Logo

حرب السودان... المسيّرات تدفن المرضى تحت ركام المستشفيات

الرأي الثالث - وكالات

تتكرر اعتداءات طرفي الحرب في السودان، الجيش وقوات الدعم السريع، على المستشفيات والمرافق الطبية، والتي تحول بعضها إلى مسارح عمليات عسكرية طوال سنوات الحرب الثلاث الماضية.

في 17 إبريل/ نيسان 2023، وهو اليوم الثالث لاندلاع الحرب السودانية، قصفت الطائرات الحربية التابعة للجيش مستشفى الخرطوم الحكومي القريب من القيادة العامة للجيش في وسط العاصمة. 

بعد ذلك اليوم، أصبح قصف المرافق الطبية نمطاً متصاعداً ينتهجه طرفا الحرب.

وتكرر قصف المراكز الطبية بالطيران الحربي ولاحقاً بالمسيّرات، ما أدى إلى تسجيل عشرات الضحايا، معظمهم من مصابي الحرب الذين لجأوا إلى المستشفيات لمداواة جراحهم، 

ونتج عن ذلك تدمير أكثر من 80% من مستشفيات البلاد، آخرها  مستشفى مدينة الضعين الواقعة في ولاية شرق دارفور، في 20 مارس/آذار، والتي تعرضت لقصف بمسيّرة على ساحة المستشفى، أوقع 64 قتيلاً، منهم 13 طفلاً وسبع نساء، اثنتان منهن من الكادر الطبي، بينما بلغ عدد المصابين 89، ثمانية منهم من الكادر الطبي.

ووفقاً لبيان أصدرته وزارة الصحة المحلية في ولاية شرق دارفور، والتي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، فإن "القصف أدى إلى تدمير كامل مبنى المستشفى، وتلف الأجهزة والمعدات الطبية، ما تسبب في خروجه عن الخدمة". 

ووصف البيان المستشفى بأنه كان "المستشفى الوحيد بولاية شرق دارفور، وكان يقدم الخدمة الطبية لنحو 3.5 ملايين نسمة، من بينهم نازحون ولاجئون".
 
ومعظم ضحايا مستشفى الضعين هم من النازحين الذين أجبرهم القتال على الفرار من إقليم كردفان ومن العاصمة الخرطوم ومناطق أخرى، باعتبار أن ولاية شرق دارفور هي إحدى ولايتين لم تشهدا قتالاً برياً، إلى جانب ولاية البحر الأحمر (شرق)، بسبب اتفاق أهلي سمح لقوات الجيش بالانسحاب من المنطقة من دون أن تتعرض لهم قوات الدعم السريع.

يقول إبراهيم أحمد، وهو شقيق أحد ضحايا مستشفى الضعين، "أصيب شقيقي بشظايا ناتجة عن قصف بمسيّرة قبل فترة، وذهب إلى المستشفى لتلقي العلاج، ولم يخطر بباله أن المسيّرات سوف تلاحقه إلى داخل المستشفى، وتتسبب في مقتله بعد نجاته من القصف الأول".

يضيف: "نحن نازحون، ووصلنا قبل أيام قليلة إلى الضعين، ولم تكن في المستشفى أية مظاهر عسكرية، ولم تكن هناك حسب معرفتي، ثكنة عسكرية قريبة، ولا يوجد بالقرب أي مقر عسكري.

 لذا من الواضح أن القصف كان متعمداً، ويستهدف قتل المرضى والمرافقين والمواطنين الذين جاؤوا لزيارة المرضى في يوم العيد. 

إنها جريمة مكتملة الأركان بحق المدنيين الذين كلما هربوا من وجه الحرب، أو ابتعدوا عن خطوط المواجهة، لاحقتهم المسيّرات، حتى إلى داخل المستشفيات، وكأن من يقف وراء هذا الفعل يريد أن يدرك المدنيين أنه لا نجاة لهم مهما ابتعدوا عن خطوط القتال".
 
بدوره، يقول مسؤول ولاية شرق دارفور في حكومة تأسيس غير المعترف بها دولياً، محمد إدريس "ليست هذه المرة الأولى التي يقصف فيها الجيش السوداني مستشفى الضعين، فقد سبق أن قصفها بالطيران الحربي في أغسطس/آب 2024، 

ما أدى إلى مقتل 22 مريضاً كانوا داخل قسم الصحة النفسية، وتدمير مبنى يضم قسم العناية المركزة وقسم غسيل الكلى، ما تسبب في موت مرضى الكلى الذين كانوا يتلقون الرعاية الطبية في القسم".

وخلال الأعوام الثلاثة الماضية، قصف طيران الجيش السوداني عدداً من مستشفيات مدينة نيالا، عاصمة "تحالف تأسيس" الذي يترأسه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" 

وفي يونيو/ حزيران 2025، تسبب قصف نفذته مسيّرة تتبع للجيش السوداني على مستشفى مدينة المُجلد بولاية غرب كردفان الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع، في مقتل أكثر من 40 مدنياً، من بينهم 21 قتيلاً من أسرة واحدة.

وفي أغسطس/آب 2025، قصفت مسيّرة للجيش السوداني مستشفى يشفين الخاص في نيالا، ما أدى إلى مقتل 14 مدنياً، وإصابة أكثر من 22 آخرين 

وفي مارس/آذار 2025، استهدفت مسيّرة محيط مستشفى نيالا التعليمي مما تسبب في مقتل أكثر من 10 مدنيين، بحسب مسؤول في وزارة الصحة المحلية بولاية جنوب دارفور.

في المقابل، تعرض العديد من مستشفيات مدينة الفاشر لقصف ممنهج من قوات الدعم السريع، والتي فرضت حصاراً محكماً على المدينة في إبريل 2024، قبل أن تسيطر عليها في أكتوبر/تشرين الأول 2025. 

واستهدفت "الدعم السريع" المستشفيات بالمسيّرات الانتحارية عدة مرات، ما تسبب في مقتل مئات المدنيين.
 
ويؤكد إبراهيم عبد الله خاطر، والذي كان يشغل منصب وزير الصحة بولاية شمال دارفور أثناء حصار "الدعم السريع" للمدينة قبل السيطرة عليها، "خلال فترة الحصار كانت قوات الدعم السريع تقصف المستشفيات باستمرار،

 وتركز القصف على مستشفى الفاشر الجنوبي، ومستشفى جبل مرة، ومستشفى مخيم زمزم، والمستشفى السعودي للنساء والتوليد، ومستشفى الأطفال، وفي كل مرة كان يقتل عشرات المرضى والمرافقين".

ويضيف خاطر: "أثناء الحصار حولت قوات الدعم السريع مستشفى الأطفال الحكومي إلى ثكنة عسكرية، ثم جرى تحويله إلى معتقل بعد السيطرة على المدينة، وقصفت 13 مركزاً صحياً داخل الفاشر بالمسيّرات.

 أما مستشفى الفاشر الجنوبي، فتكرر قصفه أكثر من 15 مرة أثناء الحصار، بينما قصف المستشفى السعودي للنساء والتوليد أكثر من 23 مرة ودمرت كل أقسامه 

وكذلك قصف مستشفى العيون، ومستشفى الأسنان، ومستشفى مدينة أم كدادة، والذي قتل مديره العام في القصف مع 35 كادراً طبيباً سجل مقتلهم في مدينة الفاشر وحدها، من بينهم كل من مدير إدارة الرعاية الصحية، ومدير مركز التراكوما، ومدير إدارة التدريب بوزارة الصحة، مع أكثر من 120 جريحاً 

وتسبب القصف في مقتل كل الكادر الطبي الذي كان يعمل في مستشفى مخيم زمزم، وعددهم تسعة".

بدورها، قالت وزارة الصحة بولاية الخرطوم، إن 256 مركزاً طبياً حكومياً، و53 مستشفى تعرضت للتدمير الكامل أثناء الحرب. 

وقال مصدر في الوزارة ، إن "المستشفيات والمراكز تم تدميرها بقصف من الطيران والمسيّرات التي يمتلكها طرفا الحرب".

ووصفت مجموعة محامي الطوارئ الحقوقية قيام طرفي الحرب السودانية بقصف المستشفيات ومراكز الرعاية الطبية، بأنه جريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الملحقة بها. 

وقالت إن "القانون الدولي يحظر استهداف المنشآت الطبية والكوادر الصحية والمرضى تحت أي ظرف، والمستشفيات تُعتبر مؤسسات محمية بالقانون، وتُمنع مهاجمتها، وأي قصف للمستشفيات يُعد جريمة حرب تترتب عليها مسؤولية جنائية مباشرة لا تسقط بالتقادم ضد المخططين والمنفذين".
 
وتوضح: "في الحروب، هناك مبدأ التناسب، وهو تقدير هل الموقع المستهدف يضم مدنيين أم قوات عسكرية؟ حتى لو كان به قوات عسكرية، فهل هم بالقرب من المدنيين، أو الأعيان المدنية؟ وهل يلحق القصف الضرر بالمدنيين؟

 منذ أول يوم في هذه الحرب تم إهمال هذا المبدأ، وأصبح الطرفان يستهدفان المدنيين بمنتهى الاستخفاف، ويقومان يومياً بارتكاب جرائم حرب، وانتهاكات ضد الإنسانية، مدفوعين بخطاب الكراهية الذي أصبح متفشياً على نطاق واسع في الوقت الراهن،

 وقد وصلا إلى مرحلة أوقفا فيها القتال ضد بعضهما، وأصبحا يهاجمان الأعيان المدنية، مثل المستشفيات، ومراكز الخدمات، ومحطات المياه والكهرباء. كل هذه جرائم حرب يجب أن يعرف من يرتكبها أنه سوف ينال العقاب متى ما توفرت شروط العدالة".