أرض الصومال في ذكرى انفصاله الـ35... أكثر عزلة والتصاقاً بإسرائيل
الرأي الثالث - وكالات
اختار إقليم أرض الصومال (صوماليلاند) تزامن احتفالاته بمناسبة ذكرى مرور 35 عاماً على إعلانه الانفصال عن الصومال،
في خطوة لا تزال غير معترف بها من مقديشو أو أي دولة في العالم، باستثناء اعتراف إسرائيل بالإقليم "دولة" في 26 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بالإعلان عن عزمه فتح سفارة في القدس المحتلة، ما يزيد من ارتهانه لإسرائيل، ويضع الإقليم في مأزق خطير يهدد استقراره السياسي والأمني، فضلاً عن تراجع حضور قضيته في المشهدين العربي والإقليمي.
وبعد ساعات من تسليم أوراق اعتماده سفيراً لأرض الصومال للرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ في القدس، أول من أمس الاثنين، كتب محمد حاجي، على منصة إكس أمس الثلاثاء: "يسعدني أن أعلن أن سفارة جمهورية أرض الصومال ستُقام في القدس".
وأضاف أنه "سيتم افتتاح السفارة قريباً، بينما ستفتتح إسرائيل أيضاً سفارتها في هرجيسا، مما يعكس الصداقة المتزايدة، والاحترام التبادلي، والتعاون الاستراتيجي"، على حد زعمه.
وسارع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإشادة بالخطوة، معتبراً، على منصة إكس، أن "افتتاح السفارة في القدس خطوة أخرى هامة في تعزيز العلاقات".
وكان إقليم أرض الصومال شهد، أول من أمس الاثنين، احتفالات بمناسبة ذكرى مرور 35 عاماً على إعلانه الانفصال عن الصومال.
إلا أن هذه المناسبة جاءت هذا العام وسط تحديات أمنية ودبلوماسية تواجه إدارة الإقليم، خصوصاً بعد الاعتراف الإسرائيلي
لا سيما أن الارتهان لإسرائيل، بحسب مراقبين، يضع إقليم أرض الصومال في مأزق خطير يهدد استقراره السياسي والأمني، فضلاً عن تراجع حضور قضيته في المشهدين العربي والإقليمي.
وحاول رئيس إقليم أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله، خلال إحياء الذكرى في هرجيسا، الاثنين الماضي، تصوير تحقيق إنجازات، قائلاً إن الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ تسلم أوراق اعتماد سفير أرض الصومال محمد حاجي،
معتبراً الخطوة تطوراً في مساعي الإقليم لتعزيز حضوره الخارجي، وأن إسرائيل ستكون أول دولة تتسلم أوراق اعتراف دبلوماسية من سفير لأرض الصومال منذ 35 عاماً.
وأشار عبد الله إلى أن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع قرارات لجنة تقصي الحقائق التابعة إلى الاتحاد الأفريقي لعام 2005 وتوصياتها بشأن ما وصفه بواقعية انفصال أرض الصومال،
لافتاً إلى أن مؤتمر بورما أسس قاعدة صلبة لإعادة الاستقلال وإعلان الانفصال الطوعي عن الاتحاد مع الصومال في العام 1960.
واعتبر عبد الله أن "أرض الصومال تتطلع إلى أن تكون شريكاً قوياً للصومال ودول المنطقة في دعم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، فضلاً عن التحول إلى نقطة ارتكاز وجسر تواصل بين أفريقيا والضفة الأخرى من آسيا عبر البحر الأحمر".
وأشار إلى أن حصول اعتراف من بقية دول العالم لـ"أرض الصومال يفضى أيضاً إلى نشأة دولة جديدة للقومية الصومالية في منطقة القرن الأفريقي".
وأكد أن حكومته ستواصل العمل من أجل الحصول على اعتراف دولي، إلى جانب دعم الجيش والشرطة للحفاظ على أمن الحدود، وذلك في إطار تعزيز الاستقرار وحماية المكاسب التي تحققت خلال السنوات الماضية.
وضع أرض الصومال مختلف عن السابق
وفي السياق، رأى الباحث الصومالي عبد الله راغي، أن "الوضع السياسي لأرض الصومال مختلف عن السابق، كما أن احتفالاتها لليوم الوطني في هذا العام تختلف بصورة جوهرية عن السنوات الماضية، إذ تأتي في سياق سياسي وإقليمي مغاير.
فبحسب هذا الطرح، يتزامن الاحتفال مع اعتراف إسرائيلي باستقلال أرض الصومال عن الدولة الصومالية، وهو تطور يُنظر إليه على أنه أحدث تحولاً في موازين القوى السياسية".
وكان محمد حاجي قدم، الاثنين الماضي، أوراق اعتماده إلى هرتسوغ، ليصبح أول ممثل دبلوماسي لما يُعرف بأرض الصومال لدى إسرائيل، في خطوة تعكس تطوراً لافتاً في العلاقة بين الجانبين.
ونشر مكتب هرتسوغ صورة خلال تسلم أوراق اعتماد حاجي في مكتبه بالقدس المحتلة.
وكانت سلطات إقليم أرض الصومال أعلنت، في فبراير/شباط الماضي، تعيين حاجي أول سفير لها لدى إسرائيل، بينما أعلنت الحكومة الإسرائيلية، في 15 إبريل/نيسان الماضي، تعيين ميخائيل لوتيم أول سفير "غير مقيم" لها لدى الإقليم.
وتأتي هذه الخطوة بعد إعلان إسرائيل، في ديسمبر 2025، اعترافها بأرض الصومال، وهو قرار رفضته الحكومة الصومالية، وأثار ردات فعل وانتقادات على المستويين الإقليمي والدولي.
توترات داخلية وعزلة إقليمية
وأشار راغي إلى أن "المشهد بات مختلفاً، مع ما يصفونه بتقارب وتحالفات إقليمية جديدة مع الكيان الإسرائيلي، الأمر الذي أسهم في تغيير نظرة بعض الأطراف الدولية إليها (أرض الصومال) من نموذج للاستقرار النسبي في بيئة مضطربة، إلى كيان حليف مع تل أبيب وسط منطقة لا ترتبط كثيراً دبلوماسياً واقتصادياً مع إسرائيل".
وأشار راغي إلى أن "توجه حكومة عبد الله نحو التقارب مع الكيان الإسرائيلي، زاد من التحديات أمامها، إذ إن الإقليم فقد السيطرة على أجزاء من مناطقه الشرقية،
وقد أسست منطقة سول وسناغ نظاماً فيدرالياً تابعاً لحكومة مقديشو، وباتت خاضعة لتجاذبات سياسية وأمنية بين مقديشو وهرجيسا، خصوصاً أنه تم إدراج بعض هذه المناطق ضمن ترتيبات فيدرالية في الدستور الصومالي الجديد".
وأشار راغي إلى أن "أرض الصومال شهدت خلال الفترة الأخيرة انقسامات وقلاقل أمنية، خاصة في المناطق الغربية الجنوبية. ويربط بعضهم هذه التطورات بردات فعل على التحولات السياسية الأخيرة، بما فيها الجدل المرتبط بالعلاقات مع إسرائيل.
ووفق هذا التصور، تطورت بعض التوترات إلى مناوشات محلية وقبلية، لاسيما في أودل (غرب أرض الصومال)، ما أثّر على حالة الاستقرار النسبي التي كانت تتمتع بها بعض المناطق في الشمال مقارنة ببقية أجزاء الصومال".
خيارات زادت من عزلة أرض الصومال
وفي السياق، رأى الصحافي الصومالي عدنان عبدي، أن التحولات الأخيرة في توجهات أرض الصومال الإقليمية أسهمت في زيادة عزلتها السياسية، في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة الحساسية تجاه أي اصطفافات جديدة.
كما أن الصورة السلبية المرتبطة بإسرائيل في المشهد الدولي الحالي، على خلفية الحروب المستمرة والاتهامات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي والقضية الفلسطينية، تنعكس بصورة مباشرة على أي طرف في العالمين العربي والإسلامي يرتبط بها سياسياً أو دبلوماسياً.
واعتبر عبدي أن "هرجيسا ابتعدت عن مسار التفاهم مع مقديشو، التي تظل صاحبة الاعتراف الرسمي الدولي، وهو المسار الذي كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره أحد منافذ الوصول إلى تسوية سياسية أو اعتراف محتمل،
لكن المفاوضات بين الجانبين شهدت حالة من الجمود، في وقت تتجه فيه أرض الصومال نحو سياسة فرض الأمر الواقع بدلاً من البحث عن تفاهمات سياسية وقانونية مع الدولة التي تسعى للانفصال عنها".
وأضاف: "كما أن التطبيع مع إسرائيل قد يؤثر على علاقاتها مع شركاء إقليميين، من بينهم جيبوتي، التي ترفض هذا التوجه بصورة واضحة.
كما أن ضم إسرائيل في معادلات القرن الأفريقي وممرات الملاحة الدولية في خليج عدن والبحر الأحمر وباب المندب قد يضع القضية ضمن حسابات جيوسياسية معقدة، في منطقة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة".
ووفق عبدي "يربط هذا التصور بين متغيرات إقليمية أخرى، مثل الحديث عن تقارب بين مصر وإريتريا، والدور السعودي المتنامي في المنطقة، بوصفها عوامل قد تجعل أي تحرك إسرائيلي في القرن الأفريقي أكثر حساسية.
واللافت أن هرجيسا، التي كانت خصومتها السياسية تتركز سابقاً مع مقديشو، قد تجد نفسها أمام تحديات أوسع مع أطراف إقليمية ترى في الوجود الإسرائيلي تهديداً لمصالحها".
وقال: كما أن أي انخراط أمني أو عسكري واسع مع إسرائيل قد يؤدي إلى تعزيز الوجود الاستخباري والعسكري في المنطقة، بما قد يغير طبيعة التوازنات الأمنية المحلية والإقليمية.
ويذهب عدنان بعيداً إلى احتمال تحول المنطقة إلى مساحة نفوذ أمني تُستخدم ضمن حسابات الصراع الإقليمي، بما في ذلك احتمالات التوتر مع أطراف إقليمية أخرى.
وفي ما يتعلق بأمن الملاحة، أعرب عدنان عن اعتقاده بأن أي حضور إسرائيلي متزايد في محيط البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب قد يثير حساسيات إقليمية مرتبطة بأمن الممرات البحرية والتجارة الدولية،
إلى جانب مخاوف من انعكاسات محتملة على حركة التجارة والموانئ، خاصة ميناء بربرة، في حال أدى أي اصطفاف سياسي جديد إلى توترات مع شركاء تجاريين إقليميين، أو دول تعتمد على الواردات الصومالية، بما فيها تجارة المواشي.
ويمكن القول إن إدارة أرض الصومال بالغت في تقدير قدرة إسرائيل على توفير مكاسب سياسية ودبلوماسية حاسمة، متناسية أن إسرائيل تواجه بدورها تحديات دولية وإقليمية معقدة، وأن قدرتها على فرض ترتيبات سياسية خارج حدودها تبقى محل جدل.
ومن هذا المنظور، يُنظر إلى الرهان على دعم إسرائيل باعتباره خياراً محفوفاً بحسابات إقليمية ودولية غير مضمونة النتائج.