بعد تهديد الحوثيين.. هل يعود البحر الأحمر إلى دائرة الخطر؟
الرأي الثالث
أعاد إعلان الحوثيين حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر ملف أمن الممرات البحرية إلى واجهة الأحداث الإقليمية، بعد أشهر من تراجع نسبي في الهجمات التي استهدفت السفن التجارية والعسكرية، في واحد من أهم الممرات التي تربط التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس وباب المندب.
وجاء الإعلان الحوثي في 9 يونيو 2026، بعد ساعات من إعلان "إسرائيل" رصد صاروخ أُطلق من اليمن وتفعيل صفارات الإنذار في عدد من المناطق، وهو ما مثل أول عملية تعلنها الجماعة منذ انتهاء جولة المواجهة السابقة بين إيران و"إسرائيل"، الأمر الذي أعاد البحر الأحمر إلى دائرة المتابعة الدولية باعتباره إحدى الساحات المرتبطة بالتوترات الإقليمية، قبل أن تعلن طهران وقف الهجمات ما لم تعاود تل أبيب استهداف لبنان.
ويأتي هذا التطور بالتزامن مع تصعيد عسكري جديد شهدته المنطقة في 8 يونيو، بعد تبادل ضربات بين إيران و"إسرائيل"، وهو تصعيد أعاد الاهتمام بالممرات البحرية الحيوية في الشرق الأوسط، خصوصاً مع ارتباط البحر الأحمر وباب المندب خلال السنوات الماضية بملفات الطاقة والتجارة الدولية والتحركات العسكرية المرتبطة بالأزمات الإقليمية المتعاقبة.
ماذا أعلن الحوثيون؟
أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثي يحيى سريع حظر الملاحة الإسرائيلية بشكل كامل في البحر الأحمر، مؤكداً أن أي تحركات إسرائيلية ستُعتبر أهدافاً عسكرية، كما أشار إلى أن القرار يأتي ضمن ما وصفه بمواصلة العمليات المرتبطة بالصراع الدائر في المنطقة.
ويعد هذا الإعلان أول موقف عسكري بحري معلن من الحوثيين منذ دخول التهدئة الأخيرة حيز التنفيذ بين إيران و"إسرائيل"، كما أنه جاء بعد فترة شهدت انخفاضاً في وتيرة الهجمات البحرية مقارنة بما كان عليه الوضع خلال عامي 2024 و2025، عندما تحولت منطقة البحر الأحمر إلى واحدة من أكثر الممرات البحرية تعرضاً للتهديدات الأمنية.
وخلال الفترة الممتدة من أواخر 2023، تبنت الجماعة عشرات العمليات ضد سفن تجارية وعسكرية قالت إنها مرتبطة بـ"إسرائيل" أو متجهة إلى موانئها، كما أعلنت استخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيرة وزوارق بحرية في تنفيذ عدد من العمليات التي استهدفت الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن ومحيط باب المندب.
وأدت تلك العمليات خلال ذروة الأزمة إلى تغيير مسارات عدد من شركات الشحن العالمية ورفع تكاليف التأمين البحري على السفن العابرة للمنطقة، كما دفعت قوى دولية إلى تعزيز انتشارها العسكري في البحر الأحمر بهدف حماية الملاحة التجارية وتأمين حركة السفن التي تمر عبر واحد من أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.
تبادل الضربات
جاء إعلان الحوثيين حظر الملاحة الإسرائيلية بعد أقل من 24 ساعة من تصعيد عسكري جديد بين إيران و"إسرائيل"، في 8 يونيو 2026، حيث تبادل الجانبان ضربات استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت حيوية، في تطور أعاد التوتر إلى المنطقة بعد أسابيع من الهدوء النسبي الذي أعقب اتفاق وقف إطلاق النار السابق.
وكانت المواجهة الإيرانية الإسرائيلية، التي اندلعت في 28 فبراير 2026، قد دفعت المنطقة إلى واحدة من أخطر مراحل التصعيد العسكري خلال السنوات الأخيرة، إذ شهدت هجمات صاروخية متبادلة وتهديدات للممرات البحرية الحيوية، كما رافقتها مخاوف دولية من اتساع نطاق الحرب لتشمل دولاً وممرات استراتيجية أخرى في الشرق الأوسط.
وخلال هذه الأزمة المستمرة برزت باكستان كوسيط رئيسي بين طهران وواشنطن، حيث استضافت قنوات اتصال غير مباشرة ونقلت مقترحات متبادلة بين الطرفين، كما أدت دوراً في المباحثات التي سبقت التهدئة المؤقتة التي أوقفت المواجهة العسكرية المفتوحة، خلال الشهرين الماضيين.
وتعيد الهجمات الأخيرة وعودة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر الربط مجدداً بين الملف البحري والتطورات العسكرية المرتبطة بإيران، خصوصاً أن الجماعة كانت قد خففت من عملياتها خلال فترة الهدنة الأخيرة، قبل أن تعود إلى الواجهة عقب تجدد التصعيد بين طهران و"إسرائيل".
البحر الأحمر.. ساحة توتر
تحول البحر الأحمر، منذ أواخر عام 2023، إلى إحدى أكثر الساحات البحرية توتراً في العالم بعد بدء استهداف السفن التجارية والعسكرية العابرة للممرات البحرية الدولية، الأمر الذي دفع عديداً من الحكومات وشركات الشحن إلى إعادة تقييم المخاطر الأمنية المرتبطة بالمنطقة التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية المنقولة بحراً بين آسيا وأوروبا.
وخلال عامي 2024 و2025، سجلت الهيئات البحرية الدولية عشرات الحوادث المرتبطة بالهجمات على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، كما تعرضت سفن تجارية لهجمات بصواريخ وطائرات مسيرة وزوارق بحرية في عمليات أدت إلى أضرار مباشرة في بعض السفن وتعطيل حركة الملاحة في عدد من الفترات.
وأجبرت التهديدات الأمنية المتصاعدة شركات شحن عالمية كبرى على تحويل مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس نحو طريق رأس الرجاء الصالح جنوب أفريقيا، وهو ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات البحرية بمسافات طويلة وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والشحن على مستوى الأسواق العالمية.
كما دفعت التطورات الأمنية عدداً من الدول إلى إصدار تحذيرات دورية لسفنها التجارية أثناء العبور في المنطقة، فيما رفعت شركات التأمين البحري رسوم المخاطر على السفن المتجهة نحو البحر الأحمر نتيجة استمرار التهديدات الأمنية المرتبطة بالملاحة الدولية.
باب المندب في قلب الأزمة
يعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم؛ نظراً لكونه يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، كما يمثل البوابة الجنوبية لقناة السويس التي تعد أحد أهم خطوط التجارة الدولية بين الشرق والغرب، الأمر الذي يجعل أي اضطراب فيه محل اهتمام عالمي واسع.
وتمر عبر المضيق سنوياً آلاف السفن التجارية وناقلات النفط والغاز القادمة من الخليج والمتجهة نحو أوروبا والأسواق العالمية، كما يشكل أحد أهم نقاط الاختناق البحرية التي تعتمد عليها التجارة الدولية لنقل السلع والطاقة والمواد الخام بين القارات المختلفة.
وخلال السنوات الماضية، ارتبط اسم باب المندب بشكل متكرر بالتصعيدات العسكرية في المنطقة، سواء من خلال الهجمات البحرية أو التهديدات المرتبطة بإمكانية تعطيل الملاحة، وهو ما دفع القوى الدولية إلى تكثيف وجودها العسكري والبحري في محيط المضيق وخليج عدن.
وعقب الهجوم الإسرائيلي على ضاحية بيروت، 8 يونيو، قال علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية: إن "حماقة الكيان الصهيوني في بيروت وانتهاكه لوقف إطلاق النار فعلت الحلقة الأولى من ردنا"
مضيفاً أن "الأمن الذي يتمتع به باب المندب اليوم لا ينبغي أن يدفع العدو إلى الخطأ في الحسابات"، وأشار إلى أن المقاومة تمتلك القدرة على إغلاق مضيق هرمز ومضيق باب المندب.
ورغم وقف الهجمات بين إيران و"إسرائيل" فإن عودتها المحتملة قد تجعل من البحر الأحمر ساحة استهداف مباشرة ومنطقة توتر.
مخاطر لم تتراجع
الباحث المختص في شؤون الشرق الأوسط فارس النجار يقول إن عودة التهديدات في البحر الأحمر لا ترتبط فقط بإعلان الحوثيين الأخير، بل بالسياق الإقليمي الأوسع الذي أعاد ملف الممرات البحرية إلى الواجهة بعد التصعيد بين إيران و"إسرائيل".
ويوضح بقوله:
- البحر الأحمر وباب المندب تحولا، خلال السنوات الماضية، من ممرين تجاريين إلى جزء من معادلات الأمن الإقليمي، وأي تطور عسكري كبير في المنطقة ينعكس بصورة مباشرة على حركة الملاحة فيهما.
- ما نشهده اليوم لا يعني بالضرورة عودة فورية إلى مستوى التصعيد الذي شهدته المنطقة في 2024 و2025، لكنه يعكس أن المخاطر التي تراجعت خلال الأشهر الماضية لم تختفِ بشكل كامل.
- الممرات البحرية ما تزال مرتبطة بالتطورات العسكرية والسياسية في المنطقة، وأي تصعيد جديد قد يدفع الأطراف المختلفة إلى إعادة استخدام أوراق الضغط المرتبطة بالملاحة والطاقة.
- خلال الحرب الأخيرة برزت المخاوف من تأثير المواجهة على مضيق هرمز وباب المندب معاً؛ لأن الممرين يشكلان شريانين رئيسيين للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة،
ولذلك فإن عودة الحديث عن حظر الملاحة في البحر الأحمر تعيد هذه المخاوف إلى الواجهة مجدداً وتدفع شركات الشحن والدول المعنية بأمن الممرات البحرية إلى متابعة التطورات بصورة دقيقة.
- من المبكر الحديث عن أزمة ملاحة عالمية جديدة، لكن المؤكد أن أي تهديد مستمر في البحر الأحمر ستكون له انعكاسات تتجاوز اليمن والمنطقة المباشرة؛ لأن أهمية باب المندب لا ترتبط بدولة واحدة بل بمنظومة تجارة دولية تعتمد على استمرار حركة السفن بين آسيا وأوروبا دون تعطيل أو مخاطر أمنية مرتفعة.