Logo

العيد في اليمن.. فرحة غائبة تحت ثقل الجوع والحرب

الرأي الثالث

 يحلّ العيد هذا العام على ملايين اليمنيين في ظل أوضاع معيشية وإنسانية تُعد من بين الأسوأ منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من عقد، مع استمرار الانهيار الاقتصادي، واتساع رقعة الجوع والفقر، وتراجع التمويل الإنساني، في وقت تكافح فيه الأسر لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات.

وفي الأسواق اليمنية، تبدو مظاهر العيد باهتة مقارنة بالأعوام السابقة، مع تراجع القدرة الشرائية واتساع دائرة العجز عن شراء الاحتياجات الأساسية، بينما يواجه كثير من النازحين والفقراء ظروفاً أكثر قسوة في ظل تراجع المساعدات الإنسانية وتدهور فرص العمل والدخل.

وتؤكد تقارير أممية ودولية حديثة أن اليمن يقترب من مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، مع تصاعد معدلات انعدام الأمن الغذائي، واتساع آثار النزاع والكوارث المناخية، بالتزامن مع تراجع التمويل الدولي المخصص للاستجابة الإنسانية.

تمويل متراجع     

رغم استمرار تدخلات المنظمات الإنسانية، تؤكد الأمم المتحدة أن حجم التمويل المتاح لا يزال بعيداً بصورة كبيرة عن تلبية الاحتياجات الفعلية.

وبحسب بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، قدمت 113 منظمة شريكة مساعدات لنحو 3.6 ملايين شخص خلال الربع الأول من العام الجاري،

 إلا أن المنظمة تشير إلى أن هذه المساعدات لم تصل سوى إلى نسبة محدودة من إجمالي المحتاجين، الذين يُقدَّر عددهم بنحو 22.3 مليون شخص خلال عام 2026.

وفي هذا السياق، دعت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة إلى سرعة الإفراج عن التمويلات الدولية المعتمدة، مؤكدة أن انتظام تدفق الدعم الخارجي يمثل عاملاً أساسياً لتخفيف الضغوط الإنسانية ودعم الإصلاحات الاقتصادية.

كما أشار البنك الدولي، في تقريره الأخير المعنون «السباحة ضد التيار»، إلى أن تمويل خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة تراجع بصورة حادة خلال العام الجاري، في ظل اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والموارد المتاحة.

اقتصاد منهك 

وفي أحدث تقييم اقتصادي، قال البنك الدولي إن الاقتصاد اليمني واصل انكماشه خلال عام 2025 نتيجة استمرار توقف صادرات النفط، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التوترات الإقليمية.

وأوضح التقرير أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انكمش بنسبة 1.5% خلال عام 2025، مع توقعات باستمرار التراجع خلال العام الجاري، محذراً من هشاشة الاقتصاد اليمني أمام الصدمات الخارجية وتقلبات الأسواق العالمية.

كما أشار البنك إلى تراجع الإيرادات العامة بصورة حادة نتيجة توقف عائدات النفط وانخفاض المنح الخارجية، ما انعكس مباشرة على قدرة الحكومة على تغطية النفقات الأساسية والخدمات العامة.

وتزامن ذلك مع إجراءات اقتصادية شملت رفع أسعار وقود الديزل وزيادة سعر الدولار الجمركي للسلع غير الأساسية، وهي خطوات يتوقع اقتصاديون أن تؤدي إلى ارتفاع إضافي في أسعار الغذاء والنقل والخدمات.

ورغم تأكيدات الحكومة أن الإجراءات تستهدف السلع الكمالية، يرى مراقبون أن تداعياتها ستطال الأسر الفقيرة والنازحة بصورة مباشرة، خصوصاً مع استمرار تراجع قيمة العملة المحلية وارتفاع تكاليف المعيشة.

الجوع يتمدد 

وتشير أحدث التقديرات الأممية إلى أن ملايين اليمنيين يواجهون مستويات متفاقمة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في ظل استمرار الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية.

ووفق تحليل صادر عن المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، يُتوقع دخول نحو 150 ألف شخص إضافي مرحلة «الطوارئ الغذائية» خلال الربع الأخير من العام الجاري في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً.

كما يتوقع أن يرتفع عدد الأشخاص المصنفين ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي ــ وهي مرحلة «الطوارئ» ــ إلى نحو 1.8 مليون شخص، في مؤشر يعكس اتساع رقعة الجوع بصورة مقلقة.

وتبرز محافظات مأرب وتعز وشبوة وأبين، إضافة إلى مناطق من الحديدة، باعتبارها الأكثر عرضة لتفاقم الأزمة، مع تزايد أعداد الأسر العاجزة عن توفير الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية.

أما في مناطق سيطرة جماعة الحوثي، فتشير تقارير أممية إلى لجوء آلاف الأسر إلى وسائل بقاء قاسية، بينها تقليص الوجبات اليومية وبيع الممتلكات والاستدانة والتسول، في محاولة للتكيف مع الانهيار المعيشي المستمر.

وفي الوقت نفسه، حذر برنامج الغذاء العالمي من أن التوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري قد يؤديان إلى مزيد من الضغوط على أسعار الغذاء، في بلد يعتمد على الاستيراد لتغطية معظم احتياجاته الغذائية.

الأطفال يدفعون الثمن الأكبر

في ظل هذه الأزمة، يبقى الأطفال الفئة الأكثر هشاشة وتضرراً. ووفقاً لتقديرات برنامج الغذاء العالمي، يعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم مئات الآلاف ممن يواجهون سوء تغذية حاداً وخيماً يهدد حياتهم بصورة مباشرة.

كما يُتوقع أن تعاني أكثر من مليون امرأة حامل ومرضعة من سوء التغذية خلال العام الجاري، في ظل تدهور الخدمات الصحية والغذائية وتراجع برامج الدعم الإنساني.

وفي محافظة عمران، حذرت منظمة أطباء بلا حدود من ارتفاع «مقلق» في معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال، مع استقبال مستشفى السلام في مديرية خمر مئات الحالات خلال الأشهر الماضية، بزيادة كبيرة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

ولا تقتصر الأزمة على الجوع فقط، إذ تترافق مع انتشار الأمراض والأوبئة وتدهور النظام الصحي.

وبحسب «أوتشا»، تم تسجيل آلاف الحالات المشتبه بإصابتها بالحصبة بين الأطفال حتى نهاية مارس الماضي، إضافة إلى عشرات الوفيات المرتبطة بالمرض، وسط مخاوف من اتساع انتشار الأوبئة مع استمرار تراجع التمويل الصحي وبرامج التطعيم.

كما شهدت محافظة حضرموت آلاف الإصابات بحمى الضنك والحصبة منذ بداية العام الجاري، في ظل ضعف خدمات الرعاية الصحية ونقص الإمكانات الطبية.

النزوح والكوارث المناخية

إلى جانب الحرب والجوع، تواجه اليمن ضغوطاً متزايدة بفعل النزوح الداخلي والكوارث المناخية.

فقد أعلنت منظمة الهجرة الدولية نزوح آلاف الأشخاص منذ بداية العام الجاري، معظمهم في محافظة مأرب، نتيجة استمرار التوترات والصعوبات المعيشية.

كما تسببت الأمطار الغزيرة والفيضانات الأخيرة في سقوط قتلى وجرحى، وتضرر أكثر من مئة ألف شخص في عدة محافظات، بينها تعز وعدن وأبين ولحج ومأرب وحضرموت.

وفي تقريره السنوي، كشف مركز رصد النزوح الداخلي IDMC عن تسجيل مئات آلاف حالات النزوح في اليمن خلال عام 2025 بسبب النزاع والكوارث المناخية 

مشيراً إلى أن الفيضانات والعواصف والجفاف أصبحت عوامل رئيسية في تعميق الأزمة الإنسانية وتوسيع دائرة الهشاشة الغذائية والصحية.

ويُقدَّر عدد النازحين داخلياً في اليمن بنحو 4.8 ملايين شخص، ما يضع البلاد ضمن أعلى الدول عالمياً من حيث أعداد النازحين.

ضغوط إضافية

ورغم الأزمة الإنسانية المتفاقمة، تواجه اليمن تحديات إضافية مرتبطة بتدفق المهاجرين غير النظاميين من القرن الأفريقي، في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من انهيار اقتصادي وخدماتي واسع.

كما شهدت واردات الوقود عبر الموانئ اليمنية تراجعاً ملحوظاً خلال الربع الأول من العام الجاري، وفقاً لبرنامج الغذاء العالمي، الذي حذر من أن استمرار نقص الوقود قد يؤدي إلى اضطرابات أوسع في عمليات النقل وطحن القمح والتوزيع، بما ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والخدمات الأساسية.

وفي المقابل، تواصل التوترات الإقليمية والاضطرابات في سلاسل الإمداد فرض مزيد من الضغوط على الاقتصاد اليمني وأسواق الغذاء والطاقة.

مرحلة صعبة

وسط هذا المشهد المعقد، تبدو اليمن اليوم أمام واحدة من أكثر اللحظات الإنسانية خطورة منذ اندلاع الحرب؛ فالجوع يتوسع، والاقتصاد ينهار، والتمويل الإنساني يتراجع، بينما تتقاطع آثار النزاع مع الكوارث المناخية والأوبئة والانهيار المعيشي، في بلد يعاني أصلاً من هشاشة مزمنة.

ومع حلول العيد، يجد ملايين اليمنيين أنفسهم أمام واقع تتراجع فيه مظاهر الفرح لصالح معركة يومية من أجل البقاء، في انتظار انفراج يخفف من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.