رقعة المواجهات بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين. 

ففي الوقت الذي يفرّ فيه الجميع بحثاً عن الأمان مع دويّ الانفجارات، يسير آخرون في الاتجاه المعاكس؛ هم المتطوعون والمسعفون والعاملون في أقسام الطوارئ داخل المستشفيات الذين يواصلون أداء واجبهم اليومي حاملين أرواحهم على أكفّهم، وتاركين عائلاتهم وسط قلقٍ لا ينتهي.

قبل أن تنطلق أصوات الانفجارات أو تشتد نداءات الاستغاثة، يبدأ يوم المسعف عدنان السيد عبد الله علي (46 عاماً)، مع أذان الفجر. 

يبدأ يومه بالصلاة، قبل أن يشدّ رحاله نحو مناوبته الطويلة التي تمتد 12 ساعة في قسم الطوارئ وسيارات الإسعاف بمستشفى المظفر العام في مدينة تعز، جنوب غربيّ البلاد. 

عدنان، الذي يملك سيرة حافلة بمهامٍ إنسانية وإسعافية يمتدّ أثرها منذ عام 2008، تنقّل خلالها بين مستشفيات عدّة، يعمل حاليّاً بصفة متعاقد في مستشفى المظفر العام، وذلك منذ سبعة أعوام، متسلّحاً بشغفٍ وحبّ لمهنته تحوّل مع اشتداد الحرب إلى عزيمة لإنقاذ الأرواح في أقسى الظروف.
 
دائرة من المخاطر

لم تكن مغادرة عدنان بيته صباحاً أو مساءً تخلو من التوتر المزدوج، فهو يترك زوجته منذ تسعة أعوام بمفردها في منزلهما الواقع قرب خطوط النار والمواجهات في الجبهة الشرقية لمدينة تعز المحاصرة. 

لا يملك عدنان ترف التفكير الطويل، فبينما يساوره القلق على زوجته، يتلقّى نداء استغاثة لينطلق لأداء واجبه.

 ورغم العمل الشاق في مستشفى المظفر الذي يئنّ تحت ضغط الحالات اليومية وعجز الإمكانات، إلا أنّ نداء الواجب لا يترك مجالاً للتردّد. 

وتتضاعف التحديات أمام عدنان داخل سيارة الإسعاف، فالأمر لا يتوقف عند خطورة الميدان، بل يمتد إلى معاناة السير في الطرق المزدحمة والضيقة ومشاقّ حمل المرضى والمصابين ونقلهم من المنازل عبر الطرق الوعرة. 

ومع السهر المتواصل والضغط العصبي والنفسي في المستشفى، يشكو عدنان بين الحين والآخر من ارتفاع ضغط الدم، فيما لا تفارق مشاعر التوتر زوجته التي لم تستطع الإنجاب حتى اليوم، ربّما بسبب الضغوط النفسية، بحسب قوله.

ففي اليمن، لم يعد عمل المسعفين وطواقم الطوارئ وعمّال الخدمات الصحية مجرّد وظيفة لساعاتٍ محدّدة، إذ إنّ الحرب جعلت إنقاذ المصابين مهمّة تشوبها دائرة متواصلة من المخاطر، تبدأ من لحظة تلقّي البلاغ ولا تنتهي بالوصول إلى المستشفى. 

وبين القصف والاشتباكات والطرق الوعرة ونقص الوقود والأدوية، يحاول هؤلاء أن ينتزعوا دقائق إضافية تُبقيهم على قيد الحياة، قبل أن يكون مصيرهم الموت.

وحذّرت منظمة الصحة العالمية، مراراً، من أنّ العاملين الصحيين والمرافق الطبية وسيارات الإسعاف يتعرضون في مناطق النزاع لمخاطر تشمل العنف والتهديد والاعتداء والنهب ومنع الوصول، إضافة إلى انقطاع الكهرباء والمياه ونقص الوقود.

يقول عدنان  "بدأتُ عام 2008 في تنفيذ المهام الإنسانية، ومع تفاقم الأوضاع في البلاد كان من البديهي أن أسارع إلى مساعدة المصابين وإنقاذ حياتهم، غير أنّنا نواجه صعوبات بالغة، إن لجهة زحمة السير أو مشقّة حمل المريض أو المصاب من المنازل الواقعة عند الطرق الوعرة.

 وأصعب اللحظات هي عند تلقّي بلاغ من مرضى يصارعون الموت، بينما الطرق مزدحمة، فنبذل قصارى جهدنا للوصول إليهم وإنقاذ أرواحهم، ونقلهم إلى المستشفى".

وعن التعامل مع الخوف، يقول عدنان: "هناك قليل من الخوف، رغم أنّني اعتدتُ سماع القصف، ولكنّني أؤمن بالقدر، وما دام هناك روح تدبّ في جسدي فلا بدّ أن أقوم بواجبي". 

وحول معجزات الميدان، يوضح أنه "نحاول قدر الإمكان إسعاف المرضى والمصابين، إن لجهة الإنعاش القلبي الرئوي في مكان الحادث، أو لجهة إيصال الأدوية المتوفرة لإنقاذ الحياة. وقد تمكّنتُ مراراً من إنقاذ مرضى داء السكري، بعدما كانوا في حالة غيبوبة".

حين يسدل الليل ستاره، وتخفت قليلاً أصوات الميدان، يعود عدنان إلى منزله بخطواتٍ متعبة وذكرياتٍ مؤلمة، 

ويختم بالقول: "أن تُنقذ حياة أشخاصٍ لا تعرفهم، يبقى شعوراً لا يوصف، ولا سيّما أنّ مَن أحيا نفساً كأنّما أحيا الناس جميعاً. 

كما أنّ مواصلة المهام الإنسانية والإسعافية رغم قسوة الظروف، خيرُ دليلٍ على ضرورة التمسك ببصيص أملٍ وسط هذا الجحيم".

إمكانات ضئيلة ومستشفيات عاجزة 

في الجانب الميداني، يعمل المسعفون بأدواتٍ تكاد تكون معدومة، وهو ما يؤكده المسعف سعيد العبيدي، الذي يعمل في أحد مستشفيات عدن، جنوبيّ البلاد، 

ويقول "تخوض طواقم الإسعاف معركةً يوميّة في ظلّ عجز تامّ للبنى التحتية عن مواكبة الإصابات المعقدة، مثل النزيف الحادّ والكسور المضاعفة. 

وبذلك، يجد المسعف نفسه في اللحظات الحرجة أمام اختبار قاسٍ، حيث يتعيّن عليه التعامل مع إصاباتٍ جماعية وحالات نزيفٍ لا تحتمل الانتظار، 

مستنداً إلى خبرته الفردية ومهارته لسدّ الفجوة بين حجم الكارثة وغياب المعدات، لتتجاوز مهام الطواقم مجرد النقل إلى محاولة مستميتة لانتزاع الأرواح من حافة الموت بإمكاناتٍ ضئيلة جدّاً".

وفي السياق ذاته، يقول المسعف سامي (اسم مستعار)، الذي يعمل في أحد مستشفيات صنعاء، وسط البلاد، إنّ "عمل طاقم الإسعاف، من سائق السيارة إلى رئيس قسم الطوارئ، هو عمل متكامل وفدائي، حيث ينذر أفراد الطاقم حياتهم لإنقاذ الآخرين. 

كما أنّ عملنا متعبٌ جدّاً ومليءٌ بالمخاطر، إذ يجب أن نكون على استعداد وتأهّب طوال 24 ساعة، وأن نتحرّك بمجرّد وصول بلاغ أو استدعاء".

ويضيف: "مهام الإسعاف في اليمن صعبة جدّاً نتيجة شحّ الإمكانات، بما في ذلك النقص الحادّ في سيارات الإسعاف بالمستشفيات الحكومية والخاصة، بالإضافة إلى أنّنا نغطّي الغياب شبه التامّ للدفاع المدني. 

فنحن نعمل في بيئة عمل شديدة الصعوبة من أجل إنقاذ حياة الناس، خصوصاً في ظلّ زيادة عدد الجرحى الذين يسقطون نتيجة الحرب أو حوادث الطرقات وغيرها، وكلّ ذلك بإمكاناتٍ بسيطة جداً". 

ويتابع: "نشكو من الإرهاق البدني والصحي والنفسي نتيجة عملنا في مهام الإسعاف، ولكن ذلك لا ينعكس سلباً علينا فقط، إنّما يزرع الخوف والقلق في نفوس عائلاتنا التي تنتظر عودتنا بفارغ الصبر".

لا يقف التحدي عند حدود خطورة الميدان وشحّ الإمكانات فحسب، بل يمتد ليشمل الانهيار الهيكلي الذي يضرب القطاع الصحي في اليمن. 

فمع إغلاق مرافق صحية كثيرة وانقطاع رواتب كوادر طبية عديدة، باتت المستشفيات، حتى الخاصة منها، عاجزة ومُثقلة بالمصابين.

 إذ بعد وصول سيارة الإسعاف، تبدأ معركة أخرى داخل أقسام الطوارئ المكتظة، ليجد المسعف نفسه مُجبَراً على التحوّل إلى مُنقذٍ أخير ينفّذ عمليات إسعاف مطوّلة لكسب الوقت المهدور. 

ويكمن الوجه الأقسى لهذه المأساة في العبء النفسي الذي يُرغم المسعف على خوض معركة يائسة ضد منظومة صحية تُحتضر بأكملها.

بدوره، يقول الدكتور عبده ناجي العبيدي، مدير أحد مستشفيات تعز إنّ إدارات المستشفيات تواجه تحديات بالغة التعقيد في الموازنة بين التدفق المستمر للجرحى ومحدودية الإمكانات،

 موضحاً أنّ القطاع الصحي يعاني من شحّ حادّ في الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب ندرة الكوادر الفنية المؤهلة، وافتقار بيئة العمل إلى أبسط وسائل الحماية، ما يجعلها شديدة المخاطر.

نظام صحي على وشك الانهيار
 
وفي الأيام الأخيرة، شهدت مناطق عدّة في اليمن تصعيداً عسكرياً واسعاً، خصوصاً على الساحل الغربي. 

وفي 11 سبتمبر/ أيلول الماضي، أفادت منظمة أطباء بلا حدود بأنّ التصعيد والانتشار السريع للقتال في مناطق الساحل الغربي أثّرا بصورة مباشرة على المرافق الطبية ووصول السكان إلى الرعاية.

 وأوضحت المنظمة أنّ مستشفيات تقدم خدمات الإصابات في الساحل الغربي أُخليت خلال ساعات، فيما فرّ عدد كبير من السكان والعاملين الصحيين من مدينة المخا باتجاه الجنوب وعدن.

 وبحسب المنظمة، بقي نحو 30 من العاملين الصحيين في مستشفى المخا العام، وواصلوا تقديم الحد الأدنى من الرعاية الأساسية، بما في ذلك خدمات الولادة والطوارئ والعناية المركزة، رغم الظروف الأمنية الصعبة. 

وفي 15 سبتمبر الماضي، حذّرت "أطباء بلا حدود" من أنّ التصعيد الأخير يهدّد بدفع النظام الصحي في اليمن إلى حدّ يصعب التعافي منه. 

وفي 16 سبتمبر الماضي، كشف مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس أنّ نحو 20 مليون شخص في اليمن بحاجة إلى مساعدات صحية في ظلّ ارتفاع حدّة العنف الذي يفرض مزيداً من الضغوط على النظام الصحي الهشّ أصلاً في البلاد،

 وقال إنّ "التصعيد الأخير يفاقم الأزمة الصحية والإنسانية الحادّة بالفعل" . 

وحذّر غيبريسوس من أنّ الهجمات على المرافق الصحية ونقص الإمدادات والوقود، والاضطرابات في خدمات الإحالة، كلها عوامل تجعل النظام الصحي في اليمن أقرب إلى الانهيار، 

ونبّه إلى ارتفاع مخاطر تفشّي الكوليرا والحصبة وشلل الأطفال وحمى الضنك وسوء التغذية، خصوصاً بين النازحين الذين يعيشون في ظروف مكتظة مع محدودية الوصول إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي.
 
وفي فبراير/ شباط الماضي، كانت منظمة الصحة العالمية قد أعلنت أنّ اليمن لا يزال يواجه واحدة من أكثر حالات الطوارئ الصحية تعقيداً في العالم، بعد مرور أكثر من عقدٍ على الأزمة في البلاد،

 كاشفةً حاجة نحو 23.1 مليون شخص إلى مساعداتٍ إنسانية، ومشيرةً حينها إلى أنّ 60% فقط من المرافق الصحية لا تزال تعمل بكامل طاقتها، ما يترك الملايين من دون وصول آمن وموثوق إلى الرعاية الأساسية.

فخر العزب
صحافي يمني