دعوة يمنية إلى تحالف إقليمي - دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر
الرأي الثالث - متابعات
أثارت الأنباء بشأن توجه جماعة الحوثيين نحو فرض رسوم على السفن التجارية المارة في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مخاوف من بلوغ التوتر في المنطقة مستوى غير مسبوق، يمسّ أحد أهم شرايين التجارة عالمياً.
وعلى الرغم من نفي عضو المكتب السياسي للحوثيين، حزام الأسد، وجود أي توجه لفرض هذه الرسوم، فإن تداول الفكرة، مع إعلان الحوثيين فرض حصار على الملاحة البحرية للسعودية، يُبقي المخاوف قائمة بشأن أمن الملاحة وإمكان استخدام المضيق ورقةً للضغط والتصعيد،
ليبرز سؤال بشأن قدرة الحوثيين اللوجستية والعسكرية والعملياتية اللازمة للسيطرة على حركة الملاحة وفرض رسوم عبور في مضيق باب المندب.
وكانت وكالة "رويترز" نقلت أمس الأربعاء عن مصادر إقليمية مطلعة، قولهم إن جماعة الحوثيين في اليمن تدرس فرض رسوم على السفن التجارية المبحرة عبر جنوب البحر الأحمر، بعد أسبوع من إعلانها فرض حصار بحري على السعودية،
لكن عضو المكتب السياسي للحوثيين، حزام الأسد، مؤكداً أن عملياتهم في البحر الأحمر "محصورة في حظر الملاحة السعودية فقط"، وفق قوله.
دعوة يمنية إلى تحالف إقليمي - دولي
نائب وزير الخارجية اليمني، مصطفى نعمان، دعا إلى إنشاء تحالف إقليمي - دولي لضمان الحركة عبر باب المندب، لافتاً إلى أن "البحر الأحمر وباب المندب ليسا شأناً يمنياً صرفاً".
وأوضح: "صحيح أن جزءاً من البحر الأحمر هو ضمن السيادة اليمنية (الجزء الأكبر منه يسيطر الحوثيون عليه)، أما باب المندب فهو ضمن الجغرافيا اليمنية ومن هنا يجب إنشاء التحالف لضمان الحركة فيه".
وأضاف نعمان أن "التهديدات الحوثية ليست جديدة ولا مستغربة، وخصوصاً إغلاق الملاحة في البحر الأحمر وصولاً إلى التفكير في فرض رسوم على السفن التي تعبر باب المندب"، لافتاً إلى أن جماعة الحوثيين بذلك "تستنسخ النموذج الإيراني في مضيق هرمز".
وبحسب نائب وزير الخارجية ، فإن "الفارق الحاسم هنا هو أن القدرات البحرية لدى الحوثيين ضعيفة ولا تمكنّهم من السيطرة على باب المندب، لكنها تستطيع بما يمتلكون من مسيّرات وصواريخ، أن تشكل تهديداً للعبور منه في الاتجاهين،
ما يجعل الأمر مخاطرة ستؤدي إلى رفع أسعار التأمين أو تجنب المضيق كلية واستخدام البديل الآمن وأقصد رأس الرجاء الصالح، وهذا سيضاعف من أسعار البضائع والمواد البترولية".
ووفق نعمان، فإن هذا الأمر "يجب أن يتعامل معه الإقليم والمجتمع الدولي بجدية وصرامة لأن آثاره على حركة الملاحة وتالياً الملاحة الدولية ستكون كبيرة جداً".
ورداً على سؤال بشأن خيارات الحكومة اليمنية للتعامل مع تهديد كهذا، قال نعمان إن "جزءاً من البحر الأحمر إلى مضيق باب المندب تُسيطر عليه القوات الحكومية وهذا سيمثل العمود الفقري لأي تحالف قد ينشأ لحمايته،
لكن الأمر ليس قضية محلية تتعلق بالحكومة اليمنية فقط فهو أيضاً شأن دولي وإقليمي يحتاج إلى إمكانات وقدرات بحرية لا تمتلكها الحكومة في الوقت الحالي".
ومنذ أواخر عام 2023، شنّ الحوثيون عشرات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة على سفن قالوا إنها مرتبطة بإسرائيل أو الولايات المتحدة وبريطانيا، ضمن ما سموه "إسناد غزة"
ما دفع عدداً من شركات الشحن العالمية إلى تغيير مسارات سفنها بعيداً عن البحر الأحمر واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي زاد كلفة النقل وأطال زمن الرحلات التجارية.
وكانت وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة، قد حذّرت، يوم الاثنين الماضي، من سعي الحوثيين إلى فرض نموذج مشابه لما تصفه بـ"النموذج الإيراني في مضيق هرمز" على مضيق باب المندب،
مشيرة في حديث إلى الصحافيين في السفارة اليمنية بالرياض، إلى أن الجماعة المتحالفة مع إيران استمدت جرأتها من ردة فعل دولية "تفتقر إلى الجدية الكافية" تجاه الهجمات التي استهدفت الملاحة التجارية خلال السنوات الماضية.
النفط السعودي أكبر المتأثرين
ويربط مضيق باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن، وهو طريق رئيسي لشحنات النفط الخام والوقود بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا.
وقد غيّرت سفن عديدة بالفعل مسارها لتدور حول أفريقيا منذ بدء هجمات الحوثيين على السفن المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة "إسناداً لغزة" بحسب ما قالت الجماعة في عام 2023، ما زاد تكاليف التجارة العالمية وأبطأ حركتها.
وسيكون للإغلاق الكامل للمضيق وفرض رسوم عبور فيه، أكبر تأثير فوري على صادرات النفط الخام السعودية من ميناء ينبع على البحر الأحمر.
ونقلت وكالة رويترز عن مدير أبحاث السلع في شركة "كبلر"، مات سميث، قوله إن مصافي التكرير الآسيوية التي تستقبل تلك البراميل قد تواجه تأخيرات تبلغ نحو شهر، مع اضطرار الناقلات إلى الإبحار حول رأس الرجاء الصالح.
وأضاف: "سيكون التأثير هائلاً في الشهر الأول، وسيكون الأكبر على تدفقات النفط السعودي".
رفع تكلفة مرور السفن
ورأى الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، عادل دشيلة، أن "الحوثيين ليسوا دولة ليقوموا بفرض رسوم في باب المندب على غرار ما تفعل إيران في مضيق هرمز، فهم جماعة ما دون الدولة، ولا تستند إلى أي شرعية قانونية، أو سياسية، وإنما لشرعية السلاح"،
لافتاً إلى أن الجماعة "قد تستطيع فرض بعض الرسوم على بعض الشركات، من باب الابتزاز".
لكن دشيلة، وهو وزميل غير مقيم في المعهد الفنلندي لشؤون الشرق الأوسط، اعتبر أن الجماعة لا تمتلك قوات بحرية كبيرة تستطيع أن تتواجد بشكل دائم في المياه الإقليمية الدولية،
إضافة إلى تواجد قوات تابعة للحكومة اليمنية في باب المندب، وبالتالي فإن الحوثيين لا يستطيعون الوصول إلى تلك المناطق التابعة للحكومة الشرعية، وفرض رؤيتهم الاستراتيجية عبر رسوم العبور
لكن لديهم صواريخ مضادة للسفن ومسيّرات وزوارق بحرية مفخخة وبعض الدول تزودهم ببعض البيانات البحرية والسفن، لذلك يستطيعون انتقاء السفن وضربها.
وأوضح الباحث اليمني أنه "في المحصلة ما يقوم به الحوثيون سينتج منه رفع التكلفة في مرور السفن وبالتالي تغيير مسارها كما حصل في الفترات السابقة إلى رأس الرجاء الصالح، وهذا سيكون عبئاً على النظام الاقتصادي العالمي".
خيارات القاهرة في باب المندب
من جهته، رأى الباحث المصري في مركز الدراسات العربية الأوراسية، أحمد دهشان، أن "ما حدث من تصعيد في البحر الأحمر، لم يكن مفاجئاً للجانب المصري،
وهناك خطط للتعامل مع هذا الأمر لأنه ليس بجديد، حيث نتذكر ما حصل بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة بعد عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقيام الحوثيين بإيقاف الملاحة للسفن الغربية والمرتبطة بإسرائيل،
وحصلت الكثير من المشكلات التي أدت إلى خسائر اقتصادية، لكن الجانب المصري تعامل معها في ذلك الوقت بهدوء ولم يتدخل بشكل عسكري، وتحمل الخسائر الاقتصادية رغم أنه كانت هناك حالة تحريض كبيرة جداً تدعوه للتدخل تحت زعم مصلحته".
وحول الحسابات المصرية في التعامل مع تطورات البحر الأحمر، قال دهشان إنه "يمكن قراءة الحسابات المصرية في إطار أن هناك خسائر تكتيكية وقتية وهذا واقع من خلال تراجع أرقام إيرادات قناة السويس،
لكن على المستوى الاستراتيجي فإن صانع القرار المصري ينظر إلى أن ما فعله الحوثيون أثناء الحرب على غزة كان وسيلة من وسائل الضغط،
ويستطيع الجانب المصري أيضاً من خلالها التأكيد على وجهة نظره الدائمة بأن عملية التطبيع العربي الإسرائيلي لا يمكن أن تُغني عن حل المشكلة الفلسطينية كما جرى تسويق الأمر"،
متسائلاً عن "أي مشاريع اقتصادية ستكون إسرائيل طرفاً فيها؟". ولفت إلى أن "تخيل أن ما يسمى السلام الاقتصادي على أنه قادر على إنهاء القضية الفلسطينية هو محض وهم وخيال والدليل ما يحدث في البحر الأحمر من قبل الحوثيين".
أحمد دهشان: مصر لن تدخل في صراع ضد الحوثيين ولكن قد تشارك ضمن قوة لحفظ حركة الملاحة أو قوة مهام دولية
أما بشأن خيارات القاهرة، فاستبعد دهشان "أن يدخل الجانب المصري في صراع ضد الحوثيين ولكن قد يشارك ضمن قوة لحفظ حركة الملاحة أو قوة مهام دولية، ولا يتوقع أن يذهب أبعد من ذلك،
إلا إذا تعرض لهجوم مباشر، لأن المحددات المصرية ثابتة في عدم التدخل في أي حرب تكون فيها إسرائيل طرفاً، أو التدخل في أي معركة دون غطاء دولي".
وختم بقوله: "أظن أن القاهرة ستراقب وستسعى إلى حل الأمر بالطرق الدبلوماسية وبالتفاوض، وربما هناك قناة اتصال مع الحوثيين عن طريق سلطنة عمان أو عبر التواصل المباشر مع إيران وستسعى لتخفيف وطأة الخسائر،
لكن لا يتوقع أن تدخل في حرب مباشرة وستتحمل الخسائر الاقتصادية ما وسعها ذلك".
يذكر أن مجلس الوزراء المصري، أعلن اليوم الخميس، أسباب الحريق الذي اندلع أمس الأربعاء على سفينتي شحن وتسييل الغاز بميناء دمياط شمالي البلاد، حيث "تبين أنه ناتج من طائرة مسيّرة" لم يحدّد مصدرها.
صدام الكمالي
صحافي يمني