تصعيد الحرب في اليمن: قرار إيراني أم حسابات حوثية؟
الرأي الثالث
يدخل اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، لكنها هذه المرة أكثر تعقيداً وترابطاً مع ملفات الصراع الإقليمية القائمة.
تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر واستهداف الملاحة النفطية السعودية لا يبدو امتداداً للحرب الحوثية ـ السعودية فقط، كما تسعى الجماعة إلى تصويره تحت شعار "الحصار بالحصار"، بل يمثل فصلاً من فصول الحرب الإقليمية، التي دشنتها جولات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية الإيرانية.
ولا يرتبط اتجاه الحوثيين إلى استهداف الملاحة السعودية في البحر الأحمر فقط بطبيعة إدارة الحرب والسلام في اليمن، بقدر ما يعكس قراراً إيرانياً بتفعيل الورقة الحوثية في اليمن ضمن معركة المضائق، رداً على استمرار الغارات الأميركية على إيران وسعياً لتوسيع مسرح العمليات العسكرية.
هل دخل الحوثيون فعلياً على خط المواجهة الإقليمية دون رجعة؟ وهل يعني ذلك انتهاء الهدنة في اليمن؟
خلال السنوات الأربع الماضية، طغت في اليمن حالة من "اللا حرب واللا سلم"، وسعت الرياض إلى احتواء الخطر الحوثي وإعادة صياغة منظومة العلاقات مع إيران، خصوصاً من خلال الوساطة الصينية وخلق حالة من التعايش مع المهددات الأمنية والجيوسياسية،
لكن الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، واستهداف طهران دولاً خليجية، قادا إلى نسف نمط العلاقات الذي ساد خلال السنوات الماضية، وفتحا المنطقة على سيناريو الحرب الشاملة.
اليمن ونهاية الهدنة؟
في السياق، يرى الباحث السياسي عدنان الجبرني؛ المتخصص في شؤون جماعة الحوثيين، أن جماعة أنصار الله (الحوثيين) ترى في اللحظة الإقليمية الراهنة فرصة لإعادة إنتاج نفسها قوةً إقليمية، ضمن استراتيجية التمكين التي تحكم الذهنية الأيديولوجية الحوثية.
ويضيف الجبرني أن الغارات التي نفذتها السعودية في الحديدة، وإن كانت في الأساس رداً على استهداف الحوثيين ناقلات النفط السعودية، تمثل إعلاناً لوفاة الهدنة القائمة في اليمن، بالنظر إلى رغبة الحوثيين في تسلّق سلم التصعيد وانتظار مثل هذه الهجمات للانتقال إلى مرحلة جديدة منه.
وبحسب الجبرني قد تكون المنشآت الحيوية المدنية هدفاً للتصعيد الحوثي المقبل، خصوصاً أن الرد الحوثي على استهداف مدرج مطار صنعاء ومنع طائرة إيرانية تابعة لشركة "ماهان" من الهبوط فيه، في 13 يوليو/تموز الحالي، كان يستهدف منشآت حيوية في الداخل السعودي،
قبل أن تتغير طبيعة الرد في اللحظات الأخيرة باتجاه البحر ومضيق باب المندب، بطلب إيراني. وبمعنى آخر، فإن محفزات الحرب موجودة في الأساس لدى صنعاء، لكن ضبط إيقاع المواجهة يتم من طهران، وفق تقدير الجبرني.
وبالتالي يُتوقع أن يدخل الحوثيون مرحلة جديدة من التصعيد، مدفوعين بأزمتهم الداخلية و"غرور القوة"، لكنه يرى أنهم هذه المرة يتجهون نحو مقامرة مكلفة وغير مضمونة العواقب.
من جهته، يرى الصحافي محمد القاضي، أن تصعيد الحوثيين باستهداف الملاحة السعودية يمثل قراراً إيرانياً، هدفه الأساسي رفع كلفة الحرب الأميركية على طهران وتحميل العالم أعباء هذه الحرب، من خلال إعاقة الملاحة البحرية في مضيقي هرمز وباب المندب، والضغط على واشنطن للعودة إلى طاولة المفاوضات.
ويضيف القاضي أن دخول الحوثيين على خط المواجهة سيمثل أيضاً توسيعاً لمسرح العمليات، وهو ما من شأنه تخفيف الضغط عن طهران، خصوصاً إذا سعت الولايات المتحدة، كما صرّح الرئيس دونالد ترامب، إلى شن حملة عسكرية على الحوثيين.
وبحسب القاضي فإن هذه الاستراتيجية قد تنقلب على إيران في مرحلة لاحقة، إذ قد يؤدي التصعيد الحوثي إلى الضغط على الدول الإقليمية التي سعت خلال فترة الحرب إلى إخراج إيران من مأزقها والدفع نحو تسوية سياسية، وهو ما تحقق بالفعل في مرحلة سابقة.
ويضيف أن انتقال الحوثيين في تصعيدهم إلى استهداف ميناء ينبع على البحر الأحمر سيكون بمثابة إعلان حرب إيرانية مباشرة على دول الخليج، نظراً إلى أن الميناء بات شرياناً اقتصادياً رئيسياً لدول الخليج. ومن شأن استهدافه إعادة صياغة العلاقات داخل المنظومة الخليجية، وموقفها من الحرب على إيران، وفق قوله.
السعودية لم تصعّد بشكل شامل
وحول بيان التحالف العربي والغارات السعودية التي استهدفت مواقع للحوثيين في مناطق متفرقة من محافظة الحديدة، يقول الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية حسام ردمان إن الرد السعودي، حتى الآن، لا يمثل تصعيداً شاملاً، وإنما يحمل رسالة مفادها بأن الرياض لن تسمح بتجاوز خطوطها الحمراء في اليمن.
ويشير ردمان إلى أن "الدليل على ذلك يتمثل في اقتصار الاستهداف على مصادر النيران، من دون الانتقال إلى ضرب منشآت أو بنى تحتية تابعة للجماعة
مضيفاً أن السعودية لا تزال تتحاشى، حتى الآن، الدخول في مواجهة شاملة في اليمن والمنطقة، وتمارس ضغوطاً متعددة لثني إيران عن التصعيد انطلاقاً من اليمن".
في ظل هذه التطورات، فإن السعودية، إذا ما أُجبرت على الدخول في مواجهة، قد تخوضها ضمن إطار إقليمي أوسع، وربما في سياق التنسيق الرباعي الذي تشكّل خلال جولات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، والمتمثل في باكستان ومصر وتركيا والسعودية، وفق قوله.
ويضيف: قد يتحول هذا الجهد الرباعي، الذي عمل خلال الفترة الماضية على تخفيف حدة التصعيد ضد إيران، إلى طرف مقابل لطهران، خصوصاً إذا حصلت هذه الدول على ضمانات أميركية بأن نتيجة الحرب لن تصب في ترسيخ الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.
ومن هذا المنطلق، قد تصبح اليمن إحدى الساحات المهمة لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة، خصوصاً إذا اندفع الحوثيون نحو تصعيد متهور يوسع نطاق المواجهة، ويحوّل اليمن مجدداً إلى ساحة مركزية في الصراع الإقليمي.
ماهر أبو المجد
صحافي وكاتب يمني