عودة الجريدة الرسمية في اليمن: هل يُكشف "أرشيف الظل" بالتعيينات؟
بعد انقلاب جماعة الحوثيين على مؤسسات الدولة في سبتمبر/ أيلول 2014، غادرت الجريدة الرسمية في اليمن طاولات المطابع، ومعها غابت مئات القرارات الرئاسية والجمهورية والقوانين عن أبناء الشعب،
ليبدأ مسلسل "القرارات غير المعلنة" التي شرعنت لما يمكن تسميته بـ"قرارات الظل" الصادرة بشكل مخالف للقانون.
وبعد 11 عاماً من غياب الجريدة الرسمية التي تصدر عن وزارة الشؤون القانونية، دشنت الحكومة في العاصمة المؤقتة عدن، يوم الخميس الماضي، عودة إصدار الجريدة من جديد، لتفتح الباب أمام أسئلة بشأن فتح الباب لكشف "قرارات الظل" التي صدرت طوال سنوات الفراغ بمعزل عن النشر الشفاف والرقابة.
الحوكمة وإعادة توظيف القانون
وأوضحت وزيرة الشؤون القانونية إشراق المقطري أن "الجريدة الرسمية في اليمن منقطعة منذ عام 2015 بعد سيطرة جماعة الحوثيين على العاصمة صنعاء بقوة السلاح وانقلابها على مؤسسات الدولة، فكان غياب هذه الجريدة إحدى تبعات هذا الانقلاب،
وخلال الفترة اللاحقة، وإن كانت هناك محاولات لإعادة هذه الجريدة من قبل القيادات السابقة ورغم محاولات كادر الوزارة،
إلا أنه كان هناك الكثير من التحديات، وصعوبة حصولهم على اللوائح والقرارات التي كانت تنشر وضعف عملية التنسيق بين المؤسسات المعنية في الدولة بهذا الشأن".
ولفتت المقطري إلى أن "إعادة الجريدة الرسمية في اليمن أول هدف وضعناه في الوزارة، وكانت بالنسبة إلينا عنوان الحوكمة وإعادة توظيف القانون في الجهات السيادية للدولة"
مشيرة إلى أن إصدار الجريدة الرسمية مستمد من المادة 103 من دستور الجمهورية اليمنية النافذ لعام 1991 وأيضاً القرار الجمهوري رقم 22 لعام 1992،
وأيضاً من قانون الجريدة الرسمية، الذي يعتبر المرجع القانوني الوحيد المرتبط بالدولة، والذي يحق له نشر القوانين واللوائح والقرارات.
وعن أهمية عودة الجريدة الرسمية، أوضحت المقطري: "عودتها حالياً هي بشكلها الورقي، ونعدّ حالياً لمشروع عودتها إلكترونياً".
ولفتت إلى أن انتظام الجريدة الرسمية في اليمن بشكل قانوني "سيعمل على إزالة أي شيء مبهم أو لبس، وسيكون بمثابة حجة على الدولة ويستطيع أن يستند إليه أي شخص، سواء كان قانونياً أو شخصاً عادياً، لكونه مصدراً للمعلومات بشكل رسمي،
وهنا نحقق استقراراً قانونياً، وأيضاً نحمي المراكز القانونية للأفراد والمؤسسات والهيئات، ونوفر الحماية لمن صدرت بحقهم هذه القرارات أو اللوائح".
مهمة الجريدة الرسمية في اليمن
وبحسب المقطري، ترتكز استعادة عمل هذه الجريدة على مهمة رئيسية أوكلت إلى الوزارة تتمثل بتحقيق مبدأ المشروعية الدستورية بعيداً عن التناول غير القانوني والعشوائي للوائح والقرارات التي تصدر، وهو ما يزيد من عملية التخبط ويعوق أي نوع من الاستقرار التشريعي.
وكشفت الوزيرة اليمنية أن وزارة الشؤون القانونية تسعى لنشر القوانين واللوائح بأثرٍ رجعي للسنوات الماضية "لأن مسؤوليتنا كانت أن نباشر العمل منذ أن بدأنا العمل في الوزارة،
لكن لأن الحق القانوني يقتضي أن يكون العمل بهذه الجريدة بأثر رجعي، نقوم بجمع القرارات التي صدرت خلال الفترة الماضية، وقمنا بالتنقل بين الأرشيف ومكاتب هيئات الدولة المختلفة لجمع هذه الوثائق،
واستطعنا جمع الأغلبية، وأصدرنا كل تلك القرارات التي صدرت منذ عام 2015 وحتى عام 2020،
والآن في المطبعة الإصدارات والقرارات من عام 2021 وحتى منتصف عام 2026، ونحرص على أن تكون بنهاية 2026 قد عادت الجريدة الرسمية بشكلها الدوري المنتظم وفق القانون، على أن يكون هناك إصداران شهرياً إن وجدت قرارات وقوانين ولوائح".
11 عاماً من الحرب والفراغ
طوال 11 عاماً من الحرب والفراغ، شكّل غياب "الجريدة الرسمية" في اليمن مظلة خلفية لتعطيل قاعدة دستورية أساسية، مفادها أن القوانين والقرارات لا تُلزم الكافة إلا بعد نشرها.
وقد حذّر خبراء قانونيون مراراً من التداعيات الوخيمة لتحول القرارات المصيرية إلى تعميمات إدارية غير موثقة، خلقت بيئة خصبة لفوضى التشريع وتضارب الاجتهادات، وأضعفت ثقة المستثمرين والأفراد بالبيئة التشريعية.
وعلى الرغم من الآثار القاسية للحرب وتداعياتها المدمرة على الاقتصاد، شهدت سنوات الصراع طفرة غير مسبوقة في أعداد القرارات.
فعلى سبيل المثال، صدر القرار الرئاسي رقم (195) لسنة 2026 في 19 أغسطس/ آب الحالي، متزامناً مع القرار الجمهوري رقم (66) لسنة 2026 مطلع الشهر ذاته، وهو ما يعكس معدلات ضخمة تشير إلى صدور مئات القرارات منذ مطلع العام الحالي وحده.
ومنذ مطلع 2026، صدرت حزمة من القرارات السيادية والمؤسسية الهامة، أبرزها القرار الجمهوري رقم (3) لسنة 2026 بتشكيل الحكومة الجديدة برئاسة شائع محسن الزنداني،
تلته تعديلات وزارية محدودة، وقرارات لتنظيم العمل الإداري والخدمي وإنشاء الهيئة العامة لشؤون جرحى الحرب، وإنشاء اللجنة العليا للمناقصات.
وعلى الصعيد العسكري، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي قرارات شملت تعيينات قيادية وتشكيلات تهدف إلى رفع الجاهزية، بالتزامن مع قرارات خدمية أفرزت هيئات مستشفيات تخصصية.
وقد واجهت هذه الحزمة نقاشات بشأن الموازنة بين متطلبات تسيير الدولة والشفافية في الإعلان.
وإلى جانب التعيينات المعلنة، برزت ظاهرة خطيرة تتمثل بقرارات غير معلنة يجري تطبيقها فعلياً وتُصرف لها مخصصات ضخمة دون نشرها. وهو ما تكشفه المفارقة الصادمة خلال إحدى الفترات الوجيزة، إذ صدر 131 قراراً مراوحة بين القرار 64 و195،
فيما اقتصر الإعلان الرسمي على 8 قرارات فقط، ما يبرز التساؤل عن مصير نحو 131 قرار تعيين صدرت في خفاء تام. وغالباً ما تأتي هذه القرارات في سياق "المراضاة" السياسية والمحاصصة للهروب من الضغوط الرقابية وشروط الكفاءة.
ومن الناحية القانونية، إن استمرار العمل بالقرارات سرّاً يضع مئات التعيينات في دائرة البطلان القانوني ويُفرغ الرقابة المؤسسية من مضمونها.
وانعكست هذه الأحادية سلباً على تماسك السلطة الشرعية، وبرزت أزمات حادة إثر تعديلات وزارية لم تحظَ بتوافق مسبق.
ففي 23 يوليو/ تموز الماضي، أصدر العليمي قراراً جمهورياً أجرى بموجبه تعديلاً وزارياً محدوداً في حكومة الزنداني، تقرر بموجبه تعيين أفراح الزوبة وزيرةً للخارجية وشؤون المغتربين، وتعيين بدر باسلمة وزيراً للتخطيط والتعاون الدولي، وعهد جعسوس وزيرةً للإدارة المحلية.
غير أن القرار أثار جدلاً داخل مجلس القيادة نتيجة عدم التوافق المسبق عليه، لتؤدي بعد أيام الزوبة اليمين الدستورية وزيرةً للخارجية، بينما قدم باسلمة استقالته.
أما عهد جعسوس، فقد صدر قرار جمهوري في الثاني من أغسطس يقضي بإعادتها لتولي حقيبة الدولة لشؤون المرأة، وهو ما يعكس الأزمات الحادة التي قد يخلفها الاستفراد باتخاذ القرارات الفردية خارج أطر الشراكة.
قرارات بالجملة بعيداً عن الرقابة
وفي السياق، رأى المحامي محبوب النجدي أن "تعطيل الجريدة الرسمية في اليمن لم يكن خطأً إدارياً، بل كان عملاً ممنهجاً مارسته قيادات الشرعية المتعاقبة طوال سنوات الحرب لتمرير قرارات بالجملة بعيداً عن الرقابة، وتُستخدَم أدواتٍ لشراء الولاءات أو تقديم الترضيات على حساب المصلحة العامة".
وتكمن الكارثة الحقيقية، بحسب النجدي، "في الأعباء المالية الباهظة لتضخم الهياكل الإدارية، إذ باتت وزارات كالإعلام أو الشباب والرياضة تضم نحو 20 وكيلاً ومستشاراً، فضلاً عن ابتداع مسميات مستحدثة تماماً خارج الهياكل المعتمدة".
واختتم النجدي حديثه مقارناً بأن دولة فقيرة تعيش الحرب لأكثر من 11 عاماً مثل اليمن أصدرت أكثر من 250 قراراً رئاسياً وجمهورياً خلال فترة وجيزة، بينما دولة غنية بحجم السعودية لا تكاد تصل قراراتها السيادية العليا إلى عُشر هذا الحد في ذات النطاق الزمني،
مؤكداً أن إعادة إصدار الجريدة الرسمية وإتاحتها للجمهور سيشكّلان سداً منيعاً لتعزيز الرقابة الشعبية والحد من النزف المالي والإداري.
بدوره، اعتبر المحلل السياسي وليد شمسان، أن استمرار الآليات الغامضة في اتخاذ القرار وإصدار مئات التعيينات المخالفة لقوانين التعيين في الوظيفة العامة خارج أطر الشفافية والجريدة الرسمية، يعكس أزمة حقيقية تعاني منها مؤسسات الشرعية اليمنية"
مشيراً إلى أن "هذه الممارسات تزيد من حجم الأعباء المترتبة على الفساد المالي والإداري، وتقوض مسار الشراكة الوطنية والتوافق الذي قام عليه مجلس القيادة الرئاسي، وتفرغ أي خطوة إصلاحية شكلية، كعودة الجريدة الرسمية، من محتواها الحقيقي، إن لم تتبعها توجهات جادة لمراجعة قرارات المرحلة الماضية وتصحيحها كافة".
فخر العزب
صحافي يمني