Logo

قائد الجيش الباكستاني في طهران: اختبارات الوساطة وظلال اتفاقية مكة

الرأي الثالث - متابعات

في توقيت بالغ الحساسية تتسارع فيه وتيرة التحركات الدبلوماسية لاحتواء فتيل مواجهة عسكرية محتملة، وصل قائد الجيش الباكستاني، عاصم منير، اليوم الثلاثاء، إلى طهران لإجراء مباحثات رفيعة المستوى مع كبار المسؤولين الإيرانيين.

 وتكتسب هذه الزيارة زخماً مضاعفاً، كونها تأتي غداة محادثات "مثمرة" أجراها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في العاصمة الإيرانية، وسط تقاطعات إقليمية معقدة تشمل جهود الوساطة وملفات الأمن الإقليمي.

وتكتسب زيارة منير أهمية إضافية كونها الأولى منذ إبرام إسلام أباد والرياض وأنقرة "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" 
 
 ورغم تعدد زيارات منير إلى إيران خلال الأشهر الثمانية الماضية بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير/ شباط، إلا أن هذه الجولة تأتي وسط تشابك معقد في الملفات الإقليمية والدولية.

وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أنه لا يعلم سبب زيارة عاصم منير إلى طهران 

مشيراً إلى ضرورة إجراء محادثات معه للوقوف على المواضيع التي ستُطرح للنقاش. وفقاً لما نقلته وكالة "تسنيم" الإيرانية عن مصدر مطلع، أمس الاثنين 

فإن المباحثات بين قائد الجيش الباكستاني والمسؤولين الإيرانيين ستتناول سبل تعزيز التعاون الثنائي والقضايا المهمة بين البلدين، إلى جانب التطورات الإقليمية، ودور إسلام أباد المحتمل في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة.

إغلاق الحدود

تأتي زيارة قائد الجيش الباكستاني إلى إيران في وقت أقدمت فيه إسلام أباد أخيراً على إغلاق بعض المعابر الحدودية بين البلدين. 

ورغم أن الدوافع الحقيقية خلف هذه الخطوة الباكستانية لم تتضح بعد، إلا أنها قد تفاقم الضغوط الاقتصادية على طهران، لاسيما في ظل الحصار البحري والقيود المفروضة على حركة الطيران الإيراني 

حيث كانت طهران تعوّل على التجارة مع باكستان كمنفذ حيوي ومهم للالتفاف على الحصار المفروض عليها.

وفي السياق، أكدت الخارجية الإيرانية توقف حركة المرور في بعض المعابر الحدودية بين البلدين بشكل مؤقت، موضحة أن الجانبين يجريان مباحثات مكثفة لمعالجة هذه المشكلة. 

من جهة أخرى، أشار رئيس لجنة النقل في غرفة تجارة طهران، بيمان سنندجي، إلى أن العقوبات المصرفية أدت فعلياً إلى شلل الصادرات الإيرانية نحو باكستان 

 بينما لا تزال الواردات مستمرة عبر هذا المسار، مما أدى إلى الإخلال بالتوازن التجاري بين البلدين وجعله أكثر كلفة.
 
وتتواصل المفاوضات للوقوف على أبعاد الأزمة، وسط غموض يكتنف ما إذا كان هذا الإغلاق عرضياً ومؤقتاً، أم أنه يمهد لفرض قيود حدودية أشد صرامة. 

وعلى الرغم من تأكيد السلطات الإيرانية على اقتصار الأمر على تعليق التنقل في معابر محدودة، إلا أن استمرار هذه العراقيل ينذر باحتمال تحولها تدريجياً إلى إغلاق كامل للحدود.
 
الرسالة الأخيرة

يقول الخبير الإيراني صلاح الدين خديو، إن الحراك الدبلوماسي النشط الذي تشهده طهران هذه الأيام، ممثلة بزيارتي سيرغي لافروف وعاصم منير، يذكّر بالزيارات الدبلوماسية التي سبقت الحرب الأخيرة، أو الفترات التي تلتها مع ارتفاع مؤشرات التصعيد، مما يثير المخاوف من دخول المنطقة دورة جديدة من التوترات. 

ويرى خديو أن زيارة عاصم منير تكتسب أهمية أكبر مقارنة بزيارة لافروف، نظراً للدور الذي تؤديه باكستان في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، فضلاً عن تحولها إلى أحد أضلاع المعادلة الأمنية في اليمن، "وإن كان بدور فرعي نسبياً".
 
ويعرب عن اعتقاده بأن منير ربما يحمل رسالة تحذير، أو إنذاراً أخيراً، أو مقترحاً نهائياً من الجانب الأميركي، شبيه بما جرى قبيل حربَي الـ12 يوما والـ40 يوماً. 

ويشير إلى أن الاستعدادات العسكرية في المنطقة، والإسناد اللوجستي، والزيارات المتعددة للمسؤولين الإسرائيليين والأميركيين، بما في ذلك القيادات العسكرية، كلها مؤشرات توحي باقتراب حرب محتملة، وأن منير قد يكون حاملاً لآخر المطالب والاشتراطات الأميركية لنقلها إلى الجانب الإيراني، مع بقاء الملف اليمن حاضراً، وإن كان بصورة ثانوية.

يلفت الخبير الإيراني إلى أن باكستان وجدت نفسها في وضع بالغ التعقيد؛ فهي من جهة تمثل طرفاً رئيسياً للوساطة إلى جانب قطر بين إيران والولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة، ومن جهة أخرى تُعد عضواً مؤسساً في "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك، وذلك في وقت يضع فيه أحد حلفاء إيران، السعودية، الحليف الاستراتيجي لإسلام أباد، "في مأزق أمني". 

وأوضح أن إسلام أباد لا ترغب في تدمير أو إضعاف علاقاتها مع طهران، وفي الوقت ذاته تلتزم بتعهدات تجاه الرياض، مرجحاً أن يكون هذا الملف محور نقاش في الزيارة، لجهة مطالبة إيران بمراجعة موقفها في الملف اليمني وخفض التوترات.

وفي قراءته لزيارة وزير الخارجية الروسي، يضيف الخبير الإيراني صلاح الدين خديو أنه يمكن إدراج زيارة لافروف في السياق ذاته، لا سيما بعد التقارب الأخير بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن ملف أوكرانيا وبعض الإعفاءات من العقوبات التي أعلنها دونالد ترامب 

 الأمر الذي استدعى تجديد اللقاءات لتبديد التكهنات المثارة حول إمكانية أن تقوم روسيا بتجاوز إيران أو "عقد صفقات" مع واشنطن على حسابها.
 
ويعرب خديو عن اعتقاده بأن مصالح روسيا لا تتقاطع حالياً مع اندلاع حرب واسعة النطاق تهدد وجود النظام الإيراني، إذ لا ترغب موسكو في حدوث تغييرات جيوسياسية جذرية بالمنطقة، تعزز نفوذ الولايات المتحدة أو حلفائها بشكل أكبر. 

ويرجح أن زيارة لافروف تمثل وجها آخراً لزيارة قائد الجيش الباكستاني، لجهة تشجيع طهران على قبول الحلول السياسية، مشيراً إلى احتمال طرح مقترحات مثل نقل احتياطيات اليورانيوم المخصب إلى روسيا كحل، مع تقديم ضمانات روسية لطهران بإمكانية الاحتفاظ به وإعادته في حال نكث الطرف الأميركي بعهوده.

تزايد احتمالات المواجهة

من جهته، يقول الخبير الإيراني صلاح الدين هريسي، إن منير يسعى إلى دفع الطرفين الإيراني والأميركي إلى طاولة المفاوضات، 

مشيراً إلى أن إسلام أباد تحمل في الوقت الراهن رسالة رئيسية إلى طهران، مفادها أن عدم الجلوس إلى الطاولة قد يدفع الولايات المتحدة وإسرائيل نحو شن حرب جديدة ضد إيران.
 
ويوضح هريسي أن استبعاد خطر الحرب ليس دقيقاً، لاسيما أن كلاً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يواجهان استحقاقات انتخابية قريبة 

حيث تشير التوقعات إلى احتمال فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب لصالح الديمقراطيين، 

وهو ما يُعدّ هزيمة لترامب "الذي خسر ميدانياً" مواجهته مع إيران، على حد تعبيره. وفي الجانب الإسرائيلي أيضاً، يواجه نتنياهو خطر خسارة الانتخابات، ما قد يدفعه للتصعيد مع طهران بغية تغيير الموازين الانتخابية لصالحه.

أما بخصوص زيارة لافروف، فيؤكد خریدي ضرورة إدراجها في إطار العلاقات الاستراتيجية بين طهران وموسكو، مبيناً أن العديد من صانعي القرار في إيران ينظرون إلى العلاقة مع روسيا باعتبارها شراكة استراتيجية حقيقية. 

غير أن أجندة زيارة لافروف، بحسب الخبير الإيراني، تحمل في الواقع رسالة تحث المسؤولين الإيرانيين على الاستعداد للقبول بـ"تفاهم إسلام أباد"، نظراً لوصول التهديدات والتوترات المتصاعدة في غرب آسيا والشرق الأوسط إلى نقطة الغليان، مما يجعل احتمال اندلاع حرب شديدة الضراوة راجحاً.