Logo

استهداف المطارات والمعسكرات... رسائل التصعيد الحوثي وحدود المواجهة

الرأي الثالث

 توسّع جماعة الحوثيين نطاق هجماتها في اليمن لتشمل استهداف مطارات ومنشآت حيوية ومعسكرات في مناطق خاضعة للحكومة المعترف بها دولياً، وسط مخاوف من اتساع  التصعيد الحوثي ورقعة المواجهات وتحوّلها إلى جولة أكثر عنفاً، في ظل اختلال موازين الاستعداد بين الطرفين وتداخل الحسابات المحلية والإقليمية.
 
ودخل مطار الريان في مدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت شرقي اليمن، ضمن قائمة أهداف الجماعة، والتي قصفته أول أمس الأربعاء، أربع مرات بالصواريخ والطائرات المسيّرة خلال ساعات. ونقل موقع "سبتمبر نت" التابع لوزارة الدفاع اليمنية، عن المتحدث باسم الجيش ماجد النزيلي، قوله مساء أول من أمس، إن جماعة الحوثيين "المدعومة من النظام الإيراني، استهدفت مطار الريان الدولي بمدينة المكلا (في) محافظة حضرموت للمرة الرابعة". 
 
وجاء استهداف مطار الريان بعد سلسلة هجمات طاولت مطار عدن الدولي جنوبي البلاد، أربع مرات متتالية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول الحالي.

 وبينما تحدث سريع، أول من أمس، عن عملية استهدفت "غرفة العمليات التابعة للعدو السعودي في معسكر بدر بعدن، وذلك بصاروخ باليستي"، دانت وزارة النقل اليمنية، في بيان في اليوم نفسه "الهجمات التي استهدفت مطار عدن الدولي ومطار الريان الدولي بمدينة المكلا، باستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة". وأكدت أن "مطار عدن الدولي تعرّض للاستهداف للمرة الرابعة" خلال التصعيد الحوثي.

ولم يقتصر التصعيد الحوثي على المطارات، بل امتد إلى محافظة شبوة جنوب شرقي البلاد، إذ استهدفت الجماعة تجمعاً لمجندين تابعين للقوات الحكومية في معسكر العلم، الاثنين الماضي، أعلن سريع حينها استهداف "تحشيدات العدو السعودي في معسكر العلم الذي يديره ضباط سعوديون".

 وقالت السلطة الحكومية المحلية في محافظة شبوة، في بيان أول من أمس، إن مدينة عتق، مركز المحافظة، شهدت "مراسم تشييع رسمية وشعبية مهيبة لجثامين 75 شهيداً من منتسبي الأجهزة الأمنية"، فيما أدى الاستهداف أيضاً إلى إصابة 200 آخرين. وفي تعز، حيث يخوض الحوثيون مواجهات عنيفة ضد القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، استهدفت الجماعة أيضاً أحياء سكنية بصواريخ باليستية، كما حدث في حي صينة جنوب شرقي المدينة، أول من أمس، أسفر عن قتلى وجرحى من المدنيين. ويثير استخدام هذه الصواريخ في المواجهات الداخلية تساؤلات بشأن طبيعة التصعيد وحدوده، ولا سيما في ظل ما ينطوي عليه من مخاطر على المدنيين. فلماذا يصعّد الحوثيون بهذه الضراوة؟ وما الأهداف التي يسعون إلى تحقيقها من وراء هذه الحرب؟
 
يرى مراقبون للمشهد اليمني أن الحوثيين يعتقدون أن الظرفين الإقليمي والدولي قد يكونان أكثر ملاءمة من أي وقت مضى لتحقيق هدفهم المؤجل منذ انقلابهم في 21 سبتمبر/أيلول 2014، والمتمثل في بسط سيطرتهم على اليمن. وعلى الرغم من أن التحالفات الإقليمية أسهمت في تحديد توقيت هذه المعركة وخريطتها الجغرافية والعملياتية، فإن الجماعة كانت تترقب هذه اللحظة وتستعد لها، 

على عكس الطرف المقابل، المتمثل في الحكومة المعترف بها دولياً، والتي أمضت معظم السنوات الماضية في صراعات وانقسامات داخلية.
 
رسائل التصعيد الحوثي

يقول الخبير اليمني في تحليل الشؤون السياسية والنزاعات، محمد القاضي، إن الاستهدافات تعكس نمطاً متصاعداً من التصعيد يسلك مسارين، الأول خارجي، يتمثل في استهداف السعودية، والثاني داخلي، كما ظهر في شبوة وحضرموت وعدن. وفي رأيه، فإن الحوثيين يريدون إرسال رسالة مفادها أن صواريخهم قادرة على الوصول إلى مختلف المواقع، سواء كانت معسكرات أو أهدافاً حيوية، ما يعكس توجهاً نحو المضي في الحرب إلى مدى أبعد، من دون الالتزام بخطوط حمراء في هذا الصراع المفتوح. ويتوقع القاضي أن تشهد المرحلة المقبلة استهدافات أوسع تطاول مزيداً من الأهداف الحيوية التي قد تدخل ضمن بنك أهداف الحوثيين.
 
استخدام الصواريخ الباليستية في المواجهات الداخلية يندرج، أيضاً وفق القاضي، ضمن مساعي الجماعة لبث الذعر في أوساط القوات المناوئة لها. 

ويضيف أن هذه الجولة من الحرب قد تكون الأعنف مقارنة بالجولات السابقة، وربما يسعى الحوثيون إلى جعلها الجولة الأخيرة. ويعني ذلك، وفق تقديره، أنهم لن يترددوا في استخدام مختلف مقومات القوة المتاحة لديهم، وسيحاولون الوصول إلى أهداف في مختلف أنحاء الجغرافيا اليمنية. 

ويشير القاضي إلى أن الاستخدام المكثف وغير المألوف للصواريخ الباليستية في الصراع يحمل دلالتين أساسيتين، "الأولى تعكس مستوى التوحش والصلف الذي وصلت إليه الجماعة، والثانية تشير إلى ضخامة مخزونها من هذه الأسلحة، فضلاً عن امتلاكها، على ما يبدو، قدرة على تعويض ما تستهلكه منها". وفي ما يتعلق بمآلات التصعيد، يرى القاضي أن المشهد العسكري في اليمن شديد التعقيد، لتداخل الأهداف الداخلية مع الأبعاد الإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق، فإن الاستعداد لمواجهة هذا التصعيد الحوثي يتطلب، في رأيه، مقاربات معقدة من مختلف الأطراف.

ثلاثة سيناريوهات للمواجهة

الخبير العسكري علي الذهب، يقول إن استهداف المنشآت الحيوية يمثل محاولة للضغط على الحكومة اليمنية والمجتمع الدولي والداعمين الدوليين، لدفعهم نحو عملية سياسية يضمن الحوثيون من خلالها الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققوها، معتبراً أن وقف أي تصعيد مستقبلي قد ينتزع منهم هذه المكاسب. 

ويشير الذهب إلى أن الأهداف التي يقصفها الحوثيون غير مؤمّنة وغير محمية، وهو ما تستغله الجماعة لتحقيق أهدافها. وفي رأيه فإن هذا الانكشاف يجعل الحوثيين يبدون، في نظر أنصارهم، قادرين على فرض معادلة "القصف بالقصف". 

ويحذر من أن استهداف المنشآت الحيوية، مثل المطارات، لا يقتصر تأثيره على الجانب العسكري، بل قد يؤدي إلى إرباك اقتصادي وفقدان الحكومة موارد مهمة. ويضيف أن الحوثيين يسعون، أيضاً، إلى إدخال البلاد في حالة من العزلة، "في محاولة لوضع الحكومة أمام خسائر مماثلة لتلك التي تعرضت لها الجماعة جراء إغلاق مطار صنعاء أمام الرحلات المدنية".
 
وعن آفاق هذه الجولة من الصراع، يستعرض الذهب ثلاثة سيناريوهات رئيسية، استناداً إلى معطيات وسياقات التصعيد الحوثي. يتمثل السيناريو الأول في ارتباط مسار المواجهة بمتغيرات إقليمية قد تطرأ قريباً، 

وقد يفضي ذلك إلى تقديم دعم أوسع للحكومة اليمنية، وإن لم يُعلن عنه رسمياً. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار حالة الاستنزاف الراهنة وتصاعد الضغوط التي قد تدفع الحكومة إلى العودة إلى مسار السلام من موقع ضعف، أو الوقوع في فخ سياسي جديد، بما قد يتيح للحوثيين تثبيت مكاسبهم الميدانية. 

ويتمثل السيناريو الثالث، وفق الذهب، وهو الأسوأ والأكثر خطورة، في تمكن الحوثيين من تأمين مواقعهم في تعز والتوسع جنوباً. ويرتبط تحقق هذا السيناريو، في رأيه، باستمرار تمركز القوات الحكومية في محافظتي لحج والضالع (جنوبي البلاد) من دون تغيير في نمطها القتالي الحالي أو رفدها بتعزيزات قوية من شأنها تغيير موازين القوى ومنع الحوثيين من السيطرة على مزيد من المناطق.
 
من جهته، يقول الباحث والصحافي اليمني توفيق الجند، إن انتقال التصعيد الحوثي من استهداف السعودية إلى استهداف مواقع داخل اليمن يهدف إلى زيادة الضغط. 

ويوضح أن الحوثيين يدركون أن السعودية تمتلك بنية لوجستية واسعة ومطارات متعددة، في حين تنحصر منافذ الحكومة اليمنية الجوية الخارجية، وفق تقديره، في عدد محدود من المطارات، أبرزها مطارا عدن والمكلا، إلى جانب مطار سيئون (في حضرموت).
 
لكن الجند يرى أن هذه الاستهدافات لن تخدم الحوثيين، في نهاية الأمر، من الناحية العملياتية والعسكرية، بقدر ما ستزيد الأعباء على المواطنين. 

ويقرّ بإمكانية أن تؤثر الهجمات في عمليات الدعم العسكري العاجل (للحكومة) إذا كانت هناك حاجة ملحّة إليها، لكنه يشير إلى عدم وجود مؤشرات، حتى الآن، على استخدام هذه المطارات في عمليات دعم عسكري. وفي المقابل، يرى أن الرواية الحوثية التي تتحدث عن استهداف شحنات إمداد عسكري، إن صحت، قد تشير إلى امتلاك الجماعة معلومات عن تحركات الطرف الآخر وقدرتها على الوصول إليها استخباراتياً.

الصواريخ الباليستية

وفي ما يتعلق باستخدام الصواريخ الباليستية في المعارك الداخلية، يشير الجند إلى أن الحوثيين سبق أن استخدموها في المواجهات بين جبهات القتال في تعز، ولا سيما في جبل هان، لكنه يرى أن استخدامها في مناطق مكتظة بالسكان، مثل بعض مناطق جبل صبر (في تعز)، يؤدي إلى كوارث إنسانية. 

وعن آفاق الحرب، يقول الجند إن الحكومة اليمنية لم تبدِ، حتى الآن، جاهزية كافية، ولم تضع خططاً تتناسب مع طبيعة المواجهة المقبلة. ويعزو ذلك إلى ارتهانها لوعود السلام ومعطيات التهدئة، التي يرى أنها لم تكن حقيقية منذ عام 2022.

 في حين واصل الحوثيون، بحسب تقديره، مراكمة الخبرات العسكرية وتوسيع مخازن الأسلحة وتدريب الأفراد وتعزيز الحشود والتعبئة. 

ويشير إلى أن مفهوم التعبئة الذي أعلنه رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي لم يُطبّق على الأرض ولم يتحوّل إلى واقع عملي. ويرى الجند أن قرار خوض مواجهة واسعة في المرحلة الحالية يرتبط، بالدرجة الأولى، بالموقف السعودي، وليس بالقرار اليمني وحده.

ماهر أبو المجد
صحافي وكاتب يمني.