تحصينات 4 سنوات تختبر الجيش اليمني في مأرب والجوف
الرأي الثالث
بعد أكثر من أسبوعين على إعلان الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً عملية "فجر اليمن"، في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، لا تزال القوات الحكومية تواجه صعوبة في تحويل اختراقاتها إلى تغيير واسع في خطوط القتال.
ومع استمرار الضغط الحوثي على تعز، تخوض القوات الحكومية معارك لتثبيت مكاسبها في كهبوب بمحافظة لحج ومحيط باب المندب، لكن محاولات تحقيق تقدم متواصل في الجبهة الشرقية الممتدة عبر محافظتي مأرب والجوف تتعثر، رغم هجمات أسفرت عن اختراقات مهمة لتحصينات الحوثيين.
وتكشف شهادات مقاتلين حكوميين ومصادر ميدانية أن الصعوبات استمرت حتى بعد تجاوز خطوط الدفاع الأولى؛ إذ واجهت القوات الحكومية، خلف المواقع التي استعادتها، تحصينات إضافية وحقول ألغام أوقفت تقدّمها في بعض الجبهات، وأجبرتها على التراجع في أخرى، بعدما تكبّدت خسائر في الأفراد والآليات.
معارك مأرب والجوف
وتتجه الأنظار إلى محافظتي مأرب والجوف مع انتقال القوات الحكومية والمقاومة الشعبية إلى الهجوم في عدد من الجبهات التي خاضت فيها، خلال السنوات الماضية، معارك دفاعية طويلة
خصوصاً في مأرب التي تكتسب أهمية خاصة بوصفها أحد أبرز مراكز القوة العسكرية للحكومة، ومحافظة صمدت أمام محاولات الحوثيين السيطرة عليها، فيما تشهد الجوف المجاورة مواجهات على مواقع ظلت لسنوات ضمن خطوط دفاع الجماعة.
ووصف رئيس تحرير منصة "ديفانس لاين" المختصة بالشأن الأمني والعسكري، الصحافي أحمد شبح، القوات الحكومية في مأرب بأنها "القوة الصلبة التي صمدت خلال المعركة خلال عشر سنوات"
معتبراً أن صمود المحافظة، إلى جانب تعز، حال دون استكمال الحوثيين سيطرتهم على شمال البلاد.
وربط شبح، اهتمام جماعة الحوثي بتحصين جبهات مأرب بثقلها العسكري والسياسي وحاضنتها الشعبية، واحتضانها يمنيين نزحوا إليها من محافظات مختلفة، وانخرط بعضهم في القتال
مضيفاً أن حجم التحصينات وزراعة الألغام يعكس قلق الحوثيين من تحرك هذه الجبهات القريبة من العاصمة صنعاء، وما تمثله القوات الموجودة فيها في معركة استعادة الدولة.
وأشار إلى أن الحوثيين تكبّدواً على أطراف مأرب بعضاً من أكبر خسائرهم خلال سنوات الحرب، وهو ما يفسر، في تقديره، تخصيص الجماعة جهداً عسكرياً كبيراً لهذا المحور، وتركيز السلاح ومقاتلين عقائديين من الأكثر تدريباً ومهارة فيه.
ورأى شبح أن سنوات المواجهة أكسبت القوات الحكومية في مأرب خبرة بأساليب الحوثيين ومهارات في التعامل معهم، وبات لديها القدرة والكفاءة على تجاوز التحصينات، مراهناً على قوات مأرب وخبرتها في إحداث اختراقات تنهار معها دفاعات الجماعة، ويُبنى عليها مزيد من التقدم نحو صنعاء، مؤكداً أنه "مع كل هذا سيظل التعويل على قوات مأرب".
وتعود أعمال التحصين الحوثية، وفق شبح، إلى سنوات سبقت هدنة 2022، مع استثمار الجماعة جهوداً كبيرة فيها منذ عام 2020، مشيراً إلى خنادق متتابعة وحواجز صخرية وحقول ألغام في المساحات الممتدة على طول خط التماس في مأرب والجوف وأطراف صنعاء، ثم جاءت سنوات التهدئة لتتيح تعزيز المواقع وتوسيع العوائق، بحسب المصادر الميدانية.
وكانت القوات الحكومية قد نفذت خلال الشهرين الأخيرين عدة هجمات على مواقع الحوثيين في جنوب مأرب وحققت تقدماً في جبهة الفليحة، واستعادت مواقع قرون البور، قبل أن تصل في الهجوم الأخير إلى مواقع أبعد داخل مناطق سيطرة الحوثيين، بعد أن تمكنت من تجاوز تحصينات وحقول ألغام كثيفة، أُقيم معظمها، خلال سنوات التهدئة التي بدأت في إبريل/نيسان 2022.
وبحسب مصادر ميدانية فإنه وبعد اجتياز القوات الحكومية العوائق الأولى، تسارع التقدّم نحو مواقع خلفية كانت تُستخدم لتجمع العناصر والإمداد والتموين والعلاج، ولم تتوقع القوات وجود ألغام فيها، وهناك انفجر لغم بإحدى العربات، ثم اشتد القصف الحوثي من اتجاهات مختلفة، ما اضطر القوات الحكومية إلى العودة إلى مواقع كانت قد سيطرت عليها في مرحلة سابقة من الهجوم، وتثبيت وجودها فيها.
وفي شمال المحافظة، يروي مقاتلون تجربة مشابهة خلال التقدم في مديرية رغوان، وصولاً إلى مواقع في سائلة حلحلان باتجاه معسكر ماس، مشيرين إلى أن القوات واجهت ألغاماً مموهة بأشكال مختلفة، ومنها أجسام متفجرة داخل علب مشروبات غازية وأخرى على شكل طوب البناء وأخرى على شكل حجارة ومنها مموه بنفس مادة التراب الصحراوي، قبل أن تتمكن من تجاوز خندق كبير يعترض حركة العربات والمدرعات.
وقالت مصادر ميدانية إن الأخطار تشمل ألغاماً وعبوات مموهة على هيئة حجارة، بعضها مزود بحساسات للحرارة، وبعضها موصول بأسلاك شدّ،
مشيرة إلى تفخيخ بعض المتارس، بحيث قد تنفجر عند جلوس المقاتلين داخلها، ما يجعل الوصول إلى المواقع والسيطرة عليها غير كافيين لضمان سلامتها.
لكن القوات الحكومية فوجئت، وفق روايات المقاتلين، بخندق آخر مموّه قدّروا طوله بعدة كيلومترات وعرضه بنحو مترين، وهو مغطى بسقف هش والقليل من التربة، يعمل بمثابة كمين لاستدراج عربات القوات وآلياتها، كما تعرضت خلال المواجهة للقذائف والصواريخ والطائرات المسيّرة، وسقط قتلى وجرحى، قبل أن تتراجع إلى مواقعها التي كانت سيطرت عليها في هجمات مطلع الشهر الجاري.
وامتد هذا النمط من المواجهات إلى محافظة الجوف، وقال مصدران في قوات "درع الوطن" وقوات الطوارئ الحكومية، إن القوات الحكومية تقدمت باتجاه معسكر اللبنات، شرقي مدينة الحزم، مركز المحافظة، وتمكنت من تجاوز سواتر ترابية مرتفعة وخنادق عمقها بنحو ثلاثة أمتار وعرضها بمثل ذلك، والسيطرة على أجزاء من المعسكر.
ووفق المصدرين، حققت هذه القوات تقدّماً في مواقع اللبنات السفلى، لكن استكمال التحرك باتجاه المواقع العليا واجه خنادق جديدة وتحصينات صخرية وترابية، مشيرين إلى حفريات مموهة وشديدة التحصين، أخفت جماعة الحوثي فيها أسلحة استخدمتها في القصف، وتعرّضت القوات الحكومية لضربات أوقعت قتلى وجرحى ودمرت آليات، ما دفعها إلى التراجع عن بعض المواقع التي بلغتها.
اختراقات مهمة
وتقدّر مصادر خسائر القوات الحكومية في مأرب والجوف بعشرات القتلى والجرحى، ومع ذلك، يتحدث مقاتلون عن التقدم الذي تحقق باعتزاز، مشيرين إلى أنهم تجاوزوا عوائق ظلت قوات الحوثيين تختبئ خلفها لسنوات، وأتاحوا لفرق الهندسة تطهير مساحات من الألغام.
وفي رواياتهم، تمثل هذه المكاسب اختراقاً لتحصينات كبيرة أعدتها الجماعة خلال فترة طويلة، لكنها تكشف أيضاً حجم الكلفة اللازمة للاحتفاظ بالمواقع المستعادة ومواصلة التقدم منها،
فالنجاح في الوصول إلى بعض المواقع لا يرافقه دائماً نجاح مماثل في البقاء فيها تحت القصف.
ووصف الصحافي اليمني محمد حفيظ، تحصينات الحوثيين في مأرب والجوف بأنها "تحصينات كبيرة وقوية"، أُنشئت "بطريقة هندسية عسكرية محكمة"
موضحاً أن تعددها يشمل اختلاف وظائفها، بين خنادق للقتال والدفاع، وأخرى للحركة والتعزيز والانسحاب، إلى جانب السواتر الترابية والمواقع المموهة.
وأشار حفيظ، وهو صحافي يعمل من مأرب ويتابع تحصينات الحوثيين في سلسلة فيديوهات ينشرها على منصات التواصل الاجتماعي، إلى توسع الجماعة في الحفر بالمناطق الصحراوية والمفتوحة، فيما تستفيد في المناطق الجبلية من التضاريس بوصفها سواتر طبيعية، مع استخدام التمويه لإخفاء المواقع
مضيفاً أن الجماعة "تستخدم الطبيعة لصالح عملياتها العسكرية"، وهذا الإعداد برأيه، أسهم في إبطاء تقدم القوات الحكومية.
ولفت إلى أن "جماعة الحوثي تستخدم الألغام بشكل مهول جداً"، متحدثاً عن عبوات مصنعة محلياً، تتنوع أشكالها ومظاهرها بما يناسب البيئة التي تُزرع فيها، ومنها ما يُموّه ليشبه الحجارة أو ينسجم لونه مع الأرض المحيطة به.
وأضاف أن الجماعة تستخدم ألغاماً مضادة للآليات جرى تعديلها لتشكل خطراً على الأفراد، محذراً من أن أثر هذه الممارسات سيستمر بعد انتهاء المواجهات، خصوصاً في المناطق التي يسلكها البدو والرعاة ومواشيهم
مؤكداً أن تنوع العبوات وتمويهها يزيدان صعوبة التعرف إلى الأخطار التي تواجه القوات والسكان على السواء.
وتساعد هذه الإفادات في تفسير تعثر بعض الهجمات بعد نجاحها الأولي؛ إذ يستغرق التعامل مع العوائق وقتاً، ويعرّض القوات الحكومية لخسائر، ويحد من قدرتها على استثمار التقدم،
كما أن الوصول إلى موقع محصن لا يحسم وحده المعركة عليه، مع استمرار القصف ووجود أخطار في المناطق المحيطة به.
وتضع هذه الكلفة مسألة التسليح والتجهيز في صلب تقييم العمليات الجارية، وتطرح سؤال مدى كفاية الدعم المتاح للقوات وحاجتها إلى دعم نوعي يقلل خسائر الأفراد والآليات، ويساند أعمال الهندسة والحماية والإخلاء.
وتسند الاختراقات التي تحدثت عنها المصادر جانباً من هذه القراءة، فيما تظهر حالات التراجع أن فقدان الحوثيين بعض المواقع لم يؤدّ حتى الآن إلى انهيار منظومتهم الدفاعية.
وتعيد المعارك الحالية فتح ملف الألغام الذي تراكم خلال الحرب، ففي أحدث حصيلة نشرها المشروع السعودي لنزع الألغام في اليمن "مسام"، في 18 أكتوبر/تشرين الأول الحالي، أعلن إزالة 597 ألفاً و31 قطعة من الألغام والذخائر غير المنفجرة والعبوات الناسفة، منذ بدء أعماله عام 2018 وحتى 16 أكتوبر الحالي، تشمل 7809 ألغام مضادة للأفراد، و153 ألفاً و213 لغماً مضاداً للدبابات، و427 ألفاً و316 ذخيرة غير منفجرة، و8693 عبوة ناسفة، وذلك في مناطق عمل المشروع.
وتضع معارك مأرب والجوف التحصينات التي عززها الحوثيون خلال سنوات التهدئة أمام اختبار فعلي، وتكشف حجم الكلفة التي تتحملها القوات الحكومية لتجاوزها،
ومع استمرار القتال، تتجه الأنظار إلى قدرة الجيش والمقاومة على تثبيت المواقع المستعادة وتحويل الاختراقات إلى تقدم متواصل، وما يتوافر لهما من تسليح وتجهيز وإسناد يواكب صعوبة المواجهة.
نايف القداسي
مراسل يمني