ثورة 26 سبتمبر.. من إسقاط الإمامة إلى الدفاع عن الجمهورية
الرأي الثالث
لم يكن اليمنيون في السادس والعشرين من سبتمبر 1962 على موعد مع تغيير في أسماء الحاكمين فحسب، بل مع لحظة تاريخية أرادوا لها أن تفتح صفحة جديدة في تاريخ بلد أنهكته عقود من الحكم الإمامي، وتراكمت فيه مظاهر الاستبداد والتمييز والحرمان.
خرجت الثورة من قلب صنعاء لتعلن قيام الجمهورية، وتضع حدًا لنظام سياسي واجتماعي قام على احتكار السلطة، وربط الحكم بالاصطفاء السلالي، وتعيد إلى اليمنيين حلم الدولة الحديثة، والمواطنة المتساوية والحرية، والحق في أن يكون الحكم شأنًا عامًا لا امتيازًا مغلقًا على فئة أو سلالة.
غير أن الثورة التي أسقطت الإمامة لم تُنهِ الصراع حول اليمن من جذوره، فقد كان على الجمهورية الوليدة أن تخوض معركة أخرى من أجل بقائها، وأن تدفع أثمانًا باهظة في مواجهة محاولات إعادة النظام السابق، حتى تحولت مقاومة حصار السبعين وصمود المدافعين عن صنعاء إلى واحدة من أبرز صفحات الدفاع عن الجمهورية في التاريخ اليمني،
ومنذ ذلك الحين ظل مطلب الدولة والجمهورية والمواطنة حاضرًا، وإن بأشكال مختلفة، في مسار اليمن السياسي المضطرب.
وبعد أكثر من نصف قرن عاد السؤال نفسه إلى الواجهة من بوابة مختلفة، ففي 21 سبتمبر 2014 اجتاحت مليشيا الحوثي العاصمة صنعاء، وأسقطت مؤسسات الدولة، وفرضت سلطة الأمر الواقع بقوة السلاح، في حدث مثّل انقلابًا على النظام الجمهوري ومسار الدولة، وفتح الباب أمام إعادة إنتاج أفكار وممارسات تتقاطع مع الإرث الإمامي الذي أسقطته ثورة سبتمبر.
وهكذا لم تعد 26 سبتمبر مجرد ذكرى في التقويم الوطني، بل تحولت إلى عنوان لصراع مستمر حول اليمن الذي أراده الثوار عام 1962: هل يكون دولة جمهورية يتساوى أبناؤها في الحقوق والواجبات، وتحتكم فيها السلطة إلى القانون والمؤسسات والإرادة الشعبية، أم تعود السلطة إلى مشروع يقوم على الامتياز والاصطفاء واحتكار القرار،
وبين سبتمبر الثورة وسبتمبر الانقلاب، تبدو المعركة التي بدأت قبل أربعة وستين عامًا مستمرة بأشكال جديدة، لأن جوهر الصراع لم يعد متعلقًا بتغيير نظام سياسي فحسب، وإنما بطبيعة الدولة التي يريدها اليمنيون ومستقبل الجمهورية التي دفعوا أثمانًا باهظة من أجل قيامها.
حين أسقط اليمنيون الإمامة
ولم تكن ثورة 26 سبتمبر 1962 وليدة ليلة واحدة، وإن كانت مدافعها قد دوّت في صنعاء خلال ساعات قليلة، فقد سبقتها سنوات طويلة من التذمر السياسي والاجتماعي، ومحاولات الإصلاح والتمرد على نظام الإمامة، وتراكم شعور واسع بأن اليمن بحاجة إلى الخروج من واقع سياسي مغلق، وأن بناء المستقبل لا يمكن أن يتم في ظل نظام يحتكر السلطة ويجعلها امتيازًا مرتبطًا بالسلالة والحكم الفردي، ويحول دون مشاركة اليمنيين في تقرير شؤون بلدهم ومستقبلهم.
كان اليمن يومها يعيش عزلة ثقيلة عن التحولات التي كانت تعصف بالمنطقة والعالم، فالدولة الحديثة بمؤسساتها وقوانينها وتعليمها وإدارتها لم تكن قد أخذت مكانها الذي كان يطمح إليه اليمنيون، فيما ظلت السلطة الإمامية تمسك بمفاصل البلاد، وتتعامل مع مطالب الشعب باعتبارها تهديدًا لوجودها،
وفي هذا المناخ نشأت حركة الضباط الأحرار، وتبلورت لدى قطاع من النخب والشباب قناعة بأن التغيير لم يعد ترفًا سياسيًا، وإنما أصبح ضرورة لإنقاذ البلاد وفتح الطريق أمام الجمهورية، وبناء دولة تقوم على النظام والقانون والمواطنة، بدل الامتياز السلالي والاحتكار السياسي.
وفي فجر 26 سبتمبر تحرك الضباط الأحرار، وسيطروا على عدد من المواقع العسكرية والحيوية في صنعاء، وأعلنوا نهاية الحكم الإمامي وقيام الجمهورية العربية اليمنية، كان البيان الجمهوري أكثر من إعلان لسقوط سلطة، فقد حمل في دلالته إعلانًا عن انتقال اليمن إلى مرحلة جديدة، يصبح فيها الشعب مصدرًا للشرعية السياسية، وتصبح الدولة مشروعًا عامًا يفترض أن يتساوى أمامه اليمنيون، وتغدو السلطة وظيفة لخدمة المجتمع لا حقًا موروثًا أو امتيازًا خاصًا.
غير أن سقوط صنعاء لم يكن يعني أن الإمامة استسلمت، فقد فرّ الإمام محمد البدر، وتجمع أنصاره لاستعادة الحكم، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع على الجمهورية، وهكذا انتقلت ثورة سبتمبر سريعًا من لحظة إسقاط النظام إلى معركة الدفاع عن النظام الجمهوري نفسه، وهي معركة ستحدد لاحقًا ما إذا كان اليمن قد دخل فعلًا عصرًا جديدًا، أم أن الإمامة ستنجح في استعادة ما فقدته.
لقد كان ذلك هو الاختبار الأول لسبتمبر، أن تتحول من ثورة أعلنت الجمهورية إلى دولة قادرة على حماية جمهوريتها، وأن يصبح سقوط الإمامة بداية لبناء نظام سياسي واجتماعي جديد، لا مجرد تبديل للحاكمين.
الجمهورية في مواجهة الرد الإمامي
لم تكد الجمهورية تعلن ميلادها حتى وجدت نفسها أمام اختبار وجودي، فسقوط النظام الإمامي في صنعاء لم يكن نهاية المعركة، إذ رفضت القوى الملكية الاعتراف بالواقع الجديد، وسعت إلى استعادة الحكم السابق، مستفيدة من البيئة القبلية والجغرافية المعقدة التي أحاطت بصنعاء والمناطق الشمالية، لتتحول الأيام التي أعقبت 26 سبتمبر من احتفال بقيام الجمهورية إلى معركة مفتوحة للدفاع عن بقائها، وعن حق اليمنيين في نظام سياسي جديد لا يعيد إنتاج الحكم الإمامي.
ومع تصاعد الهجمات على العاصمة صنعاء التي كانت في قلب المواجهة، دخلت الجمهورية الوليدة واحدة من أصعب مراحلها، وصولًا إلى حصار صنعاء الذي بدأ أواخر عام 1967 واستمر نحو سبعين يومًا.
لم يكن الحصار مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحول إلى اختبار لمستقبل النظام الجمهوري نفسه.
وفي تلك الظروف وجد المدافعون عن الجمهورية أنفسهم أمام معركة تتجاوز المواقع العسكرية، فبقاء صنعاء يعني بقاء النظام الجمهوري، وسقوطها كان يمكن أن يفتح الطريق أمام استعادة الحكم الملكي، ولذلك أصبح صمود القوات الجمهورية والمقاتلين المدافعين عن العاصمة جزءًا من الذاكرة الوطنية لثورة سبتمبر، بوصفه امتدادًا طبيعيًا للحظة الثورة الأولى، لا حدثًا منفصلًا عنها،
فقد كان الدفاع عن صنعاء في جوهره دفاعًا عن حق اليمنيين في الجمهورية وعن مستقبل الدولة التي حلموا بها، ومع انكسار الحصار وفشل محاولة إسقاط صنعاء، أخذ ميزان الصراع يميل بصورة أكبر لصالح الجمهوريين، وصولًا إلى مرحلة انتهى فيها الحكم الملكي كخيار سياسي حاكم، وترسخت الجمهورية بوصفها الإطار السياسي للدولة اليمنية.
تحولات واسعة
وقد كشفت السنوات الأولى بعد سبتمبر حقيقة مهمة، وهي أن إسقاط الإمامة كان بداية المعركة وليس نهايتها، فالثورات لا تحافظ على أهدافها بمجرد إعلانها، وإنما تحتاج إلى دولة تحميها، ومؤسسات ترسخها، ومجتمع يؤمن بها، ونظام سياسي يحول مبادئها إلى ممارسة يومية، ومن هنا يصبح الدفاع عن الجمهورية جزءًا أصيلًا من تاريخ سبتمبر، كما أصبح الصراع على شكل الدولة اليمنية قضية تتجاوز جيل الثوار إلى الأجيال التي جاءت بعدهم.
وحين تعثرت الجمهورية وبقيت الإمامة في الظل لم يكن إسقاط النظام الإمامي في 26 سبتمبر نهاية الطريق، كما أن إعلان الجمهورية لم يكن كافيًا وحده لبناء الدولة التي حلم بها الثوار، فقد دخل اليمن بعد الثورة في مرحلة طويلة من التحولات السياسية والصراعات والانقسامات، وظلت الجمهورية طوال عقود تواجه تحديات بناء مؤسسات مستقرة وقادرة على استيعاب التعدد السياسي والاجتماعي، وتحويل مبادئ الثورة من شعارات إلى واقع يعيشه المواطن في حياته اليومية.
ومع أن النظام الجمهوري ترسخ بوصفه الإطار السياسي للدولة، فإن آثار الماضي لم تختفِ بمجرد سقوط الإمامة، بل بقيت أسئلة السلطة والولاء والانتماء، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، حاضرة في الحياة السياسية اليمنية، كما أن الصراعات والانقلابات التي شهدتها البلاد خلال العقود التالية كشفت أن الانتقال من نظام تاريخي إلى نظام جمهوري لا يكتمل بإسقاط الحاكم، وإنما يحتاج إلى بناء مؤسسات تحمي الدولة من عودة الاستبداد، أيًا كان شكله أو شعاره، وتحفظ للمواطن حقه في المشاركة والمساءلة والاختيار.
ومع ذلك لا يمكن اختزال مسيرة الجمهورية في إخفاقاتها، فقد شهد اليمن بعد سبتمبر تحولات واسعة في التعليم والإدارة والجيش والحياة العامة، واتسعت مساحات المشاركة السياسية والاجتماعية مقارنة بما كان قائمًا قبل الثورة، وأصبح الانتماء الوطني والجمهورية والدولة الحديثة مفاهيم راسخة في الوعي العام، حتى وإن ظلت الممارسة السياسية بعيدة في مراحل كثيرة عن مستوى الطموح الذي حملته الثورة.
عودة الإمامة بثوب جديد
ولم تكن سيطرة مليشيا الحوثي على صنعاء في سبتمبر 2014 مجرد تحول في موازين القوة، بل مثلت، في نظر قطاعات واسعة من اليمنيين، عودة لمشروع ظنوا أن ثورة 26 سبتمبر قد أطاحت بأسسه إلى غير رجعة، فالمشروع الذي قامت الثورة لمواجهته لم يكن مرتبطًا بأشخاص أو أسرة حاكمة فحسب،
وإنما بمنظومة سياسية واجتماعية تجعل السلطة امتيازًا لفئة محددة، وتضع المواطنة المتساوية في مرتبة أدنى من اعتبارات النسب والاصطفاء، وتمنح فئة بعينها حقًا مفترضًا في قيادة المجتمع والدولة.
وقد جاء انقلاب الحوثيين ليعيد إلى واجهة المشهد جوهر الصراع الذي خاض اليمنيون من أجله ثورة سبتمبر، ويضع مستقبل الجمهورية والدولة والمواطنة أمام تحد جديد، في الحفاظ على مبادئ وأسس الثورة والجمهورية التي ناضل الثوار من أجلها وقدموا دماءهم رخيصة لتحقيق المطالب العادلة، فقد أقامت المليشيا سلطتها على القوة المسلحة
وأعادت تشكيل مؤسسات الدولة وفق منطق سلطة الأمر الواقع، ووسعت حضورها داخل أجهزة الحكم والإدارة، بما أضعف مفهوم الدولة الجامعة لصالح سلطة موازية ذات مرجعية أيديولوجية، وأعاد الاعتبار لمنطق التمييز والاصطفاء على حساب مبدأ المساواة بين اليمنيين.
وهكذا بدا أن مشروع التحرر الذي انطلق مع سبتمبر، وتراكم عبر عقود من النضال من أجل الجمهورية والدولة والمواطنة، يواجه محاولة جديدة لتقويضه، وإن اختلفت الأدوات والشعارات، فالمعركة لم تعد على شكل الحاكم وحده، وإنما على جوهر اليمن الجمهوري،
دولة يتساوى فيها اليمنيون، وتكون فيها السلطة حقًا عامًا، لا امتيازًا سلاليًا، ويكون فيها القانون فوق الجميع، وتظل إرادة الشعب أساسًا للشرعية ومصدرًا لاختيار من يدير شؤون الدولة والمجتمع.
سبتمبر.. معركة الجمهورية التي لم تنتهِ
ولم تعد ثورة 26 سبتمبر في الذاكرة اليمنية مجرد حدث وقع في عام 1962، ولا مجرد ذكرى تُستعاد في الخطب والمناسبات، فقد أعاد سقوط صنعاء في 21 سبتمبر 2014 طرح الأسئلة التي ظن كثيرون أن الزمن قد تجاوزها: من يملك حق الحكم؟ وما طبيعة الدولة؟
وهل تكون السلطة نتاج المؤسسات والقانون والتوافق السياسي، أم نتيجة الغلبة العسكرية؟ وهل تكون المواطنة المتساوية أساس العلاقة بين اليمنيين، أم تعود الامتيازات المرتبطة بالنسب والسلالة لتفرض نفسها على الدولة والمجتمع؟
وقد كان مؤتمر الحوار الوطني، الذي اختتم أعماله في يناير 2014 بمشاركة أكثر من 560 ممثلًا عن مختلف المناطق والقوى السياسية، قد وضع أسسًا ليمن ديمقراطي اتحادي يقوم على الحكم الرشيد وسيادة القانون وحقوق الإنسان،
غير أن التصعيد العسكري الذي قاد إلى سيطرة الحوثيين وحلفائهم على صنعاء في سبتمبر من العام نفسه أنهى عمليًا مسار الانتقال السياسي الذي كان قائمًا آنذاك، وأدخل البلاد في مرحلة جديدة من الصراع على الدولة ومؤسساتها وشكل نظامها السياسي.
ومنذ ذلك الحين لم يعد استحضار سبتمبر متعلقًا بالماضي وحده، بل أصبح مرتبطًا بمعركة الهوية الإسلامية والوطنية، وصورة الدولة التي يريد اليمنيون استعادتها وبناءها، فالسيطرة المسلحة على مؤسسات الدولة، وإنشاء هياكل موازية داخل الجهاز الحكومي، وما رافق ذلك من إعادة تشكيل لمؤسسات الحكم والإدارة، جعل قضية الدولة الجمهورية حاضرة في قلب الصراع اليمني،
ولم يعد الدفاع عن الجمهورية مجرد دفاع عن اسم أو نظام سياسي، وإنما عن جملة من المبادئ التي ارتبطت بها: المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والتعددية السياسية، وحق الشعب في اختيار حكامه، واحتكار الدولة للسلاح، وخضوع السلطة للمؤسسات.
وتبدو المسافة بين 26 سبتمبر و21 سبتمبر أكثر فارق في التاريخ، فالأول أعلن نهاية نظام الإمامة وقيام الجمهورية، والثاني أعاد الصراع على شكل الدولة إلى واجهة المشهد اليمني، وبين التاريخين ظل سؤال واحد يبحث عن إجابته: هل يستطيع اليمن أن يحافظ على الجمهورية بوصفها دولة مؤسسات ومواطنة وقانون، وأن يجعل من سبتمبر مشروعًا لبناء الدولة لا مجرد ذكرى لثورة مضت؟
ذلك هو المعنى الأوسع لسبتمبر اليوم: أن معركة الدولة لا تنتهي بإسقاط نظام، وإنما بإزالة كل مخلفاته، وتكتمل حين تصبح الجمهورية واقعًا راسخًا في مؤسساتها وقوانينها وحياة مواطنيها، وحين يصبح اليمن دولة يتساوى أبناؤها في الحقوق والواجبات، لا ساحة تتنازعها مشاريع الغلبة والاصطفاء،
فسبتمبر لم يكن مجرد لحظة لإسقاط الإمامة، بل كان تأسيسًا لفكرة اليمن الجمهوري، وما تزال مسؤولية حماية هذه الفكرة وبناء دولتها مفتوحة أمام الأجيال التي لم تعد ترى في الجمهورية ذكرى تاريخية، وإنما حقًا وطنيًا ومستقبلًا ينبغي أن يستعيده اليمنيون ويحافظوا عليه.