معركة العَبْر... الحوثيون يحاولون إنقاذ شريان إمدادهم؟
الرأي الثالث
دخلت الأزمة اليمنية، الخميس الماضي، مرحلةً غير مسبوقة من التصعيد العسكري، بعد أن شنّت جماعة الحوثيين هجمات بالصواريخ الباليستية والطيران المسيّر على محافظتي مأرب وحضرموت شرقي البلاد،
استهدفت معسكرات عدّة، من بينها في مناطق العَبْر والرويك والثنية، وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل وجرح عشرات الجنود من أفراد قوات الطوارئ اليمنية .
في المقابل، وردَّاً على هذه الهجمات، أعلنت القوات المسلحة اليمنية التابعة للحكومة، فجر أمس السبت، تنفيذ عملية عسكرية استهدفت مواقع وقدرات عسكرية للحوثيين في محاور عدّة على امتداد خطوط التماس.
وأشار المتحدث باسم القوات المسلحة، ماجد النزيلي، في بيان نقله التلفزيون الرسمي، إلى سقوط قتلى وجرحى من العسكريين والمدنيين جراء هجمات الحوثيين،
وأكد أن أي هجوم على جبهة أو محور سيُعدّ اعتداءً على جميع الجبهات والمحاور التابعة للقوات الحكومية، وأن القوات ستتعامل مع أي هجمات جديدة بإجراءات عسكرية وصفها بـ"الحازمة"، وفق توجيهات القيادة السياسية والعسكرية.
وتحمل هجمات الحوثيين على المحافظات الشرقية، والتي قالت الجماعة الموالية لإيران إنها استهدفت خلالها "تحشيدات سعودية"، دلالات تتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية أو التكتيكية إلى أهداف ذات مؤشرات استراتيجية في سياق المعركة المحتدمة بين الحوثيين والحكومة اليمنية.
وفي هذا السياق، لم يعد التصعيد العسكري للحوثيين باتجاه مديرية العَبْر الصحراوية في محافظة حضرموت مجرد محاولة عبثية لتوسيع رقعة نفوذها الجغرافي، بل بات يمثل استماتةً صريحةً للدفاع عن "شريان الحياة" الأهم للجماعة.
ما أهمية منطقة العَبْر الاستراتيجية؟
منطقة العَبْر تتجاوز كونها مساحةً صحراويةً واسعة، إذ تُعد أبرز البقاع التي تلعب دوراً استراتيجياً في الصراع العسكري وصراع النفوذ والتحكم في شرايين إمداد المحافظات اليمنية، ما يجعل منها العقدةَ الأكثر حساسية في معادلة الحرب.
وتشير المعطيات إلى أن هذا الممر الشرقي القادم من الحدود العُمانية عبر المهرة وحضرموت يغذّي ترسانة الجماعة واقتصاديات حربها بما يقارب 80% من إمدادات السلاح والمخدرات، وفقاً لما قاله مسؤول أمني رفيع في القوات الحكومية .
وبحسب المسؤول الذي اشترط عدم ذكر اسمه فقد كانت تشكيلات عسكرية سابقة في المنطقة العسكرية الأولى (شمال وادي وصحراء محافظة حضرموت، وتشمل مناطق سيئون والقطن وشبام) متورطةً في تسهيل عمليات التهريب للحوثيين.
وأضاف أن ذلك دفع القيادة اليمنية إلى "اتخاذ قرار حاسم بإحلال قوات بديلة في هذه القطاعات الحساسة، حيث نشرت ألوية عسكرية تابعة لقوات الطوارئ وقوات درع الوطن، ما ساهم جذرياً في الحدّ من عمليات التهريب وتضييق الخناق على شبكاتها".
ولفت المسؤول ذاته إلى مفارقة ميدانية بالغة الأهمية، مفادها بأنه "يسود اعتقاد بأن الحوثيين يحصلون على الأسلحة عن طريق البحر، لكن الواقع أن ما يُهرّب براً عبر خط سلطنة عُمان مروراً بالمهرة وحضرموت يفوق بأضعاف ما يُهرّب عبر البحر".
ووسط هذا الواقع، تدرك جماعة الحوثيين أن هذا الطريق الحيوي بات يواجه خطر الانقطاع الوشيك وغير المسبوق عقب هذه التغيرات الميدانية المفصلية، لتجد الجماعة نفسها أمام معركة مصيرية لإنقاذ خطوط إمدادها. تقع مديرية العَبْر في الجزء الشمالي الغربي لمحافظة حضرموت شرقي اليمن،
وتُعد إحدى أهم البقاع الجغرافية الاستراتيجية في البلاد وأكبرها. تبلغ مساحتها الإجمالية نحو 7460 كيلومتراً مربعاً، وتتخذ طابعاً جغرافياً صحراوياً وعراً ومترامي الأطراف، تتخلله الرمال وبعض الممرات والوديان الرابطة بين الصحراء والمدن.
وتحتل المديرية مكانةً جيوسياسيةً وعسكريةً بالغة التعقيد في الخريطة اليمنية، تجعلها أولويةً في حسابات جماعة الحوثيين الاستراتيجية.
فهي تمثل عقدة ارتباط صحراوية حاكمة تلتقي فيها حدود محافظة حضرموت بمحافظتي شبوة ومأرب، وهي المحافظات الثلاث الممثلة لمصدر الثروة النفطية والغازية في البلاد. وتمتد شمالاً لتلامس الحدود السعودية، حيث يمرّ عبرها الخطّ الدولي الحيوي الواصل بين البلدين.
يجعل هذا الموقع المترامي من منطقة العَبْر الممرَّ الأبرز لشبكات التهريب، إذ ينطلق خط الإمداد الاستراتيجي للجماعة من المنافذ والحدود العُمانية، مروراً بمحافظة المهرة الشاسعة (ثاني أكبر المحافظات اليمنية من حيث المساحة)
ليخترق صحراء حضرموت التي تزيد مساحتها عن ثلث مساحة اليمن، وتحديداً عبر العَبْر، وصولاً إلى معاقل الحوثيين في الداخل.
ولا تقتصر أهمية هذا الشريان على البعد العسكري، بل تمتدّ لتشكّل العمود الفقري لاقتصاديات الحرب بالنسبة للحوثيين، إذ تعتمد الجماعة على تجارة الممنوعات وتهريب السلاح لتمويل عملياتها العسكرية وشراء الولاءات وتعويض ما تفقده من ترسانتها، ما يجعل من إبقائه مفتوحاً مسألةً وجوديةً لها.
وتكتسب العَبْر أهميتها أيضاً من كونها حاضنةً لقطاعات عسكرية بالغة الحساسية، وتحديداً اللواء 23 مشاة ميكا الذي يتبع تاريخياً قوام المنطقة العسكرية الأولى، بالإضافة إلى نقاط ومحاور التأمين الاستراتيجي على الخط الدولي الصحراوي.
ونظراً إلى موقعها الذي يربط خطوط التهريب القادمة من الحدود العُمانية، فقد شهدت المنطقة أخيراً تحوّلات ميدانية بارزة، تتمثّل في إعادة التموضع ونشر تشكيلات من "قوات درع الوطن" و"قوات الطوارئ" لتعزيز القبضة الأمنية والعسكرية في هذا الممر.
وهذه القوات أُنشئت حديثاً بدعم وتسليح سعودي، وتتبع مباشرةً إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، لتتولّى المسؤولية الأمنية بديلاً أو إلى جانب القوات التابعة للمنطقة العسكرية الأولى.
مأزق الحوثيين
بالتالي لم يأتِ التخوّف الحوثي من فراغ، بل جاء نتيجة تحوّل ميداني جذري وعميق أعاد رسم الخريطة الأمنية والعسكرية في تلك القطاعات الصحراوية الحسّاسة، كما ضيّق الخناق تدريجياً على قنوات الإمداد غير النظامية، وحوّلها إلى طرقٍ بالغة الكلفة وعالية المخاطر بالنسبة للجماعة.
وتشكّل الهجمات الأخيرة التي نفّذتها الجماعة باتجاه تخوم العَبْر والمناطق المحيطة رسائلَ بالنار تلخّص مأزقاً استراتيجياً متفاقماً. فهذه التحركات تتأرجح بين كونها محاولةً لكسر الطوق المفروض في المنطقة، وبين كونها استراتيجيةً استباقيةً تستهدف فرض معادلة ردع جديدة تمنع تثبيت أقدام القوات التابعة للحكومة المنتشرة حديثاً قبل إحكام قبضتها بالكامل.
علماً أن هذا التصعيد لا ينفصل عن السياق الإقليمي الأوسع للضغط على الخاصرة الشرقية لليمن واستعراض القوة على الحدود السعودية. وأمام هذا التصعيد، تقف محافظة حضرموت عند مفترق طرق، وسط إجماع الشعبي ورسمي رافضٍ تحويل المحافظة إلى ساحة صراع أو ممرّ مستباح لمشروع الجماعة.
وفي هذا السياق، تحضر ضرورة ردم الفجوات التنموية وتفعيل حضور مؤسسات الدولة في المحافظة، لقطع الطريق أمام محاولات الحوثيين اختراق الجبهة الشرقية أو استغلال هشاشتها الجغرافية.
في هذا الصدد رأى المحلل العسكري اليمني أحمد المليكي أن منطقة العَبْر تحظى بأهمية عسكرية ولوجستية، لكونها "تربط بين محافظات شبوة ومأرب وحضرموت، فضلاً عن قربها الاستراتيجي من الحدود السعودية، ما يجعلها بمثابة البوابة الحيوية لأهم ثلاث محافظات يمنية".
وفي رأيه فإن "الهجمات التي تستهدف العَبْر تحمل رسالة تهديد مباشرة لكل من الحكومة المعترف بها دولياً والسعودية".
كذلك أشار المليكي إلى أن "الصحراء الشرقية ظلّت لفترات طويلة تمثل متنفساً آمناً للجماعة تمارس من خلاله عمليات التهريب بأريحية تامّة"، مستفيدةً من تعاون "قيادات عسكرية محسوبة على المنطقة العسكرية الأولى التي لم يُسجّل لها أي احتكاك حقيقي مع الحوثيين طوال السنوات الماضية، رغم ضخامة قوتها العددية وتسليحها".
واعتبر أن "إحلال قوات درع الوطن والطوارئ في هذه المناطق الحيوية قد نجح فعلياً في تضييق الخناق على المليشيا".
بدوره، قال الصحافي اليمني عبد الجبار الجريري، إن "الاتهامات الحكومية الموجهة لمليشيا الحوثي تتلخص في اعتمادها على شبكات تهريب تنشط بنقل السلاح من سواحل محافظة المهرة، مروراً بمنطقة العَبْر وصولاً إلى محافظة الجوف".
وفي رأيه فإن "التصعيد الأخير للمليشيا يعكس بصورة واضحة مدى تخوّفها من إغلاق منافذ ومنابع التهريب في العَبْر"، مشدداً على أن هجماتها وتحركاتها "ستدفع الجميع، وفي مقدمتهم أبناء حضرموت، للوقوف بجدية تامة وحزم ضد هذه الممارسات الخطيرة".
فخر العزب
صحافي يمني