ذكرى تأسيس “المجلس الانتقالي” محاولة إنعاش سياسي بعد سلسلة هزائم
الرأي الثالث
يمضي المجلس الانتقالي الجنوبي في استعداداته المكثفة للاحتفال بذكرى تأسيسه التاسعة التي توافق 4 مايو/أيار، وهي الذكرى التي تحل عليه لأول مرة بعد هزيمته العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة،
وخسارة نفوذه وهيمنته على قرار الحكومة، وبالتالي، فالاستعداد المغاير للاحتفال هذا العام يفرض عدداً من الأسئلة عما يريد تحقيقه.
وأبرز تلك الأسئلة تتمحور في الرسالة التي يريد إيصالها للحكومة اليمنية والرياض، وهل نتوقع مفاجآت في مسيراته خلال الأسبوع المقبل؟
ولماذا يتكرر إعلانه مؤخراً رفضه لدمج ميليشياته بقوات الحكومة؟ وهل ما زالت له سيطرة عليها؟ وهل يمكن أن يستعيد السيطرة عليها في حال فقدها؟
ولماذا دون السنوات الماضية يركز الانتقالي على تأطير ذكرى تأسيسه هذا العام باعتبارها ذكرى التفويض الشعبي له بوصفه ممثلاً شرعياً لما يسميها القضية الجنوبية؟
وهل يريد بذلك استباق ما سينتهي إليه مؤتمر الحوار الجنوبي – الجنوبي الذي تُعدّ له الرياض؟
“إعادة إثبات الوجود”
يقول الكاتب والباحث السياسي، محمود طاهر، إن “الانتقالي اليوم لا يحتفل من موقع القوة، بل من موقع الحاجة إلى إعادة إثبات الوجود، والحشد المبكر والمكثف ليس دليلاً على الثقة، بل مؤشر على القلق من التآكل السياسي والشعبي بعد الضربات التي تلقاها هذا العام”.
ويشير إلى أن “الرسالة التي يريد إيصالها للحكومة هي أنه “لا يزال لديه حضور وشبكات تعبئة، ولا يمكن شطبه بالكامل من المشهد” أما رسالته للرياض،
يضيف طاهر، “فهي أكثر مباشرة، إذا كنتم تعيدون هندسة الملف الجنوبي عبر مؤتمر شامل ومكونات متعددة، فلا تتعاملوا معنا كقوة منتهية”.
ويرى أن “المناسبة تحوّلت من ذكرى تأسيس إلى محاولة إنعاش سياسي، وإعادة إنتاج شرعية مفقودة عبر الشارع، بعد أن تراجعت شرعية السلاح والتنظيم”.
أما ما يتعلق بالمفاجآت، إن حدثت، ستكون حسب طاهر، “محسوبة بعناية، لأن الانتقالي لم يعد يمتلك هامش المناورة الذي كان يملكه سابقاً، ومن غير المرجح أن يغامر باستعراض عسكري صريح، لأن ذلك سيُفسَّر كرسالة تحدٍ للسعودية وللترتيبات السياسية الجديدة”.
واستدرك: “لكن، قد نشهد رموزاً عسكرية غير مباشرة، أو حضوراً منسقاً لعناصر سابقة محسوبة عليه، بهدف إيصال انطباع بأن أدوات القوة لم تتلاشَ بالكامل، ومع ذلك، يجب الانتباه إلى أن القدرة الفعلية على الحشد المسلح لم تعد كما كانت”.
وأشار إلى أن “التفكك التنظيمي، وتراجع السيطرة الميدانية، وخروج بعض القيادات، كلها عوامل تجعل أي استعراض أقرب إلى عرض رمزي منه إلى إظهار قوة حقيقية”.
وفيما يتعلق بتكرار “الانتقالي” إعلان الرفض لدمج ميليشياته بقوات الحكومة، يرى طاهر أن “تكرار هذا الرفض هو اعتراف غير مباشر بأن ملف القوات هو آخر أوراق النفوذ، لأن أي دمج حقيقي يعني ذوبان الكتلة العسكرية التي شكّلت عموده الفقري”.
لكن السؤال الأهم: هل ما زال يسيطر عليها؟
يقول محمود طاهر: “الإجابة الواقعية: السيطرة لم تعد مطلقة، بل متآكلة ومتفاوتة.
هناك وحدات وعناصر ما زالت مرتبطة به سياسيًا أو ولائيًا، لكن البنية السابقة لم تعد متماسكة كما كانت”.
“التفويض الشعبي”
خلافاً للسنوات السابقة، يركز “الانتقالي” في احتفال هذا العام على تأطير ذكرى التأسيس باعتبارها ذكرى ما يراه “التفويض الشعبي” له باعتباره الممثل الشرعي لما يسميها القضية الجنوبية.
ووفق طاهر، “التركيز على التفويض الشعبي ليس مجرد شعار تعبوي، بل محاولة لإحياء مرجعية بديلة عن الشرعية السياسية الجديدة التي يُراد إنتاجها عبر مؤتمر الرياض،
لأن المؤتمر، وفق ما أعلن، يستهدف جمع مختلف المكونات الجنوبية دون إقصاء، وصياغة رؤية مشتركة لا تحتكرها جهة واحدة، وهذا ينسف عمليًا فكرة الممثل الحصري التي بنى عليها الانتقالي مشروعه طوال السنوات الماضية،
لذلك يستدعي الانتقالي خطاب التفويض، حتى يسحب الشرعية من أي مكون جديد يعلن عن نفسه بدعم دول الجوار”.
لكن “المشكلة أن هذا الخطاب يصطدم بواقع مختلف، إذ إن الشرعية الشعبية لا تُستعاد بالشعارات وحدها، خصوصاً بعد الانقسامات والتراجعات وفقدان السيطرة الميدانية،
والمشهد اليوم يقول إن الجنوب يدخل مرحلة إعادة توزيع للأدوار، والانتقالي يحاول ألا يكون أول الخاسرين فيها”، حسب الطاهر.
في الخلاصة، يعيش “الانتقالي” في الوقت الراهن حالة ارتباك مصدرها خوف مصيري من مواجهة حقيقة تراجعه للصف الخلفي وفقدانه ما اعتاد عليه ووطّن رؤيته على التعامل معه، وهو قيادة ما يصفه بـ”النضال الجنوبي نحو الانفصال”،
وهو ما يمثل بالنسبة له صدمة في ظل اعتقاده بأنه قادر على استعادة حضوره القيادي بأي ثمن، وفي ذلك يراهن على أن الشارع قادر على إعادته لمكانته السابقة؛ بينما الشارع لم يصنع له ما كان عليه، حسبما يرى مراقبون.
وكان “الانتقالي” أقرّ الاحتفال المركزي بذكرى تأسيسه (4 مايو/ ايار) من خلال فعاليتين، الأولى في عدن بتاريخ الرابع من مايو/ أيار، والثانية في حضرموت في الخامس منه، بالإضافة إلى فعاليات ومسيرات في محافظات جنوبية وشرقية أخرى.
وتأسس “الانتقالي” بدعم إماراتي في الرابع من مايو/أيار 2017، برئاسة عيدروس الزُبيدي، وذلك عقب قرار عزل الأخير من عمله محافظاً لعدن. ويتبنى المجلس مشروع انفصال جنوب اليمن عن شماله.
وأعلن الأمين العام للمجلس، عبد الرحمن الصُبيحي، في التاسع من يناير/ كانون الثاني الماضي، قرار حل “الانتقالي” وإغلاق كافة هيئاته ومكاتبه في الداخل والخارج، وذلك عقب خسارته العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة.
أحمد الأغبري