Logo

اتفاقية مكة واليمن... هل يكون الحوثيون اختبارها الأول؟

الرأي الثالث 

بدأ ملف اليمن يتصدر أولويات الإقليم بعد توقيع اتفاقية مكة، الجمعة الماضي، بين السعودية وتركيا وباكستان، في ظل تصاعد التهديدات الآتية من البحر الأحمر وباب المندب، واستمرار جماعة الحوثيين في استهداف الملاحة السعودية وإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة الى داخل أراضي المملكة. 

وتبرز الاتفاقية باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية، في ظل تساؤلات بشأن اليمن وهل يكون في مقدمة ساحات اختبار هذا الترتيب الدفاعي الجديد؟

 وتتسارع الأحداث العسكرية والسياسية على وقع تصعيد الحوثيين في اليمن منذ الخميس الماضي، وما تبعه من إعلان الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، السبت الماضي، عن سلسلة عمليات استباقية وضربات ردع استهدفت مواقع وتحصينات للجماعة 

قبل أن تفتح الجماعة، أول من أمس الاثنين، جبهة شبوة في تصعيد إضافي، وكذلك استمرارها في ضرب منشآت نفطية سعودية في جازان.

تغيّر في معادلة الأمن الإقليمي

الباحث السعودي في مركز كارينغي هشام الغنام قال إن اتفاقية مكة يمكن أن تغيّر معادلة الأمن الإقليمي بشكل كبير، 

موضحاً أن أي هجوم على المملكة لن ينظر إليه بعد الآن باعتباره شأناً سعودياً فقط، بل سيستدعي موقفاً من قوة نووية (باكستان) ودولة عضو في حلف "ناتو" (تركيا)، ما يرفع فعلياً كلفة استهداف المملكة. 

والأهم، وفق الغنام، أن هذا التحالف "قد يفتح المجال أمام ظهور قوة إقليمية ثالثة لا تنتمي إلى المحور الإسرائيلي ولا إلى محور إيران، ما قد يعيد تشكيل التحالفات في المنطقة على أساس المصالح الإقليمية بدلاً من الاعتماد الكامل على القوى الخارجية". 

وعن نقاط التقاء التحالف مع الأزمة اليمنية، وإمكانية استفادة الحكومة اليمنية منه، قال الغنام إن اليمن سيكون أحد أهم اختبارات اتفاقية مكة المبكرة 

إذ إن الهجمات التي تستهدف الأراضي أو المنشآت السعودية انطلاقاً من اليمن قد تدخل مباشرة في إطار الالتزامات الأمنية بين الدول الموقعة.
 
والأهم من ذلك، بحسب الغنام، أن اتفاقية مكة يمكن أن تعزز الدعم السياسي للحكومة الشرعية اليمنية، من خلال جمع ثلاث دول ذات وزن إقليمي وإسلامي حول موقف مشترك من خطر توسع الجماعات المسلحة وتهديدها أمن المنطقة. 

وعن إمكانية اتجاه التصعيد في اليمن والسعودية نحو حرب مفتوحة، قال الغنام: "لا أعتقد أن الحرب الشاملة هي الخيار الأول أمام أي من الأطراف في الوقت الحالي" 

مشيراً إلى أن السعودية تبدو أكثر ميلاً إلى الضغط المحسوب والتحرك الدبلوماسي. لكنه أضاف أن استمرار الهجمات على المنشآت والبنية التحتية السعودية من الأراضي اليمنية قد يغيّر الحسابات، 

وفي هذه الحالة يمكن أن تمنح اتفاقية مكة الرياض دعماً سياسياً وعسكرياً أكبر، وتفتح الباب أمام رد أكثر قوة إذا لم تتوقف الهجمات. 

ورجّح أن تشهد المرحلة المقبلة استمرار مزيد من الضغط العسكري المحدود والتحرك الدبلوماسي، مع إبقاء خيار التصعيد قائماً ليكون ورقة ضغط. 

وبمعنى آخر، قد لا تكون المنطقة أمام حرب شاملة قريباً، "لكننا بالتأكيد أمام مرحلة يمكن أن تصبح فيها كلفة التصعيد أعلى على جماعة الحوثي".

بدوره، اعتبر الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية حسام ردمان، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن المناخ الإقليمي يمضي نحو بناء معادلة ردع إقليمية جديدة تستهدف إيران والتمدد الإسرائيلي 

معتبراً أن هذه المعادلة والتحالفات المرتبطة بها ستكون لها، حتماً، تداعيات على الساحة اليمنية. 

وبحسب الباحث اليمني، فإن الرياض ترى اليوم أن بإمكانها ترتيب الساحة الإقليمية بما يمنحها وحلفاءها في الحكومة الشرعية اليمنية أفضلية 

مشيراً إلى أن هذا المسار بدأ بالتحالف الثلاثي، وصولاً إلى "تحالف البحر الأحمر الدفاعي"، الذي أُعلن عنه خلال الفترة الماضية. 

وأضاف أن "هناك نهجاً تراكمياً في بناء القوة جرى خلال الفترة الماضية داخل معسكر السلطة الشرعية، التي أصبحت أكثر تماسكاً في مواجهة الهجمات الحوثية، نتيجة توحيد الجبهات العسكرية وإعادة بناء الهياكل المؤسسية والتنظيمية للقوات الحكومية اليمنية".
 
واعتبر ردمان أن ذلك دفع الحوثيين إلى التصعيد بصورة استباقية، بهدف منع عملية إعادة البناء والهيكلة الجارية داخل القوات المسلحة اليمنية 

 مضيفاً أن الحوثيين اصطدموا بحجم التنسيق القائم بين مختلف القوات والتشكيلات العسكرية التابعة للسلطة الشرعية، وبالإمكانات العسكرية والقتالية التي راكمتها هذه القوات خلال الفترة الماضية. 

وأشار ردمان إلى أن السعودية والحكومة الشرعية، وإن كانتا لا ترغبان في الدخول في مواجهة مفتوحة، فإنهما في الوقت ذاته ظلّتا تستعدان لهذا السيناريو سياسياً وعسكرياً وعملياتياً، معتبراً أن التحالفات المشار إليها تمثل، في الأساس، جزءاً من هذه الاستعدادات.
 
أهمية اتفاقية مكة

في هذا السياق، رأى الخبير في العلاقات العربية التركية أحمد أويصال، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن اتفاقية مكة بين تركيا والسعودية وباكستان "مهمة جداً للحفاظ على موازين القوة في المنطقة، التي تزعزعت بفعل الطموحات الإسرائيلية والإيرانية"، 

واصفاً ما سمّاه "التحالف الجديد" بأنه "مشروع إقليمي ثالث"، ويقوم على شراكات أمنية واستراتيجية تحافظ على مصالح جميع أطرافه. 

وأضاف الخبير التركي أن هذا التحالف، الذي يجمع بين القدرات الاقتصادية السعودية والتكنولوجيا العسكرية التركية، والقوة العسكرية الباكستانية، بما فيها القدرات النوعية النووية، ستكون له انعكاسات إيجابية على مصالح الدول الثلاث، التي يمكن أن تتكامل قدراتها لتوفير قوة ردع كبيرة.

 ورأى أويصال أن هذا التحالف قد يمثل تحولاً مهماً في حاضر المنطقة ومستقبلها، مشيراً إلى أن "السعودية اختارته بديلاً عن مسار الاتفاقيات الإبراهيمية (التطبيع مع إسرائيل)، التي رفضت الانضمام إليها". 

وعن تقاطعات التحالف مع الأزمة اليمنية، قال أويصال إن اليمن "ضحية للأجندات الإيرانية وللمجتمع الدولي، الذي مارس ضغوطاً على الحكومة الشرعية والسعودية للإبقاء على الحوثيين، الذين يرفضهم اليمنيون".

 وأضاف أن "الحوثيين بتوجيهات من إيران يشنون هجمات على السعودية والملاحة الدولية في باب المندب"، معتبراً أن هذا الوضع "غير قابل للاستمرار"، 

ومشيراً إلى إمكانية أن يوفر التحالف دعماً مادياً وعسكرياً مباشراً وغير مباشر للحكومة اليمنية لمساعدتها على استعادة الاستقرار في البلاد.
 
من جانبه، قال المحلل السياسي التركي فراس رضوان أوغلو، إن التحالف مهم جداً من الناحية الجيوسياسية، مشيراً إلى أن انضمام مصر إليه، إذا حصل، سيعزز مكانته، وسيمنحه تأثيراً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وملاحياً كبيراً. 

وأضاف أن الدول الثلاث، إلى جانب مصر، تعد من أكبر دول المنطقة من حيث مقومات القوة المادية، وأنه من أهم ميزات هذا التحالف، بحسب رضوان أوغلو، أنه لن يكون هناك اعتماد كبير على الولايات المتحدة، فضلاً عن قدرته على تحجيم الطموحات الإسرائيلية.

 وتابع: "إذا انضمت دول أخرى، فإنه قد يتحول إلى أهم تحالف في المنطقة، ويؤدي دوراً شبيهاً بدور حلف شمال الأطلسي (ناتو)". 

وأشار رضوان أوغلو إلى أن استمرار الحوثيين في تهديد السعودية والملاحة الدولية سيقود حتماً إلى تحرك لإنهاء هذا التهديد،

 مضيفاً أن من بين أهم أسباب دخول تركيا في هذا التحالف شعورها بخطر حقيقي على اقتصادها، بسبب سعي الحوثيين إلى إعاقة الملاحة في باب المندب. 

واعتبر أن ذلك يشكل خطراً على التجارة التركية أكبر من إغلاق مضيق هرمز. وبناءً على ذلك، رأى أن اتفاقية مكة ستدعم السعودية في إنهاء الخطر الحوثي، 

مشيراً إلى إمكانية استفادة الحكومة اليمنية من هذا التحالف لإنهاء سيطرة الحوثيين وطرد النفوذ الإيراني من اليمن، إلا أن ذلك يتطلب، بحسب قوله، إرادة حقيقية من السلطة الشرعية، إلى جانب استعداد هذه الدول لتقديم الدعم المالي والعسكري اللازم.

ماهر أبو المجد
صحافي وكاتب يمني.