الرد الحكومي على تصعيد الحوثيين... ضربات ردع وناطق عسكري
الرأي الثالث - متابعات
تتسارع الأحداث العسكرية والسياسية على وقع تصعيد الحوثيين، منذ الخميس الماضي، وما تبعه من إعلان الحكومة اليمنية، أول من أمس السبت، عن سلسلة عمليات استباقية وضربات ردع استهدفت مواقع وتحصينات للجماعة الموالية لإيران، في أكثر من جبهة، رداً على هجمات الحوثيين المستمرة التي طاولت مناطق حيوية ومدنية في مأرب وحضرموت، وجبهات أخرى مثل الحُديدة.
ويأتي رد الحكومة ترجمة لاجتماعات مستمرة لمجلس الدفاع الوطني اليمني برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي.
وجاء التصعيد الميداني بالتزامن مع خطوة أعلن عنها وزير الإعلام معمر الإرياني أول من أمس، تمثلت في تعيين العقيد الركن ماجد عبد الله النزيلي متحدثاً رسمياً باسم القوات المسلحة اليمنية خلفاً للعميد عبده مجلي.
ويعد هذا الإجراء محاولة من الحكومة لضبط إيقاع الخطاب الإعلامي العسكري وتوحيد مرجعيته.
ويحمل النزيلي خلفية أكاديمية وعسكرية بارزة، إذ يعد من ضباط القوات الجوية والدفاع الجوي، وحاصل على درجة الماجستير في الدراسات الدفاعية من جامعة "كينغز كوليدج" في لندن عام 2025،
وتخرج من كلية القيادة والأركان للخدمات المشتركة في المملكة المتحدة (JSCSC). كما شغل مناصب قيادية عدة بينها رئاسة شعبة التخطيط والدراسات بدائرة الشؤون الدولية في وزارة الدفاع.
ولا يُعد منصب المتحدث العسكري باسم القوات المسلحة اليمنية حديث العهد، فقد شُغل في محطات سابقة خلال سنوات الحرب، أبرزها مع تعيين العميد عبده مجلي في عام 2017 بقرار من الرئيس الراحل عبد ربه منصور هادي.
غير أن تعيين النزيلي يأتي بوصفه أول تسمية رسمية من نوعها تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي.
وتأتي العمليات الأخيرة التي أعلنتها المؤسسة العسكرية اليمنية والتشكيلات المساندة لها، كـ"المقاومة الوطنية"، في سياق الرد العسكري على تصعيد الحوثيين واعتداءاتهم المتكررة،
لكنها تبقى ضربات للردع حتى الآن كما يبدو. واستهدفت ضربات القوات الحكومية، في الأيام الماضية، مراكز قيادة وسيطرة وتحصينات عسكرية وتجمعات بشرية وآليات تابعة لجماعة الحوثيين، بهدف إحباط أي تحركات هجومية للجماعة وتأمين المواقع الاستراتيجية.
أما على الصعيد الجغرافي، فقد تركزت هذه الضربات في محاور خطوط التماس والجبهات المشتعلة بمحافظة مأرب التي تمثل عمقاً استراتيجياً للحكومة،
فضلاً عن تحركات ميدانية في قطاعات محافظة حضرموت، ومحاور قطاعات مدينة تعز، وجنوب محافظة الحُديدة والساحل الغربي.
وجاء هذا التصعيد، في الساحل الغربي تحديداً، رداً مباشراً على استهداف ميناء المخا بالزوارق المفخخة وتهديد الحوثيين خطوط الملاحة وسلامة المناطق الخاضعة للحكومة.
واستخدمت القوات المسلحة اليمنية أسلحة متنوعة في سياق الرد على هجمات الحوثيين، والتي فرضتها الطبيعة الجغرافية لكل جبهة، إذ استُخدم الطيران المسيّر في استهداف مواقع تابعة للحوثيين في مأرب،
كما نشرت "المقاومة الوطنية" مقاطع على منصة تليغرام، السبت، قالت إنها لقصف بالمدفعية "لمراكز قيادة وسيطرة وتحصينات وتجمعات لمليشيا الحوثي الإرهابية جنوب الحُديدة، رداً على تصعيدها في جبهات مأرب".
يؤكد ذلك ما أعلنته القوات الحكومية قبل أيام عن امتلاكها أنواعاً متعددة من الطيران المسيّر الاستطلاعي والهجومي والانتحاري الحديث.
تصعيد الحوثيين
وأمس الأحد، استهدفت جماعة الحوثيين مدينة المخا الساحلية بمحافظة تعز، التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ما أوقع 11 قتيلاً على الأقل، بعد إعلانها تنفيذ هجوم على منشأة نفطية في جازان السعودية، المطلة على البحر الأحمر.
ووفق الحوثيين، فإن ضرباتهم أمس، استهدفت "تحشيدات العدو السعودي ومخازن أسلحته في المخا" غربي اليمن بالصواريخ الباليستية والمسيّرات، ومصفاة أرامكو في جازان بطائرة مسيّرة "رداً على اختراق العدو السعودي بمسيّراته أجواء محافظتي صعدة وحجة".
في المقابل، يشمل تصعيد الحوثيين الأراضي السعودية، إذ أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى سريع، في بيان أمس على منصة إكس، أن الجماعة نفذت هجوماً بطائرة مسيّرة استهدف مصفاة أرامكو في جازان، جنوب غربي السعودية.
وأول من أمس السبت، استهدفت مدفعية الجيش اليمني مواقع وتجمعات للحوثيين في جبهتي الضباب وغراب غرب مدينة تعز، والصلو جنوباً، ومقبنة بالريف الغربي التي شهدت أيضاً تصدي الدفاعات الجوية لمسيّرات حوثية
بالتزامن مع رصد فرق الاستطلاع إطلاق صواريخ من جبل أومان بالحوبان باتجاه البحر الأحمر.
وكانت قد اتسعت رقعة المواجهات، السبت، لتشمل المعقل الرئيسي للحوثيين شمالاً،
حيث أعلنت القوات الحكومية (ألوية محور الرزامات) تنفيذ عملية عسكرية استباقية تحت اسم "الوعد الحاسم"، استهدفت مواقع وثكنات للجماعة في محافظة صعدة بواسطة الطيران المسيّر والمدفعية.
كما شهدت محافظة مأرب هجوماً للحوثيين، السبت، استهدف محطة وقود بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في محاولة لقطع إمدادات المشتقات النفطية.
وفي اليوم نفسه على الساحل الغربي، واصلت المقاومة الوطنية قصفها المدفعي مستهدفة مراكز قيادة وتحصينات حوثية جنوب الحديدة، رداً على تصعيد طاول مناطق مدنية، أسفر عن إصابة مواطن وزوجته بقصف مسيّرة استهدفت منزلهما في قرية النفْسة بمديرية حيس،
فيما تحدّث مكتب حقوق الإنسان بالمحافظة عن إجبار عشرات الأسر على النزوح من قرى جنوب مدينة الجراحي ومديرية جبل راس، محمّلاً الحوثيين مسؤولية إخلاء منازل وتحويل بعضها إلى مواقع وثكنات عسكرية.
كذلك، استهدف الحوثيون بقذائف الهاون قرى سكنية في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع (تحديداً قرية المعزوب ومنطقة الأبحور)، وسط تصريحات صحافية لمصدر عسكري مسؤول بوزارة الدفاع أكد فيها تنفيذ عمليات دقيقة ضد مصادر النيران على امتداد خطوط التماس.
وفي السياق عينه، أفادت وسائل إعلام تابعة للحوثيين، السبت، بتعرض مناطق الشريط الحدودي في محافظة صعدة إلى قصف مدفعي وغارات لطيران مسيّر استهدفت مديرية غمر الحدودية.
وتزامنت هذه العمليات مع أول ظهور رسمي للمتحدث العسكري ماجد النزيلي الذي أعلن، في بيان نقله التلفزيون الرسمي فجر السبت، تنفيذ القوات المسلحة عملية استهدفت مواقع وقدرات للحوثيين في عدة محاور
رداً على هجمات طاولت مدنيين وعسكريين في مأرب وحضرموت.
وأكد النزيلي أن العملية عكست "وحدة القيادة والسيطرة"، مشدداً على أن أي اعتداء على جبهة سيُقابل برد حازم من كافة الجبهات.
وحمّل النزيلي الجماعة مسؤولية التصعيد، داعياً القبائل والمواطنين إلى مساندة مؤسسات الدولة لمواجهة ممارسات الحوثيين وإنهاء تدهور الاقتصاد.
وتقول جماعة الحوثيين في بياناتها إنها تستهدف في هجماتها في اليمن "تحشيدات سعودية"،
فيما يثير الاكتفاء بالعموميات في بيانات الحكومة، والإشارة المقتضبة إلى "عدة محاور على طول خطوط التماس" من دون الخوض في إحداثيات أو مواقع دقيقة، تساؤلات حول أسباب هذا الغموض.
قد يعود هذا النهج في المقام الأول إلى الضرورة العسكرية والأمنية، وحرمان الحوثيين من معلومات مجانية قد تسهم في إعادة تموضعهم أو تنظيم عمليات استباقية.
إلا أن الجانب الإعلامي والحرب النفسية يلعبان دوراً بارزاً، إذ يُبقي هذا الغموض الخصم في حالة من الضبابية،
كما يعكس في الوقت نفسه طبيعة الاشتباكات التي تندرج تحت ما يسمى "الردود الموضعية" وسجال خطوط التماس، لا عمليات هجومية واسعة النطاق تستهدف إعادة رسم خريطة السيطرة على الأرض.
هل تعود الحرب إلى المربع الأول؟
لكن ماذا بعد هذه الإعلانات والبيانات وسط مؤشرات اقتراب الميدان من العودة إلى المربع الأمني الساخن، خصوصاً مع التحذيرات المتكررة للمبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من انهيار اتفاق التهدئة (2022)؟
في هذا الصدد، رأى المحلل السياسي سعيد عقلان، أن تعيين متحدث رسمي باسم القوات الحكومية "يؤكد إعداداً حقيقياً لمعركة شاملة ضد الحوثيين".
واعتبر أن "اختيار شخصية عالية التأهيل لهذا المنصب يحمل دلالات على أن المتحدث العسكري سيكون معنياً بتوجيه رسائل إلى الخارج قبل الداخل".
سعيد عقلان: الدلالة الأهم لتعيين متحدث عسكري تتمثل في إيصال رسالة مفادها أن التشكيلات العسكرية باتت اليوم، وفي هذه المعركة، تحت قيادة واحدة
وأوضح أن "الدلالة الأهم للتعيين تتمثل في إيصال رسالة مفادها أن التشكيلات العسكرية باتت اليوم، وفي هذه المعركة، تحت قيادة واحدة بعد أن ظلت سنوات مشتتة في تشكيلات متعددة الولاءات".
وقال عقلان إن هذا التعيين يمثل أيضاً "اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسة العسكرية الشرعية على الانتقال من ردة الفعل المتقطعة إلى فرض معادلة ردع ميدانية وسياسية متكاملة، قادرة على إسناد الموقف الحكومي في أي استحقاقات مقبلة".
فخر العزب
صحافي يمني