ادعاء النسب إلى آل البيت في اليمن… خرافة سياسية كرّستها الإمامة
بعيداً عن الانجرار إلى صراعات الهويات في اليمن، وما يرافقها من شحن طائفي وسلالي ومذهبي ومناطقي، وهي صراعات لا تنسجم في جوهرها مع طبيعة المجتمع اليمني عبر تاريخه، يصبح من الضروري إعادة النظر في كثير من المفاهيم التي تسللت إلى تعريفات الهوية والتاريخ السياسي والاجتماعي لهذا المجتمع.
ومن أجل ذلك ينبغي نقل النقاش من دائرة الصراع إلى دائرة التفكيك النقدي للهويات المتخيلة التي تتغذى منها هذه الصراعات، خصوصاً تلك التي تُغلَّف بغطاء ديني وتستغل العاطفة الدينية العميقة لدى المجتمع اليمني، الذي كان عبر التاريخ مهداً لتعدد الديانات وفضاءً للتنوع الاجتماعي والثقافي.
تُعدّ مسألة الادعاء بالانتساب إلى آل البيت واحدة من القضايا التي تركت أثراً عميقاً في البنية الاجتماعية والثقافية لليمن، إذ تحولت مع مرور الزمن من مجرد روايات نسبية غير موثقة إلى هوية اجتماعية وسياسية يتشبث بها بعض الناس وكأنها حقيقة تاريخية لا تقبل النقاش.
غير أن القراءة النقدية للتاريخ اليمني تكشف أن هذه الادعاءات لم تكن نتاجاً لمسار طبيعي لتاريخ العائلات نفسها، بل نشأت في سياق سياسي ارتبط بمرحلة قيام الإمامة الزيدية بعد قدوم الإمام يحيى بن الحسين الرسي إلى اليمن في أواخر القرن الثالث الهجري.
لقد جاء مشروع الإمامة الهادوية وهو يحمل تصوراً سياسياً ودينياً للحكم يقوم على فكرة حصر القيادة في “البطنين” من ذرية الحسن والحسين، أي في إطار سلالة محددة يُنسب إليها حق الحكم الديني والسياسي.
غير أن الواقع الاجتماعي في اليمن كان أكثر تعقيداً من أن يُختزل في هذه الفكرة السلالية الضيقة؛ فالمجتمع اليمني كان مجتمعاً قبلياً واسعاً متعدد الأنساب والجذور، ولم يكن قائماً في بنيته على فكرة السلالات الدينية الحاكمة.
ولذلك واجه مشروع الإمامة منذ بداياته تحدياً أساسياً تمثل في كيفية توسيع دائرة النفوذ والولاء داخل مجتمع لا يقوم في تركيبته التقليدية على الامتيازات السلالية.
وفي هذا السياق ظهرت ظاهرة إلحاق بعض العائلات اليمنية بنسب آل البيت، حيث مُنحت تلك العائلات صفة “السادة” أو “الأشراف” مقابل انخراطها في منظومة الحكم الإمامي وولائها السياسي والديني لها.
ولم يكن هذا الإلحاق قائماً على تحقيق تاريخي دقيق أو توثيق علمي للأنساب، بقدر ما كان أداة سياسية لتوسيع شبكة النفوذ وترسيخ الشرعية الدينية للحكم الإمامي.
وهكذا تشكلت عبر الزمن طبقة اجتماعية جديدة بُنيت هويتها على ادعاء الانتماء إلى آل البيت، رغم أن أصول كثير من تلك العائلات يمنية خالصة من حيث الجذور القبلية والاجتماعية.
ويمكن فهم هذه الظاهرة في سياق ذلك الزمن؛ فالمجتمعات آنذاك كانت تعيش في بيئات يغلب عليها ضعف التوثيق التاريخي، كما أن فكرة النسب الشريف كانت تمنح أصحابها مكانة اجتماعية عالية ونفوذاً دينياً،
الأمر الذي جعل من السهل نشوء روايات نسبية متخيلة تنتقل من جيل إلى جيل دون تمحيص علمي أو مراجعة تاريخية.
غير أن الإشكالية الكبرى تظهر اليوم، في زمن المعرفة والبحث العلمي، حيث ما تزال بعض هذه العائلات تتمسك بتلك الروايات النسبية وكأنها حقائق مطلقة، رغم توفر أدوات علمية حديثة يمكن أن تسهم في مراجعة هذه الادعاءات، مثل اختبارات الحمض النووي DNA، إضافة إلى مناهج البحث التاريخي والأنثروبولوجي المعاصرة.
والمفارقة أن كثيراً من أبناء هذه العائلات قد تلقوا تعليماً عالياً واطلعوا على مناهج البحث العلمي، ومع ذلك يواصل بعضهم التمسك بهوية نسبية متخيلة تتناقض مع المعطيات الاجتماعية والتاريخية التي تؤكد أن المجتمع اليمني مجتمع متداخل الأنساب والجذور.
كما أن اتساع دائرة الادعاء بالانتساب إلى آل البيت، بحيث تصل – وفق بعض التقديرات – إلى ما بين خمسة وسبعة في المائة من عدد السكان، يكشف عن طابع هذه الظاهرة الأيديولوجي أكثر من كونها حقيقة تاريخية أو بيولوجية،
إذ من غير المعقول تاريخياً أو ديموغرافياً أن تنتشر سلالة محددة بهذا الحجم داخل مجتمع واسع ومتعدد الجذور مثل المجتمع اليمني.
ومع ذلك فإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في مجرد الانتساب الرمزي إلى شخصية تاريخية أو عائلة دينية، فذلك قد يُفهم في سياق ثقافي أو وجداني، وإنما تكمن في تحول هذا الادعاء إلى هوية سلالية مغلقة تُستخدم أحياناً لتبرير امتيازات اجتماعية أو لإضفاء شرعية تاريخية على التفاضل بين الناس.
وعندما يحدث ذلك يتحول النسب إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام داخل المجتمع، وترسيخ فكرة التفاضل على أساس السلالة بدلاً من معيار المواطنة المتساوية.
إن المجتمع اليمني، الذي يمتد تاريخه لآلاف السنين في هذه الأرض، يمتلك هوية حضارية عميقة سبقت كل هذه الانقسامات السلالية الطارئة.
فاليمنيون في جذورهم أبناء حضارات مملكة سبأ ومملكة حمير ومملكة معين ومملكة قتبان، وهي حضارات تشكلت عبر تفاعل القبائل والثقافات المحلية في هذه الأرض.
ومن هنا فإن الانسلاخ عن هذه الجذور التاريخية لصالح هوية مستوردة أو متخيلة يمثل في جوهره نوعاً من الاغتراب عن الذات التاريخية للمجتمع.
إن تجاوز هذه الإشكالية لا يكون عبر الصراع مع الأشخاص أو العائلات، بل عبر ترسيخ وعي تاريخي جديد يعيد الاعتبار للهوية اليمنية الجامعة، ويؤكد أن قيمة الإنسان لا تُقاس بنسبه ولا بسلالته، بل بما يقدمه من إسهام في بناء المجتمع.
فالأمم التي تبني مستقبلها على أساطير النسب لا تستطيع أن تؤسس مجتمعاً حديثاً، بينما المجتمعات التي تتجاوز تلك الأساطير نحو مفهوم المواطنة والمساواة هي التي تمتلك القدرة على النهوض.
ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام اليمنيين اليوم ليس في إثبات من ينتمي إلى أي نسب، بل في تحرير الوعي الاجتماعي من فكرة الامتياز السلالي، وإعادة الاعتبار لفكرة أن الجميع أبناء هذه الأرض، وأن الانتماء الحقيقي الذي ينبغي أن يجمعهم هو الانتماء لليمن نفسه، لا لأي هوية متخيلة صاغتها ظروف السياسة في لحظة من لحظات التاريخ.
كما أن الادعاءات بالنسب إلى آل البيت، عندما تتحول إلى أداة للتمييز أو الاحتكار السياسي، تصبح عاملاً رئيسياً في تفريخ الانقسامات والتمزقات في الهوية الوطنية والاجتماعية والدينية،
وهو ما يتعارض في جوهره مع القيم الأخلاقية والإنسانية التي جاءت بها الرسالة النبوية، والتي أكدت أن التفاضل بين الناس لا يكون بالنسب، بل بالتقوى والعمل الصالح.
* هاشم جوهر
كاتب وباحث يمني