الموانئ اليمنية على صفيح ساخن
الرأي الثالث
يعيش اليمن على وقع انفجار أزمة تمهد لمواجهات مفتوحة على كل الاحتمالات في المطارات والمنافذ البحرية، بعد إطلاق جماعة الحوثيين التي تسيطر على صنعاء و محافظات شمال اليمن ما سمّته خطة لفك الحصار الخانق عن مطار صنعاء والمطارات اليمنية الأخرى والموانئ وغيرها من المنافذ، الأمر الذي تسبب بوضع كتلة سكانية كبيرة وسط كماشة ورقعة جغرافية مغلقة من كل الاتجاهات.
وبدأت الأزمة مطلع شهر يوليو/ تموز الحالي مع هبوط طائرة إيرانية على نحو مفاجئ في مطار صنعاء وأقلت وفداً حوثياً إلى طهران للمشاركة في تشييع المرشد الراحل علي خامنئي، وما أعقب ذلك قبل أيام من إعلان الحكومة استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع تكرار هبوط الطائرة الإيرانية بعد رصد محاولتها دخول الأجواء اليمنية في رحلة ثانية لإعادة وفد الحوثيين،
فيما أعلنت الجماعة أن الطائرة تمكنت من الهبوط في الحديدة. وتتحدث مصادر مطلعة عن أن انفجار هذه الأزمة بشكل مفاجئ، التي يبدو أنها تتم وفق تسلسل زمني معد مسبقاً، وهي رسالة واضحة ترسم ملامح أهداف أخرى غير معلنة.
ولا تستبعد المصادر أن تكون السعودية، وممرها البديل لتصدير النفط في ينبع عبر البحر الأحمر، أحد أهم الأهداف، مرجحةً أن تكون الموانئ الوجهة المقبلة للصراع، بعد أن أُعيد أخيراً فتح ملف الأنبوب السعودي لتصدير النفط في البحر العربي، حيث كانت هناك إجراءات عديدة متعلقة بهذا الخصوص تمثلت بإعادة تشغيل موانئ يمنية في مناطق خط الأنبوب في حضرموت وسقطرى والمهرة.
قبل انفجار الأحداث الأخيرة مطلع يوليو الحالي، أقدمت وزارة النقل في عدن على تشكيل لجنة لإعادة تشغيل ميناء قناء في شبوة جنوب شرقي اليمن، وهو أهم ميناء استراتيجي يمني يقع على بحر العرب، وله علاقة مباشرة بالصراع الدولي المفتوح على الممرات وطرق التجارة الدولية،
إذ كان الميناء إلى جانب ميناء بلحاف الاستراتيجي لتصدير الغاز المسال، تحت سيطرة قوات محسوبة على الإمارات المنسحبة من اليمن مطلع العام الحالي.
وباشرت لجنة حكومية إجراءات اعتماد مشروع ميناء قناء بمحافظة شبوة، بهدف معلن، هو تعزيز دور قطاع الموانئ في دعم الاقتصاد الوطني وتنمية الإيرادات العامة، بينما تتحدث مصادر مطلعة عن خطة لربطه بمشروع آخر لتوسعة ميناء المكلا الهادف إلى رفع قدراته التشغيلية واستيعاب النمو المتوقع في حركة التجارة.
وتؤكد مصادر خاصة في وزارة النقل أن الوزارة تركز على تنمية المنشآت الاقتصادية وتطويرها وتوسيع مراكز النشاط التجاري، مشيرةً إلى أن مشاريع الموانئ الاستراتيجية تمثل أساس هذا التوجه بهدف رفع كفاءة قطاع النقل البحري وتعزيز مكانة الموانئ اليمنية كمنافذ اقتصادية فاعلة.
واستأنفت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً قبل ذلك في إبريل/ نيسان الماضي 2026، العمل بمشروعي إنشاء ميناءَي قرمة بمحافظة سقطرى وبروم بمحافظة حضرموت شرقي اليمن لإعادة تشغيل موانئ مهمة استراتيجية كانت مهملة ومتوقفة في مواقع حيوية على بحر العرب والمحيط الهندي.
خطوة فاجأت الكثير في اليمن، حيث ربطها البعض بالتوترات في المنطقة وإغلاق هرمز واضطراب التجارة العالمية، والأهم بالمشاريع التي أُعيد إحياؤها بالتزامن مع حرب إيران وأزمة إغلاق مضيق هرمز، منها المشروع السعودي لتصدير النفط عبر ممرات وموانئ اليمن في بحر العرب.
يقول المحلل الاقتصادي وفيق صالح ، إنه إذا ما تدحرجت الأمور نحو صراع مفتوح على الموانئ، فإن التوقعات الاقتصادية تشير إلى تزايد الاضطرابات في البحر الأحمر، وعسكرة الملاحة الدولية في باب المندب والممرات البحرية،
ما يؤدي إلى إغلاق الموانئ اليمنية، وخصوصاً المشاطئة للبحر الأحمر، وتحول هذه المنافذ إلى مناطق عمليات عسكرية مغلقة وخروجها عن الخدمة التجارية لفترات طويلة.
ويتابع: في حال إغلاق موانئ البحر الأحمر، ستلجأ جماعة الحوثي إلى زيادة اعتمادها على سفن الظل، التي تعمل بعيداً عن الرقابة الدولية، وتنامي ظاهرة القرصنة البحرية،
علاوة على أن الجانب الأخطر هو الدخول في دوامة حرب الموانئ، واستهداف الحوثيين لمرافق الحكومة الشرعية، ما ينذر بدخول البلد في حالة من العزلة التجارية وشل سلاسل الإمداد إلى اليمن وتفاقم الأزمة الغذائية والإنسانية في عموم البلاد.
وكان المستشار الاقتصادي برئاسة الجمهورية في اليمن، فارس النجار، قد كشف في وقت سابق أنّ ما يحصل من قبل الحكومة المعترف بها ليس مجرد إعادة تشغيل لموانئ بالمسمى العام، بل إعادة تموضع اقتصادي واستراتيجي للدولة في ما يتعلق بملف الموانئ،
فيما يعكس التركيز على موانئ المحافظات الشرقية، رغبة الحكومة في تنويع مراكز النشاط الاقتصادي، بعيداً عن نقاط الاختناق التقليدية، خصوصاً مع تزايد المخاطر الجيوسياسية، كما هو حاصل في البحر الأحمر وهرمز.
ويؤكد الخبير الاقتصادي محمد جمال الشعيبي، أنه إذا امتد التوتر إلى الموانئ أو الملاحة البحرية، فإن التأثير لن يقتصر على الجانب الأمني فقط، بل سيخلق اضطرابات في حركة الشحن. ويعدد التبعات التي تنتج من ذلك، أهمها ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وزيادة أسعار الغذاء والوقود، إضافة إلى تراجع الإيرادات الجمركية، وفرض ضغوط إضافية على سعر صرف الريال، واتساع دائرة الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
وبالنسبة إلى بلد مثل اليمن، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات بحسب الشعيبي، قد تكون هذه التداعيات أكثر إيلاماً من آثار المواجهات العسكرية المباشرة.
محمد راجح