Logo

صحافة يمنية بديلة تروي حكايات الناس بعيداً عن صخب الحرب

 متنقلاً بين الحاسوب والهاتف المحمول، يقضي رئيس تحرير منصة ريف اليمن الصحافي ياسر عقيل وقته مستعرضاً المواد الجاهزة للنشر والمقترحات التي تقدم بها الصحافيون للعمل عليها.

 وعلى الرغم من أنه يقيم في مدينة تعز (جنوب) التي تعد الأكثر تضرراً من الحرب المستمرة في البلاد منذ العام 2015، فإنه لا يركز على متابعة بيانات الصراع العسكري أو رصد عداد الضحايا والخراب الذي تقتات عليه شاشات الإعلام التقليدي والمُموّل، 

بل يتابع بحماس بالغ تفاصيل قصة نجاح لمزارع تحدى قسوة الجفاف، أو تقريراً عن مبادرة أهلية لشق طريق ترابي في قرية نائية نسيتها عواصم القرار.

في الوقت الذي ظل فيه المشهد الإعلامي لسنوات طويلة منخرطاً في أخبار الحرب والتحريض وتأجيج الانقسامات، يختار هذا الجيل من الصحافيين الشباب في الداخل اليمني أن يشقوا طريقاً مختلفاً تماماً، متجاوزين لغة الدمار واليأس ليصنعوا واقعاً يفيض بالحياة، ولو على شكل طيف حلم.

إنهم لا يهربون من الواقع بقدر ما يرفضون الاستسلام لبؤسه، مفضلين أن يكونوا صوتاً لمن لا صوت له، ومدونين حقيقيين لقصص الصمود والتفاصيل اليومية البسيطة التي تصنع الروح اليمنية. وعلى يد الصحافي عقيل، وبعض الصحافيين الآخرين الذين اختاروا هذا الطريق،

 تتشكل ملامح ظاهرة "الصحافة البديلة" في اليمن، نافذة أمل نقية تثبت أن الإرادة والشغف القادمين من عمق الميدان أقدر دائماً على ترميم ما كسره الرصاص، وأن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون فعلاً للبناء لا هدم الإنسان.

لم يأتِ بروز المنصات الرقمية المستقلة من فراغ، بل وُلِد من رحم التصدعات الكبيرة التي أصابت المشهد الإعلامي التقليدي في اليمن، حيث تحوّلت غالبية وسائل الإعلام الحزبية والرسمية والموجهة، طوال سنوات الصراع، إلى مجرد أصوات تعبوية وأدوات صراع فاقدة كل معايير المهنية والمصداقية، تتغذى على تأجيج الانقسامات وخطابات الكراهية.

هذا الواقع المأزوم ترك الشارع اليمني غارقاً في حالة من الإحباط واليأس، ما دفع جيلاً جديداً من الصحافيين والشبان إلى إدراك ضرورة التمرد على هذا الواقع المفروض. 

لقد سعى هؤلاء الشباب لانتزاع الصحافة من خنادق التجاذبات السياسية، وتأسيس فضاءات مستقلة تقدم إعلاماً حياً يشبه تفاصيل حياتهم اليومية وهمومهم الحقيقية، مثل التعليم، والصحة، والفنون، والاقتصاد المحلي، لتصير هذه المنصات طوق نجاة يعيد للعمل الصحافي نبضه الإنساني النقي، ويزيح عناوين الحرب واليأس لمصلحة قضايا البناء والتنمية المجتمعية.
 
في ميدان الصحافة اليمنية اليوم، تتجسد ملامح "صحافة البناء" بديلاً يعيد الاعتبار للإنسان اليمني وتفاصيل حياته اليومية، بعيداً عن القوالب النمطية الجافة التي أدمنتها وسائل الإعلام الكبرى. 

تضع هذه المنصات المستقلة القصص الإنسانية والمجتمعية في صدارة أولوياتها، متتبعةً بصبر نبض الشارع وهمومه البسيطة، ومسلطةً الضوء على المبادرات الشبابية الخلاقة، والفنون، والموسيقى، والأنشطة الثقافية التي تتعمد أطراف الصراع تجاهلها أو طمسها.

ولأنها تدرك لغة العصر الرقمي، لم تكتفِ هذه المنصات بالكلمة المكتوبة، بل طوّعت أدوات السرد الحديثة والمبسطة لتلامس وجدان الجمهور، فاستثمرت في البودكاست، والفيديوهات القصيرة، والتقارير البصرية المنجزة بإمكانات الهواتف الذكية، لتقدم محتوى بصرياً وسردياً دافئاً يحكي قصة صمود المجتمع وبنائه اليومي من الأسفل إلى الأعلى.
 
لم تقتصر هذه الصحافة البديلة على تقديم صيغة عابرة للتعبير، بل تجسدت في خريطة متكاملة من المنصات المستقلة التي أعادت توزيع بوصلة الاهتمام نحو قضايا الإنسان والتنمية. 

تبرز في مقدمة هذه النماذج منصة ريف اليمن المتخصصة في صحافة المجتمعات الريفية والتراث المحلي، إذ تتحوّل عيون المنصة بعيداً عن صخب المدن ومعارك السياسة لتغوص في الأبعاد الاجتماعية والثقافية للأرياف المنسية، موثقةً تفاصيل الحياة اليومية، وقضايا الزراعة والمياه، والتغير المناخي، وقصص الصمود البسيطة.

ولا تقلّ عنها حضوراً منصة نسوان فويس التي رسخت مكانتها منارةً للصحافة النسوية والمجتمعية المستقلة، عازفةً عن قوالب الحرب والضحايا لتسلط الضوء على أدوار المرأة القيادية وقصص نجاحها، ولتقدم محتوى إنسانياً وثقافياً يعزز من حضور النساء صانعاتٍ حقيقياتٍ للأمل والسلام.

وفي المسار ذاته، تشكّل منصة بناء نموذجاً فريداً في صحافة التنمية والمبادرات المجتمعية، متخذةً من شعار "التعاونيات بناء من ركام الحرب" دافعاً لرصد وتشجيع المبادرات الأهلية، وإبراز قصص إعادة إعمار البنى التحتية، وتقديم قصص موثقة حول التحديات الاقتصادية والتنموية.

ولحماية هذا البنيان الإعلامي من التصدع، تقف منصة صدق اليمنية بوصفها إحدى أولى المؤسسات المتخصصة في صحافة التدقيق والتحقق من المعلومات، حيث تأخذ على عاتقها مهمة مكافحة الشائعات والأخبار المضللة وخطاب الكراهية المنتشر في الفضاء الرقمي، باعتماد معايير منهجية دقيقة وتحقيقات استقصائية رصينة.

على مقربة من الجبهات وبلا أمان، يدفع الصحافيون الشباب ثمن استقلاليتهم باهظاً وسط مخاطر أمنية وسياسية تفرضها أطراف ترفض الصوت الحيادي. 

وإلى جانب شبح التهديدات، تصطدم المنصات بشحّ المال وغياب الإعلانات والاعتماد على الجهود الذاتية، ليأتي التحدي التقني من انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت، محوّلاً البقاء إلى معركة من أجل الكلمة الصادقة. 

هكذا، لم تعد الصحافة البديلة مجرد هواية، بل تحوّلت إلى رهان لسلام مجتمعي من الأسفل إلى الأعلى، ليثبت الشباب أن الكلمة الصادقة قادرة على ترميم ما كسره الرصاص وإضاءة طريق المستقبل.

يقول رئيس تحرير منصة ريف اليمن، الصحافي ياسر عقيل، إن "الصحافة اليمنية تعاني من فقر حادٍّ في التخصص، وغياب التركيز على قضايا المجتمع، حيث طغى صخب الصراع العسكري على كل ما عداه، ما جعل شؤون الناس اليومية غير مرئية". 

ويضيف: "نحاول في منصتنا تقديم نموذج للصحافة المهنية المعمقة التي تعيد الاعتبار لثلثي السكان القاطنين في الأرياف، وهي فئات ظلت تعيش في الهامش بعيداً عن اهتمام أصحاب القرار، ليس فقط خلال سنوات الحرب، بل منذ إعلان الجمهورية". 

ويختم بتأكيده أن المنصة تسعى لردم هذه الفجوة عبر "مواكبة قصص التنمية والمبادرات المجتمعية التي يطلقها سكان الأرياف بأنفسهم، بعدما تلاشى أملهم في السلطات المنشغلة بصراعاتها".

بدورها، تؤكد الصحافية وفاء صالح، إحدى مؤسسات منصة نسوان فويس، أن الهدف الأساسي لانطلاقة المنصة كان "إعادة النساء إلى جوهر القصة، فاليمن لا يُختزل في الحرب، والمرأة اليمنية ليست مجرد ضحية، رغم قسوة الواقع ومعاناته المتنوعة".

وتوضح صالح أن "رهان المنصة قام على تقديم صحافة تعكس الصورة الحقيقية للإنسان اليمني وتنقل تجارب النساء بكل ما تحمله من تحديات وقدرة على الابتكار وصنع التغيير".

وتشير صالح إلى أن "الصحافة البديلة التي تديرها النساء تلعب دوراً محورياً في كسر النمط التقليدي الذي ركّز طويلاً على أرقام الضحايا والدمار، أو استغل قصص النساء للأطفال لأغراض التحشيد". 

وتضيف: "الصحافة المستقلة تسلط الضوء على زوايا مغيبة، من يبني رغم الحرب؟ من يجد الحلول؟ وكيف تقود النساء المبادرات في التعليم والاقتصاد والثقافة؟".

 وتشدّد صالح على أن "تمكين المجتمع يبدأ من تمكين سردية أن النساء شريكات في إنتاج المعرفة ورواية قصصهن بأصواتهن، لا مجرد مواضيع للتغطية" 

 وتؤكد أن دور الصحافة المستقلة اليوم "يمتد لتوسيع مساحة الأمل وتعزيز النقاش حول الحلول، بعيداً عن الاستقطابات السياسية التي تختزل اليمن في الحرب وحدها".

فخر العزب
صحافي يمني