عيد الفطر في اليمن… بساطة وتقشّف إجباري
حلّ عيد الفطر على اليمنيين وسط ظروف اقتصادية ومعيشية قاسية خلّفتها سنوات الحرب وتدهور العملة وارتفاع الأسعار.
وبين محاولات الحفاظ على بعض الطقوس التقليدية للعيد مثل شراء الملابس الجديدة وإعداد الحلويات المنزلية وزيارة الأقارب، وجد كثير من اليمنيين أنفسهم أمام واقع يفرض تقشفاً قاسياً ويغيّر ملامح المناسبة.
من العاصمة صنعاء، يصف التربوي يحيى عز الدين (46 سنة) أجواء العيد بأنها "غلبت عليها التعاسة نتيجة الغلاء الفاحش.
وجد كثير من الآباء أنفسهم أمام معادلة صعبة بين واجب إدخال الفرح إلى قلوب أطفالهم وبين التعامل مع الواقع الاقتصادي القاسي".
ويوضح أن أسرته اضطرت إلى اعتماد سياسة "التقشف الإجباري"، ما قلّص مشتريات العيد نحو النصف، وانعكس أيضاً على مائدة العيد الصنعانية التي فقدت كثيراً من مظاهرها المعتادة.
ويشير أيضاً إلى تغيّر بعض العادات الاجتماعية، "إذ أصبح كثير من الناس يكتفون بالسلام اليابس أو المعايدة عبر الهاتف المحمول لتجنّب الإحراج المادي في ظل العجز عن تقديم العسب أو العوادة.
نكهة العيد هذا العام مرّة جداً بسبب الضغوط الاقتصادية التي أثقلت كاهل معظم الأسر".
ومن ريف محافظة المحويت غرب صنعاء، يروي علي حسن السودي (48 سنة)، وهو صف ضابط، تجربة تعكس حجم الضغوط المعيشية التي يعيشها كثير من اليمنيين،
ويقول: "غياب الراتب وفقدان والدي الذي كان يشكل سندي في الحياة جعلا العيد بطعم مرير هذا العام. استدنت لشراء ملابس أطفالي كي لا يُحرموا من فرحة العيد، واعتمد بعض التجار حسومات شكلية أخفت الزيادات الفعلية في الأسعار.
طاول الغلاء كل شيء، من حلويات العيد إلى الغاز المنزلي الذي تضاعف سعره أربع مرات، ما دفع أسراً كثيرة إلى الاكتفاء بما يشبه العيد بلا مائدة. وفي ظل هذه الظروف، باتت لمّة العائلة صعبة، ونكهة العيد هذا العام تبدو كأنها على كف عفريت".
من ريف محافظة الحديدة (غرب)، يقول الموظف التربوي يحيى بلال (48 سنة) "العيد أكثر بساطة وتقشفاً. استغنت أسرتي هذا العام عن كثير من مظاهر الزينة والملابس الغالية واكتفت ببدائل متواضعة تتناسب مع ميزانيتنا المحدودة.
الفارق الأساس بين العيد الحالي وأعياد الماضي هو غياب الأمان وتراجع القدرة الشرائية الذي أدى إلى اختفاء بعض العادات الاجتماعية مثل الإفطار الجماعي وتجمعات العائلة الكبيرة.
وأصبحت الزيارات العائلية محدودة جداً بسبب الظروف المعيشية، لكننا سنحاول رغم ذلك الحفاظ على بصيص من الفرح، خصوصاً من أجل الأطفال.
نكهة العيد قد تكون محدودة لكنها لا تزال تحمل الأمل في إسعاد الصغار بما تسمح به الإمكانات المتاحة".
وفي محافظة إب (وسط)، ترسم طالبة الصيدلة شيماء الشليف (20 سنة) صورة تجمع بين التمسك ببعض طقوس العيد والشعور بفقدان شيء أساسي من أعياد الماضي،
وتقول "استطعنا هذا العام توفير الملابس الجديدة، وتمسكنا أيضاً بتقليد إعداد كعك العيد في المنزل كما نفعل كل عام، لكن الأجواء لم تعد كما كانت.
فقدان الأمان هو الفارق الأبرز بين أعياد اليوم والماضي، كما ترك التدهور المعيشي أثره أيضاً على العلاقات الاجتماعية،
إذ تراجعت زيارات الأقارب ولمّة العائلة، لأن أسراً كثيرة لم تعد قادرة على تحمّل تكاليف التنقل والضيافة، ما جعل العيد يمر في النطاق الضيّق للأسرة بدلاً من اللقاءات العائلية الواسعة التي كانت تميز هذه المناسبة قبل سنوات الحرب".
ومن مدينة عدن (جنوب)، يتحدث صائغ الذهب سعد عبد الله (25 سنة) عن تجربة مختلفة نسبياً، ويقول: استطاعت عائلتي الحفاظ على بعض مظاهر العيد رغم الأزمات الاقتصادية.
ويغلب على أجواء منزلي هذا العام الفرح بوجود والدتي، في حين لم تتأثر كثيراً ميزانية ملابس الأطفال وإعداد كعك البيت الممزوج بالبخور العدني بتقلبات الأسعار،
لكن هذه الفرحة تبقى ناقصة بسبب غياب شقيقي الأكبر عبد الرحمن، فالأخ هو المعدن الوحيد الذي لا يمكن تعويضه".
يتابع: "يمر العيد علينا هذا العام بشعورين متناقضين، الأول هو واجب الفرح الذي تفرضه ضحكات الأطفال في البيت، والثاني هو غصة الفراق التي تذكّر بأن العلاقات الإنسانية هي الثروة الحقيقية التي لا يمكن تعويضها".
في مدينة تعز (جنوب غرب)، تتخذ صورة العيد بُعداً أكثر قسوة. ويتحدث عامل البناء سعد عبد الرحمن (43 سنة) عن ذروة المعاناة المعيشية، وعن انكساره لعجزه عن شراء كسوة العيد لأطفاله بسبب توقف العمل خلال شهر رمضان،
ويصف هذا الشعور بأنه "موجع لأن الأعياد تحوّلت من مواسم للبهجة إلى مأساة حقيقية، وأذكر نكهة العيد قبل الحرب حين كان الجميع قادراً على توفير الكسوة والذهاب إلى الحدائق وتبادل الزيارات العائلية.
الوضع في تعز بات كارثياً نتيجة الأوضاع الأمنية وانقسام المدينة بين الأطراف المتصارعة، ما جعل أبسط طقوس العيد بعيدة المنال. سرقت الحرب والفقر معالم الفرح المعهودة".
وتبدو صورة العيد أكثر وضوحاً عند الاستماع إلى الأطفال.
تقول الطفلة حسينة أبو بكر (13 سنة)، من حضرموت "كنا ننتظر العيد للحصول على الألعاب والمشاركة في الجمعات، لكنه كأنه يوم عادي حالياً.
لا أزال صغيرة لكنني أذكر كيف كان العيد قبل سنوات قليلة. كانت الشوارع تضج بالناس والزينة في كل مكان والجمعات كثيرة.
لم تستطع صديقاتي شراء ملابس جديدة هذا العام، وبعضهن سيبقين في المنازل لأنهن يشعرن بحرج من ارتداء ملابس العام الماضي.
العيدية التي كان الأطفال يجمعونها لم تعد تكفي لشراء شيء بسبب الغلاء.
فقد العيد الكثير من مظاهره الشعبية مثل الألعاب واللقاءات في الحي، وأتمنى أن يعود كما كان حين كنا نلعب ونفرح من دون أن نسمع أحداً يشكو من الفقر والظروف".
أما الحاجة مسك (67 سنة) من محافظة تعز، فتختصر حكاية العيد بكلمات يملؤها الحنين، وتقول "العيد هو عيد العافية والستر، أما الفرحة الحقيقية فسارت مع أهلها.
أنا أم لـ11 ابناً وبنتاً فرقتهم الحرب والظروف الاقتصادية في مدن وبلدان مختلفة.
كان أبنائي يجتمعون حولي في القرية، لكن الطرقات غير الآمنة وكلفة السفر اليوم تمنع ذلك.
سرق الغلاء فرحة العيد من وجوه الناس، وباتت أسر كثيرة عاجزة عن شراء ملابس جديدة لأطفالها. لم يعد الناس يطلبون إلا العافية والستر".
فخر العزب
صحافي يمني