الحوثيون يسيطرون على باب المندب: لماذا انهارت قوات الحكومة؟
الرأي الثالث
باتت جماعة الحوثيين تحكم السيطرة على مضيق باب المندب الاستراتيجي، مع سيطرتها اليوم الجمعة على جزيرة ميون، وانسحاب قوات الحكومة من جزيرة بريم في باب المندب، بعد إحكام قبضتها على مدينة المخا، أمس الخميس.
يأتي هذا بعد أسبوع من المواجهات العنيفة مع القوات الحكومية، وفي ظل واقع ميداني كانت فيه الأنباء الواصلة من الساحل الغربي تتحدث عن تقدمات للقوات الحكومية، التي انهارت صفوفها سريعاً خلال ساعات.
وأكد قيادي في جماعة الحوثيين ، اليوم الجمعة، السيطرة على جزيرة ميون، واستكمال السيطرة على مضيق باب المندب، فيما نقلت وكالة رويترز عن مصدرين حكوميين، أن قوات الحكومة اليمنية انسحبت من جزيرة بريم في مضيق باب المندب.
وفي أول رد رسمي على التطورات، لم يقدم مجلس الدفاع الوطني ، عقب اجتماع أمس الخميس، برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، أي توضيحات للرأي العام حول ما جرى،
لكنه أشار إلى أن "أي تقدم ميداني عارض لن يمنح المليشيات حق فرض أمر واقع بالقوة، ولن يغير من حقيقة أن هذه المعركة ليست معركة موقع أو مديرية أو جبهة منفردة، وإنما معركة وطنية شاملة لاستعادة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على كامل التراب الوطني".
وشدد المجلس على أن عملية الردع التي بدأتها القوات المسلحة لن تقتصر على جبهة أو منطقة بعينها، وأنها ستتعامل، وفق تقديراتها العسكرية وقواعد الاشتباك والقانون الدولي الإنساني، مع مصادر التهديد وتحركات الجماعة في مختلف مسارح العمليات.
وكان اليمنيون قد استيقظوا، أمس الخميس، على تطورات عسكرية مفاجئة في الساحل الغربي، تمثلت بانسحابات للقوات اليمنية من مدينة المخا الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر وقرب مضيق باب المندب، بعد انسحابات مماثلة من مديريتَي حيس والوازعية.
وأكدت مصادر حكومية يمنية أن توجيهات صدرت، مساء الأربعاء، للقوات الحكومية بالانسحاب من مدينة المخا من دون توضيح الأسباب المباشرة للقرار.
وأضافت المصادر أن أوامر الانسحاب بُررت بأنها جزء من "إعادة تموضع"، لتبدأ القوات الحكومية مغادرة مقر القيادة العامة لتشكيلات "القوات المشتركة" في المدينة.
وفي صباح الخميس، أعلن عضو مجلس القيادة الرئاسي، الفريق طارق صالح، في بيان نشرته وسائل إعلام رسمية، توجيه القوات المسلحة في الساحل الغربي إلى "إعادة ترتيب صفوفها"،
قائلاً إن القوات المشتركة أنشأت مركز قيادة جنوب مدينة المخا، عقب ما وصفه بـ"اختراقات قوات الحوثي لمختلف محاور القتال تحت ضغط ناري كثيف استخدم فيها الحوثيون مختلف أنواع الأسلحة".
وأضاف صالح أن "القوات المسلحة في الساحل الغربي، مقاومة وطنية وعمالقة ودرع الوطن، إضافة إلى وحدات محور تعز غرب المحافظة، قدمت ثمناً كبيراً، شهداء وجرحى، طيلة الأيام الماضية وهي تواجه الهجوم الحوثي".
وختم بالقول: "وجهنا بتشكيل مركز قيادة بديل في مكان آمن يعيد تجميع القوات بالتشاور مع قيادة التحالف العربي ومجلس القيادة".
ولم يصدر، بعد بيان طارق صالح، أي توضيح رسمي بشأن مكان وجوده أو وضع القوات التابعة له، ولا عن موقع مركز القيادة الذي قال إنه شُكّل جنوب المخا، وسط ترجيحات غير مؤكدة بأنه قد يكون في منطقة ذباب.
كما لم يصدر مجلس القيادة الرئاسي أو قيادة القوات المشتركة أو وزارة الدفاع اليمنية، بيانات إضافية توضح مصير هذه القوات بعد إعلان "إعادة ترتيب الصفوف".
وأثار الغموض المحيط بالانسحابات، وبوضع القوات الحكومية، تساؤلات واسعة في الشارع اليمني بشأن ما جرى وخلفياته، ولا سيما في ضوء التقدمات التي كانت هذه القوات قد أعلنت عنها قبل أن تتبدل خريطة السيطرة الميدانية خلال ساعات.
وتعرّضت مدينة المخا خلال الأيام الماضية، لعشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة المفخخة، فيما تسارع، خلال الساعات الأخيرة، زحف قوات الحوثيين باتجاه المدينة، بعد أن دفعت الجماعة بآلاف المقاتلين إلى جبهات غرب تعز.
وتحتل المخا موقعاً استثنائياً على الخريطة الجيوسياسية الإقليمية والدولية. فهي تقع في أقصى جنوب غربي محافظة تعز، على بعد نحو 90 كيلومتراً من مركز المحافظة، وعلى مسافة تراوح بين 60 و70 كيلومتراً جنوباً من مضيق باب المندب.
ويجعل موقعها القريب من الشريان البحري الأبرز لتجارة الطاقة وناقلات النفط، المدينة عقدة مواصلات استراتيجية، ويربط أمنها مباشرة بحرية الملاحة وتدفق الإمدادات عبر البحر الأحمر.
وكانت المدينة تحتضن مقر القيادة العامة لتشكيلات "القوات المشتركة"، التي تعمل تحت إدارة مجلس القيادة الرئاسي اليمني.
وتضم هذه التشكيلات، في مقدمتها، "قوات المقاومة الوطنية" بقيادة طارق صالح، و"ألوية العمالقة الجنوبية" بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي أبو زرعة المحرمي، و"ألوية المقاومة التهامية".
وتضم القوات المشتركة نحو 30 لواءً عسكرياً، وأعيد تنظيمها وهيكلتها مطلع عام 2026 ضمن خمس فرق وقوات رئيسية بإشراف سعودي مباشر، تشمل حراس الجمهورية، وألوية تهامة، وألوية الزرانيق، وألوية العمالقة،
إلى جانب تشكيل بحري وقوات أمنية متخصصة. وكان مراقبون قد اعتبروا هذه التشكيلات قوة ضاربة ومؤسسة عسكرية متكاملة، تمثل درعاً على البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.
اختبار للقيادة العسكرية
وفي قراءة لأسباب الانتكاسة، تقول المديرة التنفيذية للإنتاج المعرفي في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، ياسمين الإرياني إن القوات الحكومية ظلت في موقع دفاعي خلال الفترة الماضية، باستثناء عمليات مضادة في الجوف، هدفت إلى تشتيت الحوثيين وتخفيف الضغط عن المخا.
وترى أن إصرار الجماعة على التقدم نحو المدينة، واستعدادها لتحمّل خسائر بشرية كبيرة، يوحيان بأنها سعت إلى عملية خاطفة لا إلى معركة طويلة الأمد.
وتضيف الإرياني أن توقيت الهجوم يكتسب أهمية خاصة في سياق التصعيد الإقليمي، معتبرة أن تحركات الحوثيين تبدو متزامنة مع "سلّم التصعيد الإيراني".
وتحذر من أن أي محاولة لفرض رسوم أو ترتيبات خدمية في باب المندب ستكون سابقة خطرة قد تعيد تشكيل قواعد إدارة الملاحة البحرية العالمية. وبشأن أداء القوات الحكومية،
توضح الإرياني أنه، على الرغم من تحسن نسبي في قدراتها وتماسكها، فإن المعركة مثلت اختباراً فعلياً حول ما إذا كانت الحكومة قد نجحت في توحيد قيادتها العسكرية، "ومن الواضح أنها لم تفعل ذلك بعد".
وأضافت أن مواجهة جماعة ذات خبرة قتالية، مثل الحوثيين، لا يمكن أن تنجح من دون استراتيجية عسكرية مرنة، وقيادة موحدة، وعقيدة دفاعية منضبطة، مشيرة إلى أن تصاعد استخدام المسيّرات والسلاح الجوي غيّر قواعد المواجهة، لكنه لا يكفي وحده لحسمها.
وتلفت إلى أن هشاشة المعنويات العسكرية خلال الأيام الماضية بدت عاملاً مؤثراً، إذ استثمر الحوثيون، بحسب تقديرها، في حرب إعلامية عززت الشكوك في وصول التعزيزات من الوحدات الأخرى.
وتقول إن أي تقدم عسكري ضد الجماعة يتطلب تعبئة متزامنة ومنسقة على جبهات متعددة، وهو ما لم يتحقق في هذه المواجهة.
ورغم ذلك، ترى الإرياني أن المواجهات عكست حجم التوقعات لدى قطاعات واسعة من اليمنيين، بأن التقدم نحو صنعاء واستعادة مؤسسات الدولة باتا ممكنين، ولو على المستوى المعنوي. لكنها تشدد على أنه من المبكر استخلاص نتائج نهائية من معركة تجري في بيئة شديدة التقلب، حيث تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة.
حسابات إقليمية مفتوحة
وبشأن الموقف السعودي، تقول الإرياني إن حسابات الرياض لا تزال غير واضحة، إذ لم تعطِ إشارة إلى دعم كامل لعملية عسكرية واسعة، مع استمرار تأكيدها أن المسارات الدبلوماسية لا تزال مفتوحة، حتى مع ما وصفته باستفزازات الحوثيين.
لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن السعودية واصلت دعم الحكومة اليمنية بمستوى مرتفع نسبياً، وأنها كانت، على الأرجح، جزءاً من الحسابات التي سبقت قرار الرد العسكري.
وتعتبر أن الحسم في النهاية لا يمكن أن تأتي به أي دولة بالنيابة عن الطرف اليمني، موضحة أن تداخل المصالح الإقليمية والدولية في أمن الملاحة وردع الهجمات العابرة للحدود قد يوفر حلفاء للحكومة، لكنه لا يغني عن إرادة يمنية موحدة لبناء دولة مستقرة.
وتضيف: "لا أحد سيضع كامل ثقله خلف حلقة ضعيفة".
صدام الكمالي
صحافي يمني