حرب الطاقة تستعر.. الأسعار ملتهبة والأسواق تترقب انفجار هرمز
الرأي الثالث - وكالات
يشهد قطاع الطاقة وخاصة النفط والغاز العالميان اضطرابات غير مسبوقة مع تصاعد حدة التوترات العسكرية في منطقة الخليج، حيث تحول مضيق هرمز إلى بؤرة صراع مباشر بين الولايات المتحدة وإيران،
فيما تأتي هذه التطورات في وقت حساس للغاية بالنسبة لأسواق الطاقة، إذ أدت التهديدات المتبادلة باستهداف منشآت الطاقة إلى ارتفاع حاد في الأسعار، مع تسجيل خام برنت أعلى مستوياته منذ يوليو/تموز 2022.
فقد شهدت أسواق النفط موجة صعودية قوية بداية الأسبوع أمس، مع تصاعد اللهجة بين واشنطن وطهران، حيث هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن هجمات على منشآت الطاقة الإيرانية،
فيما ردت إيران بالتأكيد على قدرتها على استهداف البنية التحتية الحيوية للطاقة والمياه في جميع أنحاء الخليج.
ونتيجة لهذه التطورات، ارتفعت العقود الآجلة لبرميل خام برنت 0.9% إلى 113.2 دولاراً خلال التعاملات، فيما بلغ خام غرب تكساس الوسيط 98.85 دولاراً بعدما تجاوز عقوده الآجلة 100 دولار في بداية الجلسة،
في وقت تفقد الأسواق أكثر من 11 مليون برميل يومياً من الإمدادات العالمية نتيجة الحرب، وهو رقم يفوق تأثير صدمتي السبعينيات مجتمعتين،
وفقاً لتصريحات المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول الذي قال إن الأعمال الحربية ضربت أكثر من 40 منشأة طاقة في تسع دول حتى الآن، وفقاً لما نقلت عنه بلومبيرغ.
غير أن اتجاه السوق انعكس تماماً بعد إعلان ترامب، أمس، إرجاء الضربات العسكرية على محطات الكهرباء الإيرانية "بعد محادثات جيدة" على مدى يومين، حيث تراجع سعر البرميل بنسبة وصلت إلى 12%.
تقلبات الغاز حادة والصادرات تنهار
تزامناً، عاودت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبي ارتفاعها أمس الاثنين، قبل تصريحات ترامب المفاجئة، بعدما راقب المتعاملون من كثب التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران.
وسجلت العقود الآجلة الهولندية القياسية زيادة تجاوزت 5% في التعاملات المبكرة، لتصل إلى 62.02 يورو لكل ميغاواط/ساعة، مما محى خسائر الجلسة السابقة.
وتعكس هذه التقلبات مدى حساسية السوق الأوروبي لأي تهديد يطال طرق الإمداد عبر المضيق، خاصة مع تزايد اعتماد أوروبا على واردات الغاز المسال الذي قد يتأثر مساره بهذه التطورات.
في غضون ذلك، أظهرت بيانات تحليلية لحركة السفن تراجعاً ملحوظاً في صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية إلى أدنى مستوى في ستة أشهر، حيث انخفض متوسط الشحنات المتحرك لعشرة أيام بنحو 20% منذ بداية الشهر ليصل إلى 1.1 مليون طن.
ويعود هذا التراجع أساساً إلى انخفاض الشحنات القطرية، وإلى حد أقل من الإمارات العربية المتحدة، نظراً لاضطرار البلدين إلى نقل الوقود عبر مضيق هرمز للوصول إلى العملاء في آسيا وأوروبا.
ويعكس هذا التراجع المخاوف المتزايدة من إغلاق المضيق أو تقييد الملاحة فيه، مما قد يفاقم أزمة الإمدادات العالمية، حسب تقرير مستقل أوردته بلومبيرغ.
وقد أحدث تصاعد وتيرة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى صراع إقليمي، اضطراباً كبيراً في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي،
لا سيما بعدما اضطُرت قطر إلى إغلاق محطة تصدير الغاز الطبيعي المسال في رأس لفان، وهي الأكبر في العالم، في وقت سابق من هذا الشهر بعد هجمات إيرانية.
وألحق هجوم آخر الأسبوع الماضي أضراراً بالمحطة، وسيستغرق إصلاح اثنين من خطوط الإنتاج الأربعة عشر سنوات.
وكان إنتاج الغاز الطبيعي المسال في جميع أنحاء العالم يشهد ارتفاعاً مطرداً خلال العام الماضي، ويعود الفضل في ذلك أساساً إلى مشاريع جديدة في الولايات المتحدة وكندا.
إلا أن هذا الارتفاع تُقابله الآن خسارة الغاز الطبيعي المسال القطري والإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لنحو خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية.
استعداد لسحب احتياطيات إضافية
وفي خطوة تعكس حجم القلق الدولي، أعلن بيرول أن الوكالة تجري مشاورات مكثفة مع حكومات في آسيا وأوروبا بشأن إمكانية سحب المزيد من مخزونات النفط الاستراتيجية "إذا لزم الأمر".
وأكد بيرول خلال جولته العالمية التي بدأها في كانبيرا أن السحب من المخزونات سيساعد في تهدئة الأسواق، لكنه شدد على أن الحل الأهم والوحيد لهذه المشكلة هو فتح مضيق هرمز.
ووصف بيرول الأزمة الحالية في الشرق الأوسط بأنها "شديدة للغاية"، معتبراً إياها أسوأ من صدمتي النفط في السبعينيات مجتمعتين، خاصة مع تأثير الحرب الإسرائيلية الإيرانية على إمدادات النفط والغاز.
كما قال بيرول إنه لن يكون هناك مستوى محدد لأسعار النفط الخام يؤدي إلى إطلاق كمية أخرى، مضيفاً أن "السحب من المخزون سيساعد على تهدئة الأسواق، لكن هذا ليس هو الحل. سيساعد فقط في تخفيف الألم الذي يعاني منه الاقتصاد".
وبدأ رئيس الوكالة الدولية للطاقة جولته العالمية في كانبيرا، حيث قال إن منطقة آسيا والمحيط الهادي تقع في طليعة أزمة النفط، نظراً لاعتمادها على النفط والمنتجات الحيوية الأخرى مثل الأسمدة والهيليوم التي تمر عبر مضيق هرمز.
وبعد لقاء رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، سيتوجه بيرول إلى اليابان في وقت لاحق من هذا الأسبوع قبل انعقاد اجتماع مجموعة السبع.
وفي ما يتعلق بقراره بالبدء في التحدث علناً بعد ثلاثة أسابيع من اندلاع الحرب، قال بيرول: "لم يدرك صانعو القرار في جميع أنحاء العالم عمق المشكلة جيداً". وأضاف أن سحب المخزونات ليس سوى جزءا مما يمكن أن تفعله وكالة الطاقة الدولية.
وذكر بيرول أن الإجراءات التي حددتها الوكالة، مثل خفض حدود السرعة أو تطبيق إجراءات العمل من المنزل، وخفض استهلاك الطاقة عند تنفيذها في أوروبا عام 2022، لكن على كل دولة أن تقرر أفضل السبل لتوفير الوقود.
ولفت إلى أنه رغم أن مخزونات أستراليا من الوقود السائل أقل من المعايير التي حددتها الوكالة، فإن الحكومة الحالية بذلت جهوداً كبيرة لتحسينها، مشيراً إلى أن مخزون الديزل الذي يكفي لمدة 30 يوماً يُعد "رقماً قوياً".
رفع تقديرات أسعار الطاقة
وقد دفعت الحرب كبرى شركات الوساطة المالية إلى تعديل توقعاتها لأسعار النفط بشكل ملحوظ.
ففي الوقت الذي رفع بنك غولدمان ساكس توقعاته لسعر خام برنت لعام 2026 من 77 دولاراً إلى 85، توقع مصرف جيه بي مورغان أن يبلغ متوسط السعر 100 دولار في الربع الثاني من العام نفسه.
كما توقع بنك إتش.إس.بي.سي أن تتراوح الأسعار بين 70 و80 دولاراً، بينما ذهبت تقديرات ماكواري إلى إمكانية وصول الخام إلى 150 دولاراً للبرميل أو أكثر إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لعدة أسابيع.
وفي المقابل، يتوقع "يو بي إس" أن تتجه الأسعار نحو مستويات أكثر حدة عند 120 دولاراً، أو أكثر، في حال استمرار اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.
استنزاف مخزونات الطاقة
إلى ذلك، أفادت شركة غازبروم الروسية، الأحد، بأن احتياطيات الغاز في مرافق التخزين الجوفية الأوروبية انخفضت إلى 28.5% فقط بحلول 20 مارس/آذار، وفقاً لبيانات مؤسسة البنية التحتية للغاز الأوروبية.
وبحسب وكالة الأنباء الألمانية، تكشف الأرقام عن تفاوت كبير بين الدول الأعضاء، إذ لا يتبقى في مرافق التخزين الهولندية سوى 6.8% فقط من الاحتياطيات، وهو مستوى أقل بكثير من متوسط الاتحاد الأوروبي.
ويأتي هذا الاستنزاف المتسارع في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات كبيرة في تأمين بدائل للغاز الروسي، وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
بالإجمال، تعيش أسواق الطاقة العالمية واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخها، حيث تتقاطع أزمات جيوسياسية متعددة في نقطة واحدة هي مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية وحصة كبيرة من الغاز المسال.
ومع استمرار التهديدات المتبادلة واستنزاف المخزونات الاستراتيجية وارتفاع توقعات الأسعار، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات واسعة قد تشهد مزيداً من التصعيد، ما لم تُبذل جهود دبلوماسية مكثفة لإعادة فتح المضيق وضمان أمن الملاحة فيه.