إيران والمنطقة بعد خامنئي: مآلات الحرب وأكلافها ومصير النظام
لربما كان اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وكبار القادة السياسيين والعسكريين الذين يعتمد عليهم المرشد هدفاً سهلاً بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل،
لا سيما في ظل التفوق الاستخباري والتقني، الذي تتبين كل يوم فصول إضافية حول حجمه وصعوبة تخطيه، وهو ما يؤدي إلى انكشاف القيادة الإيرانية ومواعيد اجتماعاتها والتغييرات التي تطرأ على خططها.
لكن ما بعد زلزال الاغتيال، يبدو الأصعب، إذ تدخل إيران والمنطقة مرحلة مغايرة وأشد تعقيداً، خصوصاً أن اليومين الأولين من الحرب أظهرا أن النظام الإيراني لا يزال قادراً على المواجهة، رغم الضربات القاسية التي تعرض لها،
وأنه هذه المرة قرّر نقل المواجهة إلى المنطقة من دون أي اعتبارات، بعد استهداف متكرر للقواعد الأميركية في جميع الدول الخليجية وحتى استهداف ميناء الدقم التجاري في سلطنة عمان بطائرتين مسيرتين، التي أدى مسؤولوها دور الوساطة حتى اللحظة الأخيرة.
كما امتدت المواجهة لتشمل العراق، مع دخول كتائب حزب الله العراقية على خطّ هذا التصعيد واستهداف قاعدة حرير عاصمة إقليم كردستان العراق أربيل،
كما تمّ إسقاط مسيّرة قرب قاعدة فكتوريا بمطار بغداد الدولي، فيما سقط قتلى وجرحى في قصف مجهول المصدر استهدف مبنى في قضاء المقدادية بديالى،
بالإضافة إلى قرار جماعة الحوثيين في اليمن استئناف الهجمات في البحر الأحمر وبدء استهداف السفن في مياه الخليج،
فيما بقي موقف حزب الله اللبناني ضبابياً بالاكتفاء بإشارة أمينه العام نعيم قاسم في بيان نعي خامنئي، أمس، إلى أن الحزب "سيقوم بواجبه في التصدي للعدوان"، بعدما كان قد لوّح بدخول المعركة إذا كان هدف الضربات إسقاط النظام الايراني أو استهداف شخص المرشد علي خامنئي، لتبدو الأيام المقبلة أشدّ خطورة وسط تساؤلات حول قدرة النظام على المضي بنفس الوتيرة لفترات طويلة وكلفتها عليه.
أسئلة مرحلة ما بعد خامنئي
هكذا، تدخل إيران والمنطقة ما يمكن تسميته مجازاً "مرحلة ما بعد خامنئي". مرحلة تتصدرها عناوين عديدة: هل يصمد النظام الإيراني بعد اغتيال رأس الهرم؟
كيف سيؤثر الاغتيال على مجرى الحرب؟ هل تتوسع إلى لبنان واليمن؟
هل يتحرك معارضو النظام في الداخل لاستغلال لحظة الاغتيال؟ هل يتصدر السلطة شخص محافظ أو إصلاحي، أكان في منصب المرشد المقبل أو غيره؟
كيف تتأثر علاقات إيران مع دول الإقليم والعالم من دون خامنئي خصوصاً بعد تنفيذ اعتداءات بالجملة عليها؟
وبينما جاهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل الضربة وبعدها، أن الهدف الرئيسي لواشنطن وتل أبيب إسقاط النظام الإيراني، فإن العمل على ذلك بدأت تظهر مؤشراته منذ اللحظة الأولى للضربة، وما تلاها،
بما في ذلك ما سجل أمس الأحد من استهداف لمراكز الشرطة في طهران، في محاولة على ما يبدو لإفقاد النظام أدوات السيطرة والقيادة إلى جانب تأكد اغتيال رئيس مركز استخبارات الشرطة الإيرانية العميد غلامرضا رضائيان في ضربات أول من أمس. كما أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس أمس: "أننا سنقوم بتنظيم جسر جوي متواصل لتنفيذ هجوم قوي على أهداف في طهران"
مشيراً إلى "أننا ننفذ ضربات مكثفة تستهدف مواقع تابعة للنظام وأجهزة القمع في طهران وفق خطة صدق عليها المستوى السياسي". كما أعلن الجيش الإسرائيلي أمس أنه تم تدمير "مقر الهيئة العامة لقوات الأمن الداخلي الإيراني وعشرات المقار الأخرى".
لكن "إسقاط النظام" الإيراني، وفقاً للطموحات الأميركية والإسرائيلية، ليس بالمهمة السهلة أو السريعة أو التي ستكون بلا أكلاف سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية، ليس لإيران فقط، بل لأميركا والمنطقة ككل،
وهو الأمر الذي يفسر التحركات والاتصالات التي قادتها دول خليجية وعربية لإقناع ترامب بخيار المفاوضات لا الضربة (إلا إن صدق تقرير صحيفة واشنطن بوست عن أن الرياض حرّضت على شنّ الحرب على إيران)، والتي تبين أنها كانت بلا جدوى،
إذ إن إدارة ترامب وكذلك الحكومة الإسرائيلية استغلا المفاوضات لاستكمال التجهيزات للمعركة الكبرى.
وإذا كانت أكلاف الحرب وسقوط النظام في سلم أولويات دول المنطقة، التي استسهلت إيران في اليوميين الماضيين الاعتداء عليها بذريعة استهداف القواعد الأميركية فيها عوض اللجوء إلى خيارات أخرى متاحة أمامها، وحتى في سلم أولويات الإدارة الأميركية التي تدرك جيداً أنه لن يطول الوقت قبل أن تخرج أصوات داخلية بكثرة،
وليس على نحو خافت كما الآن، للتشكيك بجدوى الحرب وتداعياتها، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، فإن إسرائيل تبقى الأقل اهتماماً بهذه الاعتبارات أمام الهدف "الأسمى" الذي تضعه لا سيما أن سقوط النظام الإيراني، إن تم، يحقق لها من وجهة نظرها، فوائد استراتيجية على المديين القصير والمتوسط بالحد الأدنى،
لا سيما في ظل مخططات إسرائيل الكبرى وتسيد المنطقة، سواء بالقوة العسكرية، أو بالإذعان والتطبيع، في وقت تمضي فيه بتحقيق مشاريعها في الهيمنة والتفوق على الأرض مهما تطلبه ذلك من وسائل، بما في ذلك استباحة دول المنطقة وقضم ما تبقى من مناطق تحت سيطرة السلطة في الضفة الغربية.
إيران وضمان صمود النظام
لكن حتى اللحظة، فإن سيناريو انهيار النظام، كما ترغب واشنطن وتل أبيب، يبدو صعب التحقق سريعاً، رغم خسارة كبار القادة العسكريين والسياسيين في الضربات الأولى التي طاولت مجمع الإمام خامنئي وكذلك مقرات حكومية أخرى،
وهم بحسب التلفزيون الايراني، القائد العام للحرس الثوري اللواء محمد بكابور، والأدميرال علي شمخاني مستشار المرشد، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء عبد الرحيم موسوي، ومحمد باصري أحد كبار مسؤولي وزارة الاستخبارات الإيرانية، ووزير الدفاع الإيراني عزيز نصير زاده.
"الحرس الثوري الإيراني" وهو الجهاز الرئيسي والضخم الذي يحمي النظام لا يزال قادراً على العمل، ولا يمكن بأي حال من الأحوال توقع انفراطه بسرعة ما لم تكن هناك أي مفاجآت غير محسوبة.
وكان ترامب قد توجه، في كلمته التي خصصها لتبرير الضربة عقب تنفيذها، إلى "أعضاء الحرس الثوري الإيراني، والقوات المسلحة، وجميع عناصر الشرطة"،
قائلاً "أقول الليلة: يجب أن تُلقوا أسلحتكم وتحصلوا على حصانة كاملة، أو تواجهوا في المقابل موتاً محتماً. ألقوا أسلحتكم. ستُعاملون بإنصاف وبحصانة تامة، أو ستواجهون موتاً محتوماً".
ويبدو تماسك النظام بعد الغارات الأميركية والإسرائيلية الافتتاحية قابلاً للتفسير، بالاستناد إلى حقيقة أنه منذ اقتراب الضربة، كانت التسريبات، بما في ذلك التي تنشر في الصحافة الأميركية، تحديداً ما نشرته "نيويورك تايمز"، تفيد بأن القيادة الإيرانية أعدت احتمالات متعددة بما في ذلك تصفية كبار القادة،
وأن الهدف الرئيس ضمان استمرار النظام بغض النظر عمن سيبقى من القادة على قيد الحياة. كل ذلك من دون نسيان التسريبات السابقة على الحرب، والتي أشارت إلى أن خامنئي كلّف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني بقيادة البلد في حال اغتياله.
ورغم الإرباك والتناقض الذي عمّ في اليوم الأول من العدوان الأميركي الإسرائيلي، لا سيما لجهة تحديد مصير خامنئي وباقي القيادات التي تمّ اغتيالها، فإن يوم أمس شهد إجراءات عدة، لملء الفراغ أولها الإعلان عن تشكيل مجلس مؤقت يتولى جميع مهام القيادة بانتظار اجتماع مجلس الخبراء لاختيار خليفة خامنئي.
ويتكون هذا المجلس المؤقت من ثلاثة أعضاء رئيسيين هم: رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلامحسين محسني إيجئي، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور الذي يتم اختياره من قبل "مجمع تشخيص مصلحة النظام" والذي اختار عليرضا أعرافي وهو عضو مجلس صيانة الدستور وسط تقديرات باستمرار عمل المجلس المؤقت الذي باشر مهماته أمس لحين انتهاء الحرب واستقرار الأوضاع لاختيار قائد جديد.
وعلى عكس التعويل الأميركي - الإسرائيلي، لم يقترن بدء العدوان واليوم الثاني منه بأي تحركات احتجاجية في الشارع، وإن كان من المبكر الجزم بما قد تشهده المدن الإيرانية في الفترة المقبلة، أو بما قد يكون في جعبة ترامب - نتنياهو من مخططات في الداخل الإيراني، في ظلّ ما أثبته عدوان يونيو/حزيران 2025 حتى اليوم من اختراق استخباري أميركي إسرائيلي.
وكان ترامب قد اعتمد ، في كلمته التي أعقبت بدء العدوان، على لغة تحريضية مباشرة بل وذهب إلى حد تحميل "الشعب الإيراني" مسؤولية التحرك لإسقاط النظام بقوله "وأخيراً، إلى الشعب الإيراني العظيم والفخور، أقول الليلة إن ساعة حريتكم قد اقتربت. ابقوا في الملاجئ. لا تغادروا منازلكم. الوضع خطير جداً في الخارج.
ستتساقط القنابل في كل مكان. وعندما ننتهي، تولّوا زمام حكومتكم. ستكون لكم لتأخذوها. وربما تكون هذه فرصتكُم الوحيدة منذ أجيال. طلبتم مساعدة الولايات المتحدة لسنوات طويلة، لكنكم لم تحصلوا عليها. لم يكن أي رئيس مستعداً لفعل ما أنا مستعد لفعله الليلة. الآن لديكم رئيس يمنحكم ما تريدون. فلنرَ كيف ستستجيبون. أميركا تدعمكم بقوة ساحقة وقوة تدميرية هائلة.
الآن هو الوقت لتسيطروا على مصيركم وتطلقوا العنان لمستقبل مزدهر ومجيد يقترب من متناولكم. هذه لحظة العمل. لا تدعوها تمرّ".
من جهته، وجّه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أمس، رسالة مصوّرة باللغة الفارسية إلى الشعب الإيراني، قال فيها إن إسرائيل ستواصل ضرب أهداف داخل إيران، داعياً الإيرانيين إلى استغلال ما وصفه بـ"الفرصة التاريخية".
وقال نتنياهو في خطابه المسجل الذي بثّه في ثاني أيام الحرب، إنه "في الأيام المقبلة، سنضرب آلاف الأهداف التابعة لنظام الإرهاب"،
مضيفاً "سنخلق ظروفاً تتيح لأبناء إيران الشجعان التحرر من قيود الاستبداد". وتابع: "مواطني إيران، لا تفوّتوا هذه الفرصة. إنها فرصة تأتي مرة واحدة في الجيل"،
مضيفاً "لا تتنازلوا، لأن لحظتكم ستأتي قريباً". كما دعا إلى الاحتجاج الواسع، قائلاً "هذه هي اللحظة التي عليكم فيها الخروج إلى الشوارع، الخروج بالملايين لإنهاء المهمة، لإسقاط نظام الإرهاب الذي جعل حياتكم لا تُطاق".
وبينما اندفع رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، في مقال نشرته صحيفة واشنطن بوست لشكر ترامب على استجابته لنداء الشعب الإيراني الذي قال إنه سيصنع النصر النهائي،
كان موقع "إيران الحرّة" (المعارض والمقرب من مجاهدي خلق) عبر "إكس"، أمس، يقول إن هناك حكومة مؤقتة من المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، برئاسة مريم رجوي، سوف تكون مهمتها نقل السيادة إلى الشعب الإيراني وإقامة جمهورية ديمقراطية على أساس برنامج يقوم على عشر نقاط،
أهمها رفض ولاية الفقيه وسيادة الشعب، وإقامة جمهورية تقوم على الاقتراع العام والتعددية، حيث صناديق الاقتراع هي المعيار الوحيد للشرعية، فضلاً عن الحريات العامة وضمان حرية التعبير، والأحزاب، والتجمع، والصحافة، وحرية الإنترنت، مع تفكيك كافة المؤسسات القمعية مثل الحرس الثوري وقوات الباسيج، فضلاً عن حقوق الإنسان وإلغاء عقوبة الإعدام.