Logo

"حرب الظل"... تعز في مواجهة خطر خلايا الحوثيين النائمة

الرأي الثالث 

تستمر المواجهات العسكرية بوتيرة عالية بين القوات اليمنية والمقاومة الشعبية من جهة، وجماعة الحوثيين من جهة أخرى، في جبهات عدة ممتدة على الأطراف الشرقية والشمالية والغربية لمدينة تعز، إضافة إلى الريف الجنوبي للمحافظة الواقعة جنوب غربي اليمن. 

ورغم المساعي الحوثية المتواصلة للسيطرة على المدينة، فقد نجحت القوات الحكومية حتى الآن في كبح هذا التمدد وإبقاء المواجهات المباشرة عند حدود أطرافها.

ومع عجز الجماعة عن تحقيق اختراقات ميدانية كبرى على أسوار المدينة المحاصرة وتعثّر الحسم العسكري في محيطها، نقلت جزءاً كبيراً من ثقلها نحو "حرب الظل"، 

إذ برزت معركة أمنية موازية داخل الأحياء السكنية وسط تحذيرات حكومية متصاعدة من محاولات اختراق المحافظات الخاضعة لسيطرة السلطة المعترف بها دولياً.

صراع استخباراتي في تعز

وتتجه الأنظار اليوم إلى هذه المعركة الخفية التي تتصاعد فيها المخاوف من انتقال الصراع إلى العمل الاستخباراتي السري، بما يشمل مراقبة التحركات العسكرية والأمنية، وجمع المعلومات عن المنشآت والقيادات، فضلاً عن استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة لاستقطاب أفراد وتجنيد خلايا نائمة. 

في المقابل، تواصل الأجهزة الحكومية خوض تحدٍّ مضاعف بين تأمين الأحياء والمحافظة على الاستقرار الميداني، وبين تفكيك شبكات التجسس وتحصين الجبهة الداخلية أمام التعقيدات الجغرافية والاجتماعية التي تفرزها طبيعة المحافظة.

وفي سياق ترجمة هذا التنسيق الميداني إلى إجراءات عملية، أعلنت الأجهزة الأمنية في مدينة تعز، السبت الماضي، عن ضربة أمنية استباقية تمثلت في ضبط متهمين بالتورط في تلقي أموال وتمويلات مالية من نور الدين المروني، المُشرف العسكري لجماعة الحوثيين في منطقة الحوبان الخاضعة لسيطرة الجماعة شرقي المدينة. 

ولم تعلن الأجهزة الحكومية عن التفاصيل الدقيقة حول عدد الموقوفين أو طبيعة المهام المنسوبة إليهم، إلا أن هذا الأمر تكرر أخيراً، ما يجعل تعز في مواجهة الثلاثي الخانق المتمثل في الضغط العسكري المستمر على طول الجبهات، وأيضاً الحصار الذي اشتد أخيراً، إضافة إلى خلايا الحوثيين والعمل على تحصين المدينة.
 
وتعليقاً على هذه التطورات والجهود المبذولة، شدد مدير عام شرطة محافظة تعز العميد منصور الأكحلي، في تصريحات صحافية نقلها "الإعلام الأمني" السبت، على أن "الأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلات، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، تقف في "خندق واحد" لحماية المدينة وصون استقرارها من التهديدات الحوثية كافة". 

وحذر مدير الشرطة من "لجوء الجماعة إلى سلاح الشائعات والحرب النفسية لتعويض إخفاقاتها وخسائرها الميدانية المتتالية" 

 داعياً وسائل الإعلام والناشطين إلى "أعلى درجات اليقظة وتحري الدقة، واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية المعتمدة لقطع الطريق أمام أي محاولات مشبوهة لاختراق النسيج الاجتماعي وزعزعة استقرار الجبهة الداخلية".

وتشير المعطيات الرسمية والميدانية، بما فيها تقارير وزارة الداخلية الصادرة أخيراً، إلى رصد أنشطة مكثفة تستهدف استقطاب عناصر وجمع معلومات وتقديم تسهيلات لزعزعة الأمن في المحافظات الخاضعة للحكومة. 

وتتمثل إحدى أبرز المخاوف الأمنية في قدرة شبكات التجنيد على استغلال الفقر والبطالة وتراجع مصادر الدخل في بيئة أنهكتها سنوات الحرب والحصار. 

وتتيح الضغوط المعيشية فرصاً لاستدراج أفراد قد لا يدركون كامل أبعاد ارتباطهم، أو يعتقدون أن الأمر يقتصر على نقل معلومة عادية أو صورة، قبل أن تتسع مسؤولياتهم لتشمل مراقبة تحركات أو تحديد مواقع.

وفي هذا السياق، كشف مسؤول أمني رفيع في محافظة تعز، أن أجهزة الاستخبارات الحوثية أضحت تلجأ إلى "أساليب ضغط وابتزاز مبتكرة،

 تشمل استغلال شبكات الاتصالات الخاضعة لسيطرتها، والضغط على مواطنين مقيمين في مناطقها لإجبارهم على التواصل مع أقاربهم ومعارفهم داخل المناطق المحررة (الخاضعة لسيطرة الحكومة)، بغرض تمرير الرسائل أو جمع المعلومات الاستخباراتية".
 
وأوضح المسؤول الأمني أن خطورة هذا النمط تكمن في "الاعتماد على التجنيد الفردي الذي لا يتطلب تنظيماً هيكلياً أو شبكة ظاهرة؛ إذ قد تنحصر مهمة الشخص المجند في نقل وصف سطحي لحركة عسكرية أو رصد روتيني"، 

مشيراً إلى أن هذه الخلايا الفردية تتكامل ميدانياً مع محاولات التسلل عبر خطوط التماس المتداخلة، حيث "يُرسَل عناصر تحت أغطية مدنية وإنسانية، كـ"نازحين جُدد" أو تجار ومسافرين، يستغلون المنافذ الفرعية والترابية للتمويه وزرع عناصر نائمين داخل الأحياء المكتظة بالسكان".

وأضاف المصدر نفسه أن النشاط الاستخباري الحوثي تجاوز حدود الرصد التقليدي إلى التوظيف المباشر للتقنيات الحديثة والتطبيقات المشفرة، بهدف "تمرير الإحداثيات والمعلومات فورياً إلى غرفة عمليات مركزية تديرها الجماعة من صنعاء وذمار". 

ولفت إلى أن مهام هذه الشبكات تتنوع بين "رصد تحركات القوات ومقار انتشارها، ومراقبة القيادات العسكرية والأمنية، وصولاً إلى الإعداد لعمليات تخريبية واستهداف المنشآت العامة"، 

محذراً من أن الهدف الأساسي من هذه التحركات هو "إرباك المنظومة الحكومية، وإشاعة الخوف، وزعزعة ثقة المواطنين بالاستقرار الداخلي للمدينة".
 
إجراءات احترازية للحكومة

وفي مواجهة هذه المخاطر والتكتيكات المتطورة، اتخذت السلطات المحلية والأجهزة الأمنية والعسكرية في تعز سلسلة من التدابير الاحترازية والعمليات الاستباقية لتأمين الجبهة الداخلية وتحصينها ضد أي خرق. 

وشملت هذه الإجراءات متابعة المطلوبين، وتعزيز الانتشار الأمني، وتأمين المنشآت العامة والطرق الرئيسية ومواقع انتشار القوات 

 إلى جانب إعادة هيكلة النقاط الأمنية عند مداخل المدينة والمديريات المحررة، وتفعيل المنظومات الاستخباراتية لمتابعة حركة الوافدين والتحقق من الهويات، فضلاً عن تشديد الرقابة على حركة تأجير العقارات والمنازل في الأحياء السكنية لتفادي زرع أي عناصر مشبوهين.

وتظهر محاضر اجتماعات اللجنة الأمنية أن التنسيق المستمر بين قيادة محور تعز العسكري والأجهزة الأمنية والشرطة يمثل الركيزة الأساسية لتعزيز الاستقرار ومواجهة التهديدات.

 وتبرز أهمية هذا التكامل العملياتي في تقاطع المعلومات الاستخبارية التي تصل إلى أي جهاز أمني مع المعطيات الميدانية لدى الشرطة العسكرية أو وحدات الجيش، ما يجعل تبادل البيانات والتحقق السريع منها عاملاً حاسماً في تفكيك الأنشطة المشبوهة، إذ إن ضبط شخص واحد يُشتبه في ارتباطه بشبكة غالباً ما يمثل الخيط الأول لتوسيع التحقيقات وكشف صلات أخرى.

وفي سبيل تعزيز هذا الطوق الاحترازي، عملت الأجهزة الأمنية بالتعاون مع المقاومة الشعبية على نشر نقاط تفتيش ودوريات أمنية في الشوارع والحارات وصولاً إلى القرى الريفية، بهدف ترسيخ الأمن الميداني ومراقبة حركة الدخول والخروج وفق قواعد واضحة تعتمد التدقيق عند الحاجة دون تعطيل حرية تنقل المدنيين أو تحويل الحركة اليومية إلى شبهة قائمة بذاتها.

وبحسب المعلومات فقد أثمرت هذه الضربات الاستباقية خلال الأشهر الأخيرة عن تفكيك عدة شبكات تجسسية وخلايا نائمة كانت مُكلفة بإرباك المشهد الداخلي، حيث ضُبطت بحوزة عناصرها أجهزة اتصالات لاسلكية وأسلحة وذخائر ووثائق تخطيط تستهدف القيادات الأمنية والعسكرية.

ويُشكل الملف الأمني في تعز محكاً رئيسياً يُحدد مدى تماسك المدينة واستقرارها الميداني في ظل ظروف الحصار واستمرار الصراع، غير أن أبعاد هذا الملف تتجاوز مجرد تنفيذ عمليات استباقية أو الإعلان عن ضبط شبكات تجسسية.

 فالتحديات الاقتصادية والتعقيدات الجغرافية تضع المؤسسات الحكومية أمام اختبار حقيقي لإدارة المشهد بفاعلية، تتطلب إرساء حوكمة أمنية مستدامة تقوم على سيادة القانون وتفعيل الرقابة القضائية على إجراءات الاحتجاز والتحقيق.

 كما يستدعي هذا المسار اعتماد الشفافية والإفصاح عن المجرى القانوني للقضايا، للحفاظ على الروابط الاجتماعية، وضمان حرية تنقل المدنيين دون إضعاف الثقة بين الشارع والمؤسسات الرسمية.
 
ويرى الصحافي والمحلل السياسي هشام المسوري، أن "لجوء جماعة الحوثيين إلى تحريك الخلايا النائمة ومحاولات تنفيذ عمليات إجرامية ليس سلوكاً مستحدثاً، بل هو مسار لطالما توازى مع هجماتها العسكرية إن لم يكن يسبقها". 

ويؤكد المسوري أن "الجماعة تلجأ إلى التصعيد الميداني ومحاولات الاجتياح العسكري نتيجة عجزها عن تحقيق اختراقات أمنية عميقة وتشكيل حاضنة صلبة لخلاياها داخل المجتمع".

ويوضح أن "نجاح الاختراقات الأمنية يتطلب وجود إسناد شعبي ومشروعية اجتماعية تنظر إلى الجماعة باعتبارها ممثلاً عنها، وهو ما تفتقده جماعة الحوثيين التي يُعاملها الشارع بوصفها "عصابة وسلالة معادية" 

ما يفسر الإخفاق المتكرر لمحاولاتها في اختراق مجتمعات المحافظات المحررة". 

ويضيف: "عندما تحاول الجماعة تشكيل خلايا أو زراعة شبكات في تعز، غالباً ما يبدأ كشفها مبكراً من القواعد المجتمعية نفسها، إذ يستفيد الجيش والأمن من آلية اتصال سريعة وتكامل فعال مع المواطنين، مثلّت حائط صد غير تقليدي أمام محاولات الاختراق".

ويرى المسوري أن القرارات المتخذة من قبل مجلس القيادة الرئاسي، وفي مقدمتها دمج وتوحيد الأجهزة الاستخباراتية تحت مسمى "جهاز أمن الدولة"، بقيت حتى اللحظة "محاكاة نظرية لهياكل الدولة المستقرة من دون أن تُترجم إلى وحدة عملياتية استخباراتية متكاملة ومنظمة على الأرض، سواء من حيث انتشار مقار الجهاز أو قيادته الغائبة عن العاصمة المؤقتة والميدان".

ويشدد المسوري على أن طبيعة الحرب المفروضة كانت تقتضي أن يكون "جهاز أمن الدولة" الفاعل الرئيسي في نقل معركة الاختراقات الاستخباراتية إلى عمق مناطق سيطرة الحوثيين وتكاملها مع خطط الجيش، 

مؤكداً أن تفعيل هذا الدور يتطلب إدراكاً حكومياً حقيقياً لأهمية الجهاز، وإنهاء التعامل مع قياداته باعتبارها مواقع لترتيب الأوضاع الشخصية والمنح الوظيفية، والانتقال نحو بناء وجود مادي وميداني مباشر يُسهم في حماية الأمن القومي".
 
فخر العزب
صحافي يمني