الحوثيون ومعركة خنق المخا
يشهد الريف الغربي لمحافظة تعز، جنوب غربي اليمن، منذ أيّام، تصعيداً عسكرياً كبيراً بين القوات الحكومية وجماعة الحوثيين، إذ تدور مواجهات في محاور مقبنة وجبل حبشي والكدحة والبرح والمناطق المتصلة بالساحل، وصولاً إلى حيس والجراحي وتهامة،
ما يعني أن جبهة تعز مقدّمة لمعركة أكبر، والرهان العملياتي الأوسع للحوثيين عزل تعز عن ساحلها الغربي، وخنق ميناء المخا، وتهديد تمركز القوات الحكومية القريبة من باب المندب،
والمتمثّلة في "المقاومة الوطنية" بقيادة العميد طارق صالح، وهو عضو مجلس القيادة الرئاسي الذي تسيطر قوّاته على المديريات الساحلية الأربع: المخا، وذوباب، وموزع، والوازعية، وأجزاء من مديرية مقبنة.
لكن هل ما يحدث في جبهة غربي تعز معركة حوثية خالصة؟
الحقيقة أنّ هذا سيناريو إيراني، بشكل أو بآخر، للسيطرة على مضيق باب المندب.
وهذا الاستنتاج تدعمه دلائل سياسية وعسكرية وتصريحات، إذ قال علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، في إبريل/ نيسان، إنّ "غرفة القيادة الموحّدة لجبهة المقاومة تنظر إلى باب المندب
كما تنظر إلى هرمز"، كما نقلت تقارير، في يوليو/ تموز الماضي، عن مصادر إيرانية ومرتبطة بالحوثيين أنّ طهران طلبت من الجماعة الاستعداد لتهديد باب المندب في حال تصعيد أميركي.
لافت هنا أنّ تحرّك الحوثيين الأكبر في تلك المنطقة جاء بعد يومَيْن من أعنف غارات أميركية على إيران منذ يوليو/ تمّوز الماضي، فاستهدفت أربع محافظات إيرانية وقصفت مائة هدف، مخلّفةً قتلى وجرحى،
ليطلق الحوثيون، في 3 سبتمبر/ أيلول، نحو 14 صاروخاً باليستياً على محيط المخا وريفها والكدحة ومقبنة والبرح، بالتزامن مع هجمات بالمسيّرات ومحاولات تسلّل،
ثمّ اندفعت القوات الحكومية إلى هجوم مضادّ على مواقع جماعة الحوثيين في جبهتي الكدحة ومقبنة غربي محافظة تعز.
والكدحة ومقبنة والبرح ليست مجرّد أسماء في خريطة النقاط المشتعلة، بل عُقد تماس تربط جبل تعز بسهلها الغربي وبالمسار المؤدّي إلى المخا،
لذا فإنّ أيّ تقدّم فيها، أو حتّى تثبيت تهديد ناري مستمرّ، يرفع كلفة النقل العسكري والمدني في طريق تعز - المخا، ويضعف قدرة القوات الحكومية على الحركة بين الداخل والساحل.
وطبعاً، الهدف من هذا كلّه هو عزل تعز عن ساحلها وقطع الإمداد عن القوات الحكومية، مع استهداف طريق الإمداد الواصل إلى المخا.
بمعنى أنّ السيطرة على هذه المناطق غربي تعز ليست هي الغاية النهائية، لكنّها مفتاح الحوثيين لخنق المخا، وربّما فرض حصار عليها،
مع استمرار إطلاق الصواريخ الباليستية والمسيّرات وصولاً إلى السيطرة عليها. وطبعاً، الضغط على جبهة غرب تعز يمنح الحوثيين ثلاث فوائد،
أولاها إبقاء المدينة المحاصرة في وضع دفاعي،
وثانيتها إرباك قوات طارق صالح في جبهة الساحل،
وثالثتها فتح نافذة تهديد دائمة للمخا، التي تعدّ مفتاح السيطرة على باب المندب، وهذا هو الهدف العام لإيران، عبر الحوثيين.
ولذلك، ليس مستغرباً أن تحذّر الحكومة اليمنية، على لسان وزير الإعلام معمّر الإرياني، من توجّه الحوثيين إلى السيطرة على المخا، وأنّ معلومات حكومته تشير إلى تمدّد حوثي في الساحل الغربي ومحاولة السيطرة على جزر استراتيجية "بتوجيه ودعم من الحرس الثوري الإيراني"، كما قال.
وهنا من المهم القول إنّ خنق المخا يضعف أحد مفاتيح حماية الساحل المقابل لباب المندب، وفي لحظة تتعرّض فيها إيران لضغط عسكري أميركي حول هرمز، يصبح امتلاك حلفائها القدرة على التصعيد في باب المندب ورقة ردع ومساومة ذات قيمة أعلى.
لذلك، لا ينبغي التعامل مع البرح ومقبنة والكدحة باعتبارها مسرحاً ثانوياً، بل بمثابة خطوط الدفاع الأولى عن المخا، والمخا بدورها ليست مجرّد ميناء يمني، بل عقدة بين الحرب اليمنية وصراع الممراّت البحرية الإقليمية.
ولذلك، أظهرت الحكومة اليمنية أنّها تدرك خطر الجبهة، إذ حرّكت في البداية قواتٍ من العمالقة ودرع الوطن لتعزيز محور تعز والساحل، وشنّت هجمات مضادّة استخدمت فيها المسيّرات والمدفعية، ورفعت الجاهزية العسكرية والاستخباراتية، وصعّدت مساء الجمعة الماضي مستخدمةً الطيران الحربي للمرّة الأولى.
لكنّ المعركة لن تُحسم بالتعزيزات وحدها، لأنّ الحوثيين يراهنون على الاستنزاف وقطع الإمداد وخنق المخا، لا على هجوم مباشر واحد.
وهنا من المهم القول إنّ المطلوب هو تحويل ردّة الفعل العسكرية إلى مشروع دفاع استراتيجي للمخا وباب المندب، عبر قيادة موحّدة مهمّتها الحماية المستمرّة للطريق الرابط بين تعز وساحلها والميناء، وصولاً إلى حيس وتهامة، وربّما، في مرحلة لاحقة، التفكير عسكرياً في معركة الحديدة والسيطرة عليها.
وبدلاً من أن تكون الحكومة اليمنية مجرّد متلقٍّ وصاحبة عمليات ردع، على مجلس الثمانية، وفي رأسه العليمي، أن يفكّر بجدّية في خطوة عسكرية إلى الأمام، وأن يبادر إلى إطلاق معركة الحديدة، التي يعني فقدان الحوثيين السيطرة عليها بداية النهاية للجماعة المنقلبة على الدولة منذ سبتمبر 2014.
صدام الكمالي
صحافي يمني