Logo

الجوع يفتك بالموظفين اليمنيين: صدمة ضياع الرواتب يفاقمها تلاشي النقابات

 يعيش ملايين الموظفين اليمنيين بين فكَّي كماشة التصعيد الأمني الخطير من جهة والأزمات المعيشية الخانقة من جهة أخرى، في ظروف تُعتبر الأقسى منذ العام 2015. 

وكان الموظفون المدنيون المنقطعة رواتبهم منذ نقل البنك المركزي من صنعاء منذ 10 سنوات، يترقبون باهتمام شديد مسار الأحداث المتصاعدة في اليمن، 

خاصّة في ما يتعلق بموضوع التطور الطارئ في ملف تصدير النفط وصرف رواتب الموظفين، إلى أن جاءت عودة الحرب ما بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دولياً لتصيبهم بالصدمة والإحباط الشديدَين. 

وقد وصلت معاناة الكثير من الموظفين وأسرهم إلى مرحلة الجوع، مع تحول رواتبهم ومعاناتهم إلى ورقة تتجاذبها أطراف الصراع، فيما كانت الصدمة مضاعفة مع تلاشي دور النقابات التي خفت أصواتهم بسبب الانقسام والقمع من السلطات.

ويبلغ عدد موظفي الخدمة المدنية بحسب كشوفات الرواتب في آخر موازنة جرى العمل بها قبل الحرب في البلاد في 2014، نحو 1.2 مليون موظف، بما فيهم المنتمون للقطاع الأمني والعسكري.

 النسبة الأكبر التي تُقدر بنحو 600 ألف موظف تقريباً تتركز في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين، 

وهؤلاء غالباً منقطعو الرواتب أو يتلقون حوافز ضئيلة، يقابلهم عددٌ مقارب في الكشوفات موزعون بين مناطق الحكومة الشرعية في عدن،

 ويشمل ذلك الموظفين الأساسيين هناك بالإضافة إلى "الموظفين النازحين" الذين فرّوا من مناطق الحوثيين وتصرف لهم الحكومة الشرعية رواتبهم بشكل متقطع، 

وهؤلاء يعيشون ظروفاً صعبة بسبب محدودية الرواتب التي لا تغطي احتياجاتهم المعيشية في ظل ارتفاع أسعار السلع والمواد الغذائية والمشتقات النفطية والخدمات العامة مثل المياه والكهرباء.

اتفاقات ولا حلول

في السياق، يقول إبراهيم الحكيمي وهو موظف في إحدى الدوائر العامة بصنعاء إن انقطاع الرواتب فاقم معاناتهم كثيراً وتسبب بإفقارهم وعجزهم عن التعامل مع متطلبات المعيشة والسكن وتوفير الاحتياجات الغذائية، 

لكنه والكثير من الموظفين قد وصلوا لأعلى مستويات اليأس والإحباط من إيجاد أي حل، والتوافق بين جميع الأطراف على صرف رواتبهم.

ويتفق معه جلال عبدالله بأن الجميع شهد أكثر من اتفاق معلن مثل ستوكهولم وخريطة الطريق وغيرها وانتظروا صرف رواتبهم لكنها لم تُصرف 

مشيراً إلى أن جميع الأطراف لا تفكر بالناس ولا يهمها أمرهم ومعاناتهم. كما يشكو مواطنون وموظفون من تعرضهم لعملية تجويع ممنهجة من جميع الأطراف والتي سلبت منهم مصادر دخلهم الوحيدة والمتمثلة براتب الوظيفة العامة، 

في حين كانت الصدمة مضاعفة مع تلاشي الأصوات التي تحمل أصواتهم ومطالبهم مثل النقابات العمالية التي كانت ناشطة في مختلف الوزارات والمؤسسات والدوائر العامة.
 
يقول المواطن خالد العواضي، وهو موظف مدني لـ"العربي الجديد" بحرقة شديدة إنّ جميع الأطراف تتصارع على حساب رواتبهم وقوت أسرهم ومعيشتهم، وهذا هو الصراع الحقيقي الذي تخوضه جميع الأطراف منذ أكثر من 10 سنوات،

 بينما يتطلع موظف آخر، نبيل صالح، في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى أن تتفق الأطراف على صرف رواتبهم والنأي بها عن الصراع.

ويلفت موظفون تحدثوا لـ"العربي الجديد" إلى نقطة مهمة في هذا السياق، تتمثل في تلاشي دور النقابات التي تواجه عمليات تفريخ ممنهجة (إنشاء نقابات مسيّرة من الأحزاب أو الجهات السياسية)، 

فيما بعضها يرزح تحت سياسات التضييق التي تمارسها السلطات لمنعها عن القيام بدورها، ما أدى إلى توقف المفاوضات التي كانت تنشط في ملف رواتب الموظفين لإيجاد حلول مناسبة لصرفها.

شرخ نقابي

يقول عادل حسن وهو موظف في إحدى الدوائر وكان عضواً في اللجنة النقابية لجهة عمله إن الصراع والأوضاع التي مرت بها البلاد أثرت على نحوٍ بالغ، وخلقت واقعاً آخر مختلفاً وصادماً للعمل النقابي والعمالي وغيره،

 إضافة إلى الشرخ والانقسام الذي حصل في مؤسسات الدولة وكان له تأثير كبير كذلك على عمل المبادرات واللجان النقابية.

وتراوح الوعود مكانها بصرف رواتب الموظفين منذ إعلان مجلس القيادة الرئاسي منتصف يوليو/تموز الماضي عن استئناف تصدير النفط، وتخصيص عائداته لصرف رواتب جميع الموظفين وتحسين الخدمات، 

والذي أعقبه إجراءات وترتيبات لوزارة النفط في الحكومة المعترف بها دولياً، بهدف إعادة تصدير النفط المتوقف منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022، بعد استهداف الحوثيين لميناء الضبة الذي تستخدمه الحكومة لتصدير النفط بمحافظة حضرموت جنوب شرقي اليمن.

في حين تؤكد مصادر حكومية أن الإجراءات مستمرة بإشراف الشركة الدولية التي ستتولى عملية التصدير، رغم الصعوبات والتحديات التي تتم مواجهتها.
 
ويشير الخبير الاقتصادي ورئيس قسم العلوم المالية والمصرفية بجامعة حضرموت محمد الكسادي إلى أن قرار استئناف التصدير جاء بعد عجز الدولة عن صرف رواتب الموظفين، 

كما أن بعض السلطات المحلية لم تصرف حتى الآن رواتب جزء من الموظفين مثل المتقاعدين لشهر يونيو/حزيران، لذا فالدولة واقعة في مشكلة كبيرة في هذا الخصوص،

 وهو ما أجبرها على التوجه لاستئناف التصدير وقد تكون رتبت بعض المتطلبات مثل الحماية وغيرها قبل اتخاذ مثل هذا القرار.

ويؤكد أن الحكومة ستواجه صعوبات بالغة لتصدير النفط في ظل الوضع الراهن إن كان على مستوى الإنتاج أو وضعية الحقول والسيطرة على الأرض، والتصعيد الحوثي، 

كما أن الوضع غير مستقر والجميع يشاهد ما يجري في المنطقة من حرب وتوترات وتوقف إنتاج وتصدير النفط لدول تُعتبر نافذة ومن كبار منتجي ومصدري النفط والغاز، 

إذ هناك اضطراب في الممرات مع إغلاق مضيق هرمز والآن نفس الوضع يشهده البحر الأحمر وباب المندب، لذا يسأل الكسادي: "كيف سيجري تصدير النفط في ظل هذه الظروف ومع تراجع كمية الإنتاج؟".

ويبرز الانقسام النقدي مشكلة كبيرة في هذا الخصوص، إذ إنّ هناك واقعَين مصرفيَّين مختلفَين في كل من صنعاء وعدن، إضافة إلى نظامَين مختلفين للتداول النقدي وسعر الصرف،

 إضافة إلى التعقيدات في التحويلات بين مناطق الطرفَين بسبب الفارق في سعر الصرف، إذ إنّ تحويل مبلغ مالي يصل إلى نحو 120 ألف ريال من عدن إلى صنعاء يتطلب خصم رسوم التحويل، حيث يستلم المستفيد من هذا المبلغ فقط 40 ألف ريال.

ويؤكد الخبير المصرفي والمالي علي التويتي أن هذا الانقسام مشكلة كبيرة بغض النظر عن أزمة الرواتب، ولا يبدو أن الواقع سيختلف، بحسب ما تشهده البلاد حالياً من تصاعد حدة الصراع، 

متسائلاً "كيف سيجري تصدير النفط وصرف رواتب جميع الموظفين ونحن في اليمن لدينا عملتان وحكومتان ونظامان نقديان مختلفان، وليس هناك وضوح في كيفية التعامل مع هذه التحديات، 

لذا فالصورة ليست واضحة والمواطنون والموظفون هم الأكثر تضرراً مما يحصل في البلاد منذ العام 2015".

محمد راجح