Logo

روسيا تعرض وساطة مركبة لوقف الحرب في الشرق الأوسط

الرأي الثالث - وكالات

 وسط إشارات أميركية متناقضة حول إنهاء الحرب على إيران، رمى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بثقله لدى الإدارة الأميركية في جهود الوساطة لإنهاء الحرب المتواصلة في الشرق الأوسط منذ 28 فبراير/شباط الماضي.

 وكشفت تصريحات المسؤولين الروس والأميركيين بعد أول مكالمة هاتفية بين بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترامب منذ نهاية العام الماضي، يوم الاثنين الماضي، وسلسلة اتصالات بوتين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وقادة المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات والبحرين، أن الحراك الروسي يتركز على جهود وساطة مركبة مبنية على أسس "براغماتية". 

وفي سياق متصل، أفاد الكرملين، أمس الأربعاء، بأن بوتين بحث خلال مكالمة هاتفية مع نظيره الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان "تطورات الوضع المتدهور بشكل خطير في الشرق الأوسط، والذي يلحق أضراراً جسيمة بإيران والدول العربية"، 

وشدد الرئيس الروسي على ضرورة وقف التصعيد وتسوية النزاع عبر التفاوض.

ومن الواضح أن الوساطة الروسية تهدف إلى تعظيم مكاسبها "المؤقتة" من الحرب في الشرق الأوسط ومحاولة تثبيتها على المدى البعيد.

 وتهدف روسيا أيضاً إلى تقليل التداعيات السلبية على صورتها قوةً عظمى، مع تجنب خسارة حليفها الإيراني من جهة أخرى، والمحافظة على علاقاتها الطيبة مع بلدان الخليج العربي بما يسمح لها بمواصلة أدوارها السابقة، وإعادة طرح مبادرة الأمن الجماعي في الخليج بمشاركة جميع بلدان المنطقة والأطراف الدولية المهتمة بأمن هذه المنطقة الحيوية من العالم.

إنهاء الحرب في الشرق الأوسط

في المقابل، فإن مواقف الإدارة الأميركية والقادة الإيرانيين من موضوع إنهاء الحرب في الشرق الأوسط وفق شروط الطرف الآخر ما زالت متباعدة، ما يعقد مهمة الوساطة الروسية. وفي حين كشفت تصريحات ترامب بعد المكالمة عن توافقات مع روسيا، فإنها أغلقت الباب أمام جهود الوساطة مع إيران. 

وبعد المكالمة قال ترامب "لدينا عقوبات على بعض الدول. سنرفع هذه العقوبات حتى تتحسن الأوضاع، وحينها، من يدري، ربما لن نضطر إلى إعادة فرضها. ربما سيسود السلام حينها".

 ويصب رفع العقوبات في مصلحة الطرفين، فروسيا تستطيع تعظيم مكاسبها المالية عبر السماح لها بزيادة صادراتها في ظل ارتفاع الأسعار، ما يتيح لها خفض العجز في موازنتها والاستمرار في تمويل مجهودها العسكري في أوكرانيا. 

كما تؤكد روسيا أنها مصدر موثوق للطاقة، ما يدعم أصواتاً في الاتحاد الأوروبي دعت وتدعو إلى إنهاء العقوبات في مجال الطاقة عن روسيا. 

ومن جهة ترامب، فإن تراجع أسعار النفط يخفف من الضغوط الداخلية، المتمثلة بارتفاع التضخم مع وصول الأسعار إلى مستويات قياسية منذ صيف 2022، بما يعنيه من إمكانية تعرض الجمهوريين لنكسة انتخابية في الانتخابات النصفية المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.
 
وفي مؤشر إلى عدم انفتاح ترامب على جهود الوساطة مع إيران، قال أمام الصحافة، الاثنين الماضي، بعد مكالمته مع بوتين، إنه ناقش معه تصاعد حدة الحرب في الشرق الأوسط 

كاشفاً أن بوتين "يريد أن يكون عوناً وقلت له: يمكنك أن تكون أكثر فائدة بإنهاء الحرب الأوكرانية الروسية. سيكون ذلك أكثر فائدة". 

وبدا واضحاً اهتمام واشنطن أكثر بعدم دعم روسيا إيران في الحرب الحالية. في السياق، شدّد البيت الأبيض، مساء الثلاثاء، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لن يكون "سعيداً"، إذا تبيّن أن روسيا تمد إيران بمعلومات استخباراتية في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط مع تجنّب توجيه انتقادات حادة لموسكو. 

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في إحاطة صحافية: "إن الرئيس ومبعوثه الخاص (ستيف) ويتكوف قالا كلاهما إنهما وجّها رسالة إلى روسيا مفادها أنه إذا كان ذلك يحدث بالفعل، فهذا أمر لن يكونا سعيدين به، وأعربا عن أملهما بألا يكون ذلك هو ما يحدث". 

وكانت صحيفة "واشنطن بوست" ، قد أفادت الجمعة الماضي، بأن موسكو أمدّت إيران بمعلومات استخباراتية حسّاسة، بما في ذلك مواقع سفن حربية وطائرات أميركية في المنطقة.

بدوره، امتنع الكرملين، مساء الثلاثاء، عن التعليق حول ما إذا كانت واشنطن قد حذرت موسكو من مغبة مشاركة معلومات استخباراتية مع إيران. 

ورداً على سؤال من وكالة فرانس برس حول تصريح ويتكوف، أو ما إذا كان ترامب وبوتين قد تطرقا إلى هذا الأمر في مكالمتهما الهاتفية، الاثنين الماضي، 

أجاب المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف "كل ما يمكنني قوله هو أن ويتكوف على اتصال دائم بنظرائه الروس، وقناة الاتصال هذه تسمح لنا بتبادل المعلومات حول أكثر القضايا حساسية". 

وأحجم الكرملين عن الرد على أسئلة حول طرح قضية التعاون الاستخباراتي ومساعدة موسكو طهران في تحديد الأهداف العسكرية.
 
وأوضحت تصريحات يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي للشؤون السياسية بعد المكالمة، مساء الاثنين، أن بوتين عرض أفكاره من أجل "التوصل إلى حل سياسي ودبلوماسي سريع للنزاع الإيراني" مع الأخذ بعين الاعتبار اتصالات بوتين مع قادة بلدان الخليج العربي. 

ورغم الجو الإيجابي الذي بثته تصريحات ترامب بعد المكالمة مع بوتين، وقوله في تصريحات لمحطة سي بي إس، إن "الحرب انتهت فعلياً"، وإن إيران أصبحت "بلا قوة بحرية، وبلا اتصالات... وبلا قوة جوية"، ولكن من غير الواضح وجود صلة حقيقة بين القضيتين. 

وعلى خط مواز، وبعد الحصول على "هدية" واشنطن المتمثلة في تعليق العقوبات، حرص بوتين في مكالمة هاتفية، مساء الثلاثاء، هي الثانية منذ بداية الحرب مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، على تجديد معارضة بلاده لأي عمل عسكري ضد إيران، وتأكيد استعداد روسيا لتقديم المساعدات اللازمة لإيران.

 وحسب الجانب الإيراني عرض بوتين: "أي مساعدة من شأنها المساهمة في إنهاء النزاع في المنطقة في أقرب وقت ممكن". من جانبه، أعرب بزشكيان عن تقديره لمواقف روسيا الداعمة لإيران، 

مشيراً إلى الهجمات الأخيرة التي استهدفت البنية التحتية المدنية والمواطنين. وشدّد بزشكيان على ضرورة إدانة ما وصفه بالاعتداءات والجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد بلاده في المحافل الدولية.

وفي مؤشر إلى انخراط روسي واسع في جهود الوساطة، قالت وزارة الخارجية الروسية في بيان، أول من أمس الثلاثاء، إن وزير خارجية الاتحاد الروسي سيرغي لافروف اتصل هاتفيا بنظيره الإيراني عباس عراقجي. 

وحسب البيان: "أكد لافروف مجدداً المبدأ الثابت لروسيا في الدفع نحو تهدئة سريعة وإعادة الوضع إلى مسار التسوية السياسية والدبلوماسية، وهو ما يظل الجانب الروسي مستعداً للإسهام فيه، مع المراعاة الواجبة لمصالح الأمن الإيراني ومصالح جيرانه في المنطقة".

 ومن المرجح أن مقترحات بوتين ولافروف تنطلق من إقناع طهران بوقف الغارات الجوية على الدول التي لا تهاجمها، ودعم عملية نقل اليورانيوم عالي التخصيب من إيران، والدفع إلى حوار لتحقيق مفهوم الأمن الجماعي الروسي لمنطقة الخليج العربي، وهي فكرة قديمة عادت روسيا إلى طرحها في عام 2021. 

وتأمل روسيا أن يمكنها وقف الحرب، من المحافظة على علاقاتها الوثيقة على طرفي الخليج العربي، من دون الانحياز إلى طرف على حساب الآخر. 

وفيما لا يمكن الجزم في تزويد موسكو طهران معلومات استخباراتية لضرب الأهداف الأميركية، فإنه من المؤكد أنها لم تقدم منظومات الدفاع الجوي مثل بطاريات "أس 400" والطائرات اللازمة للتخفيف من قدرات الطائرات والصواريح الأميركية والإسرائيلية في سماء إيران.
 
روسيا أمام خسارة حليف ثالث

ورغم أنه لا يمكن تأكيد استمرار العلاقات بين إيران وروسيا، حتى لو نجح النظام الحالي في البقاء، فإن الإطاحة بالنظام الحالي تعني عملياً خسارة روسيا استثمارات سياسية واقتصادية، بنتها على مدى عشرات السنين مع السلطات الحالية. 

وفي حال نجحت العمليات الأميركية الإسرائيلية وأدت إلى بروز نظام جديد، فقد تفقد موسكو عناصر مهمة من مشاركتها في مشاريع اقتصادية استراتيجية إيرانية رئيسية، وتخسر حليفاً هو الثالث والأوثق في أقل من عام ونصف العام، بعد سورية وفنزويلا.

ويبقى السؤال حول جدية الوساطة الروسية لوقف الحرب في الشرق الأوسط وإمكانية نجاحها، 

وفيما إذا كان حجم المخاطر يؤثر في قرار الكرملين الذي بدا أنه ذهب في تجارب سابقة وفق منحى أنه في حال ظهور بوادر متزايدة لانهيار نظام صديق، فإن روسيا تكتفي بالوقوف جانباً، انطلاقاً من إدراكها لضرورة البراغماتية الحيوية. 

ومما يعزز إمكانية تفضيل روسيا الوقوف جانباً، وتحقيق مكاسب في أوكرانيا، وفي علاقاتها مع واشنطن، ما قاله المتحدث باسم الكرملين دميتيري بيسكوف، الذي مرّ من دون ضجة كبيرة، 

حين قال في الخامس من مارس/ آذار الحالي لمحطة "فيستي" الرسمية الروسية إن الحرب في الشرق الأوسط "ليست حربنا". 

وأضاف: "يجب أن نفعل ما يتوافق مع مصالحنا. علينا أن نقلل من الأضرار على اقتصادنا، وأعتقد أن علينا أن نضمن لأنفسنا مكاسب حيثما كان ذلك ممكناً، مهما بدا ذلك ساخراً. هل نحن قادرون على وقف هذه الحرب؟

 لا، لسنا قادرين. ومن وجهة نظرنا من بدأ الحرب هو القادر على إيقافها". ومع عدم القدرة على دعم إيران، من المرجح أن تتراجع صورة روسيا دولة قادرة على حماية شركائها والعمل بمثابة مركز قوة بديل لدول الجنوب العالمي، 

ولكن يبدو أن صانعي القرار الروس لا يجدون بديلاً آخر سوى طرح مبادرات وساطة لحفظ ماء الوجه.