Logo

العراق يغرق في الحرب: غارات واغتيالات وهجمات من بغداد إلى أربيل

الرأي الثالث - وكالات

 لم تعد تحذيرات الحكومة العراقية المتكررة من مغبة الانخراط في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها ذات قيمة كبيرة، إذ إن البلاد دخلت عملياً في المواجهة الإقليمية 

 إذ تشير بيانات وأرقام من مصادر حكومية عراقية، إلى أن العاصمة بغداد تعرضت للقصف الجوي بين يوم 13 مارس/ آذار الحالي ولغاية صباح أمس الثلاثاء 20 مرة، طاولت منازل ومقرات ومزارع تابعة لفصائل مسلحة 

بينما تمّ تسجيل 46 هجوماً جوياً على مقرات الفصائل في الفترة ذاتها بالأنبار ونينوى وبابل وصلاح الدين وديالى وواسط والمثنى، غرب وشمال وجنوب العراق.

ولا يبدو الوضع في إقليم كردستان العراق أفضل حالاً، إن لناحية الهجمات التي طاولت الإقليم من فصائل بواسطة الطائرات المسيّرة والصواريخ على أهداف في مدن أربيل ودهوك والسليمانية، 

واستهدفت مقرات أمنية وحقولاً للطاقة ومنشآت ومصالح عسكرية أميركية، أبرزها قاعدة حرير الجوية والقنصلية الأميركية، أو مباشرة من قبل الحرس الثوري الإيراني، وسط تركيز على مقرات للمعارضة الإيرانية المسلحة في الإقليم.
 
هجمات متبادلة في العراق

ولم تعد الهجمات المتبادلة في بغداد تقتصر، منذ ليل الاثنين - الثلاثاء، على المصالح الأميركية في المنطقة الخضراء ببغداد ومطار بغداد الدولي وما يقابله من مقرات ومخازن ومعسكرات للفصائل، 

إذ طاولت فندق الرشيد الذي يضم بعثات دبلوماسية وأممية وصحافيين أجانب، إلى جانب مقر شركة أجنبية، ومنزلين لقيادات فصائلية، في رد ورد مقابل ينذر بأيام صعبة على العراقيين، خصوصاً في العاصمة، 

وسط عجز حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني عن منع الاعتداءات الجوية أو إيقاف هجمات الفصائل أيضاً.

ومساء أول من أمس الاثنين، وقع انفجار يبدو أنه نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة استهدف الطابق العلوي في فندق الرشيد، وسط بغداد، دون وقوع إصابات.

 وجاء ذلك مع تعرّض المنطقة الخضراء شديدة التحصين لسلسلة هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ استهدفت مبنى السفارة الأميركية وأهدافاً أخرى داخل المجمع الحكومي والدبلوماسي، 

فضلاً عن أهداف في مطار بغداد الدولي، في تصعيد أمني لافت من قبل الفصائل المسلحة عقب إعلان "كتائب حزب الله" العراقية مقتل المتحدث العسكري باسمها، المعروف باسم أبو علي العسكري. 

في المقابل، أسفرت ضربة صاروخية استهدفت منزلاً في منطقة الجادرية، وسط بغداد، فجر أمس، عن مقتل ستة أشخاص وإصابة عدد آخر. 

ويقع المنزل المستهدف على مقربة من المنطقة الخضراء، ويضم الحيّ منازل ومقرات ومكاتب كبار الساسة والمسؤولين العراقيين.

 وأكدت مصادر أمنية وأخرى مقربة من "الحشد الشعبي" أن المنزل تابع لأحد قادة "الحشد الشعبي" ويستخدم مقراً وتعقد فيه اجتماعات.

 وقال أحد المصادر إن "المعلومات المتوفرة تفيد بوجود إيرانيين اثنين على الأقل بين القتلى يعملان بصفة مستشارين مع الحشد الشعبي، وهناك عراقيون ضمن فصائل مسلحة". 

ويوم أمس، استهدف قصف جوي مقراً للحشد الشعبي في النباعي، شمالي بغداد، أوقع عدداً من الإصابات.
 
ولفهم الصورة أوضح في العراق، فإن نحو 20% فقط من الفصائل المسلحة المنضوية ضمن "الحشد الشعبي" دخلت فعلياً خط الحرب إلى جانب إيران، 

عبر تبني عمليات يومية ضد أهداف أميركية  في العراق وأخرى في الكويت والأردن وفقاً لبيانات صدرت عن "تنسيقية المقاومة العراقية"، التي تضم تلك الفصائل.
 
هذا الانخراط المتصاعد بدأ منذ اليوم الذي أعلنت فيه طهران رسمياً عن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، في الأول من مارس الحالي 

حيث نفذت وحدات مسلحة عراقية من الفصائل هجمات عدة طاولت مقر السفارة الأميركية في بغداد، ومعسكر فيكتوريا الملاصق لمطار بغداد،

 وقاعدة حرير ومواقع أخرى، أبرزها القنصلية الأميركية في أربيل وشركة عسكرية أميركية متعاقدة مع وزارة الدفاع العراقية في قاعدة بلد، شمالي بغداد، تتولى المساعدة في تشغيل وصيانة مقاتلات عراقية. 

علماً أن جندياً فرنسياً قتل وأصيب ستة آخرون في هجوم بطائرة مسيّرة في كردستان العراق، الأسبوع الماضي، كما أعلنت الحكومة الإيطالية تعرّض قاعدة عسكرية تتبع لقواتها في أربيل لهجوم لم يسفر عن وقوع إصابات في صفوف الجنود الإيطاليين.

والفصائل المسلحة المشاركة في الحرب هي: كتائب حزب الله، سيد الشهداء، أنصار الله الأوفياء، البدلاء، الطفوف، الإمام علي، بابليون، حشد الشبك، سرايا الخراساني، النجباء، إلى جانب فصائل أخرى

 يؤكد مراقبون ومسؤولون عراقيون أنها مرتبطة أساساً بفصيلين مسلحين هما كتائب حزب الله والنجباء، مثل "سرايا أولياء الدم"، و"أهل الكهف"، و"المقاومة الإسلامية".

وتضم هذه العناوين قرابة 20% فقط من إجمالي الفصائل المدرجة ضمن الحشد الشعبي، والبالغة رسمياً 67 فصيلاً، تعمل ضمن هذا المسمى، لكنها في الواقع تضم أكثر من 50% من إجمالي المقاتلين، حيث تعتبر هذه الفصائل الأكثر عدداً من ناحية عناصرها والأقوى تسليحاً.
 
في المقابل، لم يتضح موقف فصائل أخرى محسوبة على "محور المقاومة" لغاية الآن، أبرزها: عصائب أهل الحق، كتائب الإمام علي، حركة جند الإمام، وبدر، 

واكتفت هذه الجهات بإعلان مواقف سياسية داعمة لإيران، إلى جانب نشاط إعلامي وتعبوي، من دون تبني المشاركة العسكرية المباشرة في العمليات الجارية، وهو ما دفع منصات إعلامية محسوبة على الفصائل الأخرى إلى مهاجمتها واتهامها بالتخلي والانسحاب.

ونفذت الفصائل العراقية هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ متوسطة المدى، بدت في الفترة الأخيرة أكثر تأثيراً في إصابة أهدافها ببغداد وأربيل على وجه التحديد، وضمن عمل منسق.

 وقال مسؤول أمني عراقي إن الفصائل تعمل بتنسيق أعلى من مما كان الوضع عليه خلال الأيام الأولى للحرب، ويظهر أنها ضمن "غرفة حرب واحدة". 

وأكد المسؤول ذاته أن مجمل الهجمات التي نفذتها تلك الجماعات يتخطى 400 هجوم بطائرات مسيّرة وصواريخ، وتعمل على تنظيم موجات قصف منظمة بالتزامن، 

مضيفاً أن القوات العراقية احتكت الأسبوع الماضي مع قوة مسلحة في طريقها إلى موقع يقع شمالي بغداد، وكان عناصرها مزودين بمنصة صواريخ،

 واختارت الحكومة التهدئة وعدم التصعيد مع الفصائل التي تؤكد أنها تعمل ضمن "تكليف شرعي"، وهي عبارة تعني أنها تهاجم بقرار مركزي من طهران وليس بقرار ذاتي. وكشف المسؤول ذاته عن "هجمات مؤثرة للفصائل في أربيل وبغداد".

في المقابل، أكدت مصادر عسكرية عراقية في بغداد ثنائية القصف الأميركي الإسرائيلي الذي يستهدف مواقع هذه الفصائل وعجز الحكومة عن إيقاف عمليات القصف المتبادل من الجانبين. 

وبين 13 مارس الماضي ولغاية صباح أمس، تعرضت بغداد للقصف الجوي 20 مرة، طاولت منازل ومقرات ومزارع تابعة لفصائل مسلحة، منها ثلاثة في الجادرية، وأربعة في أبو غريب 

 وهجوم واحد في النباعي، وهجومان في التاجي، وهجوم في البياع، وهجومان في الدورة، وهجوم في الرضوانية، بينما تمّ تسجيل 46 هجوماً جوياً على مقرات الفصائل في الفترة ذاتها بالأنبار ونينوى وبابل وصلاح الدين وكركوك وديالى وواسط والمثنى، غرب وشمال وجنوب البلاد. 

وتصدرت الأنبار وبابل في عدد تلك الهجمات التي وقعت خارج بغداد، وتركزت في القائم الحدودية مع سورية، وفي جرف الصخر، شمالي الحلة، مركز محافظة بابل.

موقفٌ حكومي يشبه لبنان

وكان موقف الحكومة العراقية طيلة الأسبوعين الماضيين ضعيفاً إزاء ما يحدث من تطورات أمنية راح ضحيتها نحو 60 عنصراً من "الحشد". 

وفي البيانات الأولية التي أصدرتها الحكومة، لم تكن تشير إلى هوية الجهات التي تقصف مقرات الحشد الشعبي وتصنفها بـ"اعتداءات" 

لكن اثنين من الضباط العراقيين قالا "إن العراق لا يملك قدرة فنية على تحديد هوية الطائرات التي نفذت القصف، لكننا نعتقد أن إسرائيل نفذت عمليات اغتيال بعض القيادات".

في المقابل، صنّفت الحكومة والقضاء في بيانات رسمية لهما عمليات استهداف البعثات الأجنبية ومنشآت الطاقة والمواقع الحيوية "عمليات إرهابية"، وهو تطور قد يُفهم منه محاولة الحكومة العراقية القيام بدور ما لتهدئة المواجهات.
 
ويوم أمس الثلاثاء، عادت الحكومة العراقية لتؤكد رفضها "الاعتداءات الغادرة على قواتنا الأمنية والتي أدت إلى استشهاد عدد من أبطال الحشد الشعبي"، 

وكذلك رفضها "أي اعتداء على البعثات الدبلوماسية والسفارات والقنصليات وتعدّها أعمالاً إرهابية تستهدف الإساءة للاستقرار والأمن المتحقق بفضل تضحيات قواتنا الأمنية البطلة"، وفق المكتب الإعلامي للسوداني، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء العراقية (واع).

 قيادي بارز في فصيل مسلح أكد أن "العمليات ضد المصالح الأميركية والإسرائيلية سوف تستمر في العراق والمنطقة، وأن قرار المقاومة هو المضي بمزيدٍ من الهجمات ثأراً ودفاعاً عن النفس"، 

مبيناً أن "المقاومة العراقية هي خط الصدّ ضد المشروع الأميركي والإسرائيلي في العراق والمنطقة، بالتالي فإن المقاومة خيار عراقي وهو غير مرتبط كما يُشاع بأنه جزء من المحور الإيراني". 

وأكد القيادي أن بعض الهجمات التي طاولت مواقع "الحشد الشعبي"، مثل مخزن السلاح في ديالى بمنطقة الوجيهية أو اغتيال مسؤول الصواريخ في كتائب حزب الله، كانت عمليات إسرائيلية.
 
وفي أربيل التي تحل ثانية بعد بغداد في سخونة الأحداث من جهة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، قرّرت السلطات تعطيل الدوام في المدارس والمؤسسات القريبة من المواقع الحسّاسة، مع تمديد حالة التأهب الأمني في صفوف قوات الأمن والبيشمركة،

 وفرضت إجراءات على وسائل الإعلام وصلت إلى إغلاق مكتب الجزيرة مؤقتاً وسحب ترخيص مراسلها، نتيجة لما قالت عنه وسائل إعلام إنه خالف التعليمات بعدم تصوير مشاهد اعتراض الطائرات المسيرة والصواريخ. 

وتركز القصف على قاعدة حرير، ومطار أربيل الدولي، والقنصلية الأميركية ومجمع دبلوماسي يضم بعثات أجنبية، إلى جانب قاعدة تضم تمثيلاً عسكرياً لقوات حلف شمال الأطلسي (ناتو)، أبرزها الفرنسية والإيطالية.

وأصدرت حكومة إقليم كردستان صباح أمس بياناً قالت فيه إن الإقليم تعرض إلى 337 هجوماً بالصواريخ والطائرات المسيّرة، من بينها ثمانية نفذت ليل الاثنين - الثلاثاء.

 وبحسب البيان، فإنه منذ 28 فبراير/ شباط، تمّ توجيه 280 طائرة مسيّرة وصاروخاً نحو أربيل وحدود المحافظة، و50 طائرة مسيّرة وصاروخاً نحو السليمانية وحدود المحافظة، كما تم توجيه خمس مسيّرات نحو محافظة دهوك منذ بداية الحرب، 

بالإضافة إلى توجيه مسيّرتين نحو حدود حلبجة. ووفقاً للإحصائيات، فقدَ ثمانية أشخاص حياتهم وأصيب 45 آخرون بجروح جراء تلك الهجمات. 

وأكد البيان الحكومي الصادر من أربيل أن القتلى هم موظف في مطار أربيل، إلى جانب ستة من أفراد أحزب كردية إيرانية قتلوا جراء هجمات طاولت مواقعهم من قبل الحرس الثوري الإيراني في أربيل وحلبجة. 

كما فقدَ جندي فرنسي حياته بأربيل في 12 مارس الحالي. كما تم تسجيل سقوط جرحى من البعثة الأممية في السليمانية، و13 مدنياً، ومن قوات الأمن، كما أسفرت الهجمات عن إصابة 18 عنصراً من أحزاب كردية إيرانية وستة جنود فرنسيين.

وقال النائب السابق علي الدراجي، إن حكومة السوداني "تُركت بمفردها من قبل قادة الإطار التنسيقي الذين اختاروا مواقف منفردة لهم وليست جماعية مما يجري بالعراق". 

وأشار الدراجي إلى أن "الحكومة الحالية أضعف من أن تدخل بمواجهة مع فصائل مرفوضة من قبل شرائح كبيرة من الشارع التي ترى في عرقلة الفصائل خدمةً للأميركيين والإسرائيليين وخذلاناً للإيرانيين، لكنها في الوقت ذاته جرّ مباشر للعراق للحرب"،

 ووصف الموقف الحكومي العراقي بأنه "لا يختلف عن الموقف الحكومي اللبناني كثيراً".

من جهته، أشار الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية علي فضل الله إلى أن "العراق بالفعل دخل التصعيد، وبات يستقبل ويصدّر الهجمات والضربات". 

وأضاف أنّ "العراق لم يكن يريد التورط في الحرب، لكن المشروع الأميركي والإسرائيلي جرّ المنطقة كلها إلى الحرب، وفتح مجالات توسع نطاق النار، بالتالي فإن المقاومة ما هي إلا حالة للرد على الهجمات والعدوان"، 

مؤكداً أن "المشروع الأميركي والإسرائيلي الذي تورط وورّط الآخرين بالحرب، فشل في تحقيق أي هدف، حتى أن عملية اغتيال المرشد الإيراني ومقتل قادة النظام الإيراني لا تعد انتصاراً، إنما خيبة كبيرة لهذا المشروع".