Logo

صبري السقاف... تراجيديا المثقف اليمني في زمن الانكسار

 في عام 2012، قصد صبري السقاف مكتب التربية والتعليم في مدينة تعز لاستعادة حقه المهدور بعد فصله، فطلب منه مسؤول ساخراً أن يبقى قرب المكتب، فطبق الكلام، وبنى كوخاً أمام بوابة المكتب للاحتجاج

في شارع جمال عبد الناصر، قلب مدينة تعز اليمنية وأكثر نقاطها المزدحمة، ينتصب كوخ صغير مشيّد من بقايا الصفيح والخردوات، يستند إلى سور مكتب التربية والتعليم، أكبر المكاتب التنفيذية التابعة للسلطة المحلية في المحافظة، وهو صامد منذ أكثر من عقد من الزمن، ويحكي بصمت حكاية احتجاج لرجل يشبه اليمن في أوجاعه ومآسيه.
 
داخل الكوخ الذي لا يتسع إلا لجسد نحيل وبضعة دفاتر وأقلام وآلة عود قديمة، يعيش الستيني صبري السقاف الذي وهن منه العظم واشتعل رأسه شيباً، 

لكن عبقريته لا تزال تتوهج من تحت ملامحه المتعبة وثيابه التي أكل عليها الدهر وشرب، ليرسم بتفاصيل حياته القاسية تراجيديا المثقف اليمني في زمن الانكسار، وكيف تحوّل المبدع إلى عابر سبيل يعيش على الرصيف.

في تسعينيات القرن الماضي، كان السقاف مدرس لغة عربية أجاد النحو والصرف، وشاعراً طوّع القصيدة، وملحناً تآلفت أصابعه مع أوتار العود، وكاتباً مسرحياً أيضاً، لكنه جاء في زمنٍ لا يتسع للمواهب التي لا تجيد الانحناء للسلطة.

​وُلد السقاف في منطقة الحجرية بقلب ريف تعز التي توصف بأنها منارة إشعاع محلية، وفيها تشكلت بذور موهبته التي صاغت أحلام البسطاء في نصوص إبداعية، وحملتها إلى قلوب الناس، أحياناً معزوفةً، وأحياناً أخرى صرخةَ احتجاج.

 يدندن منذ نعومة أظفاره الألحان، ويكتب الشعر، وقادته هذه الموهبة الفطرية إلى دراسة اللغة العربية، والعمل مدرساً في مسيرة تربوية لم تطل،

 بدأها من مدارس منطقة الزكيرة، إلى مدارس منطقة النشمة، حيث وجد في نادي الشروق الرياضي والثقافي متنفساً لمواهبه المتعددة، 

وكان صوته يملأ الأرجاء في المناسبات الوطنية والمهرجانات المدرسية، كما يعيد صياغة وجع المدينة في أغانٍ حوارية باللهجة العامية التعزية.

خلال تسعينيات القرن الماضي، قدَّم السقاف نفسه إلى الجمهور شاعراً وملحناً وفناناً غنائياً ومسرحياً، 

وبدأ نثر إبداعاته بتألق كبير قبل أن يصطدم بصخرة البيروقراطية القاتلة عام 1997، حين دُعي إلى صنعاء للمشاركة في احتفالات ذكرى ثورة 14 أكتوبر بمسرحية من تأليفه لصالح جمعية رعاية وتأهيل المعاقين. 

في ذلك الحين، قررت وزارة الشؤون الاجتماعية، نتيجة إبداعه، انتدابه لتدريب مبدعين من ذوي الاحتياجات الخاصة، ووعدته بتسوية وضعه مع وزارة التربية، لكن الوعود تبخرت خلف المكاتب المغلقة. 

وبعد ثلاثة أشهر من العمل الإبداعي، أُخبر بأن انتدابه ممنوع قانوناً. وفي الوقت نفسه، أصدرت وزارة التربية قرار فصله بتهمة الانقطاع عن العمل، ووجد نفسه فجأة خارج أسوار الوظيفة والمنزل ومجرداً من مصدر رزقه الوحيد، في مفارقة مريرة "كافأت" الوزارة عطاءه بالتهميش والضياع.
 
تزوج السقاف في التسعينيات، وهي المرحلة التي شهدت الانعطافات الرئيسية في حياته، لكن زواجه لم يصمد أكثر من ثلاث سنوات، وانتهى بالانفصال كأن حياته كانت تسير نحو عزلة مكتوبة سلفاً. 

وبعد 14 عاماً من المعاناة، تحديداً عام 2012 حين قصد مكتب التربية والتعليم بتعز لاستعادة حقه المهدور، طلب منه أحد المسؤولين بلهجة لا تخلو من السخرية، أو ربما اليأس، أن يبقى قريباً من المكتب حتى يسهل إبلاغه إذا نزلت درجته الوظيفية، 

فأخذ السقاف هذا الكلام على محمله الحرفي واحتج ببناء كوخ من مخلفات المدينة أمام بوابة المكتب. 

ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا الكوخ الفارغ إلا من لحاف وقليل من الكتب مكان عزلة السقاف التي تشبه عزلة الشاعر الشنفرى الأزدي الجاهلي الذي هجر قومه ليكون بين الوحوش. وترك السقاف أسرته في الريف وعاش وحده في كوخ الصفيح رافضاً أن يكون عبئاً، ما عكس عزة نفسه وعصاميته.

يقول السقاف "لا أعيش هنا صدفة. يشبه هذا المكان واقعي وواقع اليمن. مكان مفتوح على الألم والأمل، وأنا أنتظر حقي وليس الشفقة. أكتب وأعزف وأغني كي أبوح بما في داخلي، ولأتمسك بما بقي لي".

في هذا الكوخ، يكتب السقاف قصائده ويستعيد ألحانه ويعيد صياغة العالم بطريقته الخاصة. يأتي كثير من نصوصه على ألسنة مهمشين، كأنه يكتب عن نفسه من خلالهم، أو يكتب عنهم كي يبقى حياً فيهم. 

في قصيدة تعد خلاصة تجربة حياته، يقول السقاف: "مهما تكونُ إعاقتي، سأظلُّ أحيا في أمل. حتماً ستظهرُ جبهتي في السهلِ أو فوقَ الجبلْ. لا.. لن تراني أسرتي عبئاً مطيلاً بالكسلْ إذ إنني راضٍ عن قسمتي من دونِ يأسٍ أو وجلْ، ولا أحزنَ وأذرفُ دمعتي. زهري تفتّحَ ما ذبلْ، ولقد رميتُ بذرتي التي ستكونُ للآتي مثلْ،

 وغداً سترونها، وهي جوابُ من سألْ. يا سيداتي وسادتي اعفوا على من جهلْ. يجدُ المسيءُ سماحتي وغيرَ السماحةِ لا ينلْ. إن يسخروا من هيئتي، لا شيءَ في غيري اكتملْ". كأن هذه الأبيات ليست مجرد كلمات، بل بيان حياة أو وصية رجل قرر أن يقاوم الانكسار بالإصرار.
 
يقول كمال فيصل، أحد أصدقاء السقاف، "يعتبر السقاف أن أصدق تجربة لشاعر هي الرفض، وهو يجسد واقع اليمن الذي يكشر اليوم في وجه المثقفين والمبدعين، بينما يبتسم للصوص والقلالين. إنه صوت الكرامة الذي اختار الرصيف على الانحناء للزيف".

ورغم كل ذلك، لا يبدو السقاف غارقاً في اليأس، ثمة عناد خفي في طريقته في الحديث، وفي إصراره على الكتابة، وفي حفاظه على دفاتره كأنها كنز، وهو يبتسم أحياناً، ويمازح من يزوره، ويغني بصوتٍ مبحوح، كأنه يذكّر نفسه قبل الآخرين بأنه ما زال قادراً على الغناء.
 
فخر العزب
صحافي يمني