Logo

الخيام... نصبٌ مفتوحٌ لعجز عربي

 ما أكثر الخيام في هذا الوطن العربي، وما أقل ما تبقى فيه من كرامة! من اليمن إلى غزة والسودان وجنوب لبنان، يتكرر المشهد نفسه؛ 

عائلات تُقتلع من بيوتها، وأطفال يكبرون تحت أقمشة مهترئة، وأمهات يبحثن عن ماء وطعام ومساحة ضيقة من الأمان، فيما تتحول المأساة إلى صور عابرة في نشرات الأخبار.

في غزة، تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي القتل والتدمير والحصار، وتدفع الفلسطينيين إلى مساحات أضيق من الخيام والركام، فيما تستمر في جنوب لبنان بنسف المنازل والقرى وفرض التهجير، في مشهد يعيد إلى الذاكرة ما جرى في القطاع.

 وفي السودان، يدفع ملايين المدنيين ثمن حرب تمزق البلاد، فيُقتلعون إلى مخيمات النزوح. 

أما في اليمن، فتتحول سنوات الحرب والانقسام إلى نزوح ممتد لملايين يضاف إليهم مئات آلاف في المواجهة الدموية الحالية.

 الخيمة هنا ليست مجرد مأوى للمُهجرين. إنها رمز لعجز رسمي عربي يتّسع بقدر اتساعها. 

كل خيمة جديدة تقول إن إنساناً عربياً اقتُلع من بيته، وإن منظومة سياسية عربية عجزت عن وقف المأساة أو حتى استخدام ثقلها بما يكفي لحماية المدنيين.

فأين هي مؤسسات العمل العربي المشترك، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية، من هذه المآسي؟ وأين الآليات العربية التي يفترض أن تتحرك عندما يصبح الأطفال والنساء والنازحون ضحايا حروب متواصلة؟ 

كيف تتحول السياسات والبيانات إلى مشهد متكرر، بينما تتحرك مؤسسات دولية وإنسانية لمحاولة لفت الانتباه إلى معاناة هؤلاء المدنيين، وتقديم الغذاء والماء والمأوى والرعاية، والضغط من أجل تخفيف الكارثة أو وقفها؟ 

ليس المطلوب أن تخوض الحكومات العربية حروباً، بل أقله أن تستخدم ما تملكه من أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية- مالية، وأن تجعل حماية الإنسان أولوية فعلية لا بنداً في بيان مندد بالمشهد. 

فبيانات الشجب لا تمنع التهجير، والقمم لا تعيد بيتاً، وعبارة "نتابع بقلق" لا تحمي طفلاً من الجوع والخوف.

من اليمن وغزة إلى السودان وجنوب لبنان، تتغير أسماء الضحايا ولا تتغير الخيام. ملايين العرب يعيشون تحتها، فيما تراقب عواصم عربية المأساة من خلف الزجاج، وتناشد مؤسسات دولية وإنسانية فعل شيء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

 الخيمة لم تعد مأوى مؤقتاً، بل باتت عنواناً لمأساة عربية متكررة في أكثر من مكان، ونصباً مفتوحاً لعجزٍ رسمي يتسع بقدر اتساعها. 

فكل خيمة تكشف الفجوة بين حجم الكارثة والفعل الرسمي. ذلك ليس موقفاً من المأساة. ذلك هو العجز وقد أصبح سياسة.

ناصر السهلي
صحافي فلسطيني