Logo

باريس تستضيف الاجتماع التحضيري لدعم المؤسسات الأمنية اللبنانية

الرأي الثالث - وكالات

تستضيف العاصمة الفرنسية باريس، اليوم الخميس، اجتماعاً دولياً حول لبنان يُعقد ضمن "مسار العقبة"، وتريد له فرنسا أن يخرج بخطة "واضحة، وجديرة بالثقة، وواقعية" لانتشار الجيش اللبناني في أنحاء البلاد. 

وبحسب  الرئاسة الفرنسية، سيناقش قادة ومسؤولون عسكريون المهمات التي يستطيع الجيش اللبناني تولّيها فعلياً على الأرض، لا سيما في الجنوب، وما يلزمه لتنفيذها. 

كما أكدت باريس أن الاجتماع ليس موجهاً لإعلان تعهدات مالية أو أرقام لمساهمات الدول، فيما لم يتحدد بعد موعد مؤتمر الدعم الذي سيُعقد لاحقاً لحشد الأموال والمعدات وبرامج التدريب اللازمة لتنفيذ الخطة.

اجتماع "مسار العقبة" في باريس

ويفتتح ماكرون الاجتماع، صباح اليوم الخميس، إلى جانب نظيره اللبناني جوزاف عون والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، بعد لقاء ثلاثي سيجمعهم في قصر الإليزيه، قبل أن يتولى النقاش قادة أركان ومسؤولون عسكريون رفيعون من عدة دول، على رأسها فرنسا ولبنان والأردن وبريطانيا، إلى جانب تمثيل أميركي رفيع ومشاركين أوروبيين وعرب.

 ويعود "مسار العقبة" إلى عام 2015، حين أطلقه الملك عبد الله الثاني لتعزيز التنسيق والتعاون وتبادل الخبرات بين الأطراف الإقليمية والدولية، وهو يجمع دورياً مسؤولين أمنيين وعسكريين لبحث "قضايا الأمن والاستقرار" في الشرق الأوسط. 

وبحسب الرئاسة الفرنسية، يأتي اجتماع اليوم بطلب من العاهل الأردني، الذي أراد عقده هذا العام في باريس وتخصيصه للأمن والاستقرار في لبنان.

 ويأتي اللقاء بعد أشهر من تحضير باريس وبيروت مؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، الذي كان مقرراً أول الأمر في الخامس من مارس/ آذار، قبل أن تؤدي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وتجدد العدوان الإسرائيلي على لبنان إلى تأجيله.

 وفي يونيو/ حزيران الماضي، أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام اتفاقه مع ماكرون على عقد مؤتمرين، أحدهما للجيش وقوى الأمن والآخر لإعادة الإعمار، ثم وجّه الرئيس الفرنسي إلى عون، في أغسطس/ آب الماضي، دعوة رسمية إلى الاجتماع التحضيري.
 
وتسعى باريس إلى أن تُفضي جلسات اليوم إلى اتفاق على مهمات الجيش اللبناني ومعايير تنفيذها وآلياتها، لا إلى قائمة عامة بما تحتاجه القوات المسلحة اللبنانية. 

ومن المنتظر أن يعرض الجانب اللبناني خطته لانتشار الجيش اللبناني وكيفية عمله على الأرض، على أن يحدد النقاش ما يستطيع تولّيه وكيفية تنفيذه. 

وبحسب الرئاسة الفرنسية، سيسمح تحديد هذه المهمات وآليات تنفيذها بتنظيم ما ستقدمه الدول لاحقاً من تمويل ومعدات وتدريب ودعم استخباراتي ومواكبة ميدانية. 

وترى فرنسا أن التوصل إلى خطة واضحة شرطٌ أساسي لتوفير دعم قوي وفعّال للجيش اللبناني، بدلاً من تكديس أرقام ومساهمات قد لا تستجيب لحاجاته الفعلية على الأرض.

ولا تقتصر الخطة التي سيجري تدارسها على انتشار الوحدات العسكرية، إذ سيفتح الاتفاق على مهمات الجيش اللبناني باب البحث في شكل الحضور الدولي الذي قد يسانده في الجنوب بعد انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان "يونيفيل"،

 منعاً لنشوء فراغ أمني. وتكرر باريس قناعتها بأن أي قوة أجنبية لا يمكنها أن تحل محل الجيش والمؤسسات اللبنانية في نزع سلاح حزب الله وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية،

 لكنها تشدد على أن تمكين الجيش من أداء هذه المهمة يحتاج إلى تمويل وتجهيز وتدريب ومساندة من المجتمع الدولي.

ويصطدم هذا التصور بواقع ميداني تُواصل فيه إسرائيل احتلال أجزاء واسعة من جنوب لبنان، إلى جانب اعتداءاتها المستمرة ونسفها المباني. وخلّفت هجماتها خلال الأيام الأخيرة عشرات القتلى والجرحى، من بينهم أطفال ونساء ومسعفون. 

وتقر باريس بأن استمرار إسرائيل في شن الهجمات واحتلال أجزاء من الجنوب يعرقل انتشار الجيش اللبناني وعودة السكان إلى بلداتهم، وأن أي تصور واقعي لمهمة الجيش اللبناني لا يمكنه تجاهل الاحتلال القائم.
 
ويزيد تعثّر الاتفاق الإطاري، الذي توصل إليه لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية في 26 يونيو الماضي، من صعوبة التقدم في خطة انتشار الجيش. ولم تسفر جولات التفاوض التي ترعاها واشنطن عن تقدم حاسم حتى اليوم، في ظل تعنّت إسرائيل وتمسّكها بالحل العسكري. 

وأُرجئت الجولة الجديدة من المحادثات في روما إلى أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، فيما عقد سفيرا لبنان ندى حمادة معوض وإسرائيل يحيئيل لايتر، لقاء في واشنطن مساء أول من أمس الثلاثاء لمواصلة البحث في تنفيذ اتفاق الإطار. 

ورغم إبعاد فرنسا عن المفاوضات بفيتو إسرائيلي، تقول باريس إنها لطالما دعت إلى حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل، وتؤكد أنها تُواصل اتصالاتها مع الطرفين.

ويمثّل دعم الجيش اللبناني والتحضير لمرحلة ما بعد "يونيفيل" فرصة لفرنسا للحفاظ على دور في الملف اللبناني، بعدما انفردت واشنطن برعاية المفاوضات. 

وتبحث باريس مع روما، صاحبة أكبر مساهمة عسكرية في القوة الأممية جنوبي البلاد، تصوراً لحضور دولي أو قوة متعدد الجنسيات، إذا طلب لبنان ذلك.

 لكن ملامح هذا الحضور لم تتضح بعد، سواء من حيث الإطار القانوني الذي سيعمل في ظله، أو الدول المشاركة فيه، أو حجم قواته والمهمات التي ستُسنَد إليه. 

وتقول الرئاسة الفرنسية إن النقاش الجاري يشمل إمكان إسناد بعض مهمات "يونيفيل" إلى قوة جديدة، ولا سيما تحديد الخط الأزرق (الخط الحدودي الذي رسمته الأمم المتحدة بين لبنان وفلسطين المحتلة بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000)، ومراقبته ومساندة الجيش. 

كما لمّحت إلى احتمال صدور إعلان من عمّان، من دون أن تكشف مضمونه. أما حسم هذه المسائل، فيحتاج إلى مزيد من النقاش، خصوصاً مع الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين تعترضان على استمرار مهمة "يونيفيل" بصيغتها الحالية.
 
ولا تستبعد باريس تمديد مهمة "يونيفيل"، إذ تدفع مع بيروت في هذا الاتجاه، بعدما قرر مجلس الأمن، العام الماضي، إنهاء عمل القوة في 31 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، وسحب عناصرها تدريجياً خلال العام التالي.

 وحظي الطلب اللبناني بتأييد فرنسا ومعظم أعضاء المجلس، وفق ما نقلته صحيفة "فاينانشال تايمز" الأحد الماضي، لكن هذا التأييد لم يتحول إلى قرار حتى الآن. 

وقال مصدر دبلوماسي فرنسي إن باريس تتجه إلى فتح الملف مجدداً في نيويورك الأسبوع المقبل، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، 

في وقت تترأس فرنسا مجلس الأمن خلال الشهر الحالي وتتولى، بصفتها "حاملة القلم" في الملف اللبناني، إعداد مشروعات القرارات والبيانات المتعلقة به.

 وسيكون على باريس إقناع واشنطن بعدم تعطيل التمديد، بعدما دفعت الولايات المتحدة، التي تملك حق النقض في المجلس، نحو إنهاء المهمة العام الماضي.

بعثة أوروبية لتدريب الجيش اللبناني

وفي مسار منفصل عن "يونيفيل"، يحضّر الاتحاد الأوروبي بعثةً لتدريب الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وتقديم المشورة إليهما. 

وأعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن أكثر من عشر دول مستعدة للمشاركة في البعثة، التي تؤكد أن هدفها ليس الحلول محل القوة الأممية. 

ومن المنتظر أن يناقش الاتحاد الأوروبي إنشاء البعثة في أكتوبر المقبل، على أن يبدأ نشر أفرادها في نهاية العام الحالي أو مطلع العام المقبل، مع تفويض أولي قد يمتد ثلاثة أعوام.

 وتشمل التصورات المطروحة تدريب وحدات حرس الحدود وقوى الأمن، وتعزيز المراقبة والاستخبارات والأمن البحري، بما يتيح للجيش تخصيص مزيد من قواته للجنوب والتركيز على خطة حصر السلاح.

وتنظر فرنسا إلى دعم الجيش اللبناني بوصفه عنصراً ضمن خطة أوسع لمساندة لبنان، تشمل مضي بيروت في إصلاحات مالية ومصرفية تطالب بها المؤسسات الدولية منذ سنوات، 

وفي مقدمتها معالجة خسائر الأزمة المالية بما يفتح الباب أمام تمويل دولي واسع. أما مؤتمر الدعم المؤجل، فلم تحدد فرنسا موعداً جديداً له، وهي تقول إن انعقاده يحتاج أولاً إلى اتفاق واضح على مهمات الجيش، وعلى تقدّم ملموس من بيروت في الإصلاحات المطلوبة.