أكبر تحشيد عسكري منذ غزو العراق.. تدفق الأساطيل يفتح باب الحرب
الرأي الثالث - وكالات
تواصل وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون)، إرسال مجموعة كبيرة من الأسلحة الإضافية إلى المنطقة استعداداً لضربة عسكرية محتملة على إيران إذا اتخذ الرئيس دونالد ترامب هذا القرار، وفق ما أوردته شبكة "أن بي سي نيوز" الأميركية، نقلاً عن مصادر أميركية ومعلومات من مصادر عامة.
ووفق المصادر، فإن الأسلحة تشمل سفناً حربية، ودفاعات جوية، وغواصات.
ويأتي هذا الحشد الأميركي المتواصل في المنطقة، على وقع مفاوضات بين طهران وواشنطن، بوساطة عُمانية، مع استمرار الخلافات حول نقاط عدة.
ونقلت الشبكة عن مسؤول رفيع في الإدارة الأميركية قوله إن كبار مستشاري الأمن القومي للرئيس ترامب اجتمعوا في غرفة العمليات في البيت الأبيض، يوم أمس الأربعاء، لمناقشة الملف الإيراني.
وأوضح المسؤول أنه لم يجر اتخاذ أي قرارات نهائية بشأن أي عمل عسكري محتمل، في حين تنتظر الولايات المتحدة رداً مكتوباً من إيران قد يتناول بعض نقاط الخلاف العالقة.
ووفق المسؤول عينه، فقد أشار المشاركون في الاجتماع إلى أن جميع القوات العسكرية الأميركية اللازمة لأي عمل محتمل ستكون جاهزة بحلول منتصف مارس/آذار المقبل.
في غضون ذلك، تبحر حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس جيرالد آر فورد"، وهي ثاني حاملة طائرات يرسلها ترامب إلى المنطقة، وسفنها المرافقة عبر المحيط الأطلسي إلى البحر الأبيض المتوسط، وفقاً لمسؤولين أميركيين،
ومن المتوقع وصولها إلى هناك خلال الأيام المقبلة، بينما لا تزال غواصة نووية في البحر الأبيض المتوسط.
وأكد المسؤولون أنها ستنضم لدى وصولها إلى حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" والسفن المرافقة لها التي تشكّل مجموعة حاملة الطائرات الضاربة في الخليج.
ويدرس ترامب خيارات عدة إذا فشلت المفاوضات مع إيران، بينها شنّ هجوم شامل لإسقاط النظام، أو ضربات محدودة لمنع طهران من إعادة بناء منشآتها النووية، وربما تدمير مواقع صواريخها النووية.
وبحسب مسؤول دفاعي متقاعد رفيع المستوى، من المرجح أنّ الولايات المتحدة تمتلك قدرات عسكرية كافية في المنطقة لتنفيذ ضربات محدودة، وذلك بحسب الأهداف.
وبحسب الشبكة، يعتقد بعض الخبراء في المنطقة أنه إذا قرر ترامب اللجوء إلى عمل عسكري بهدف تغيير النظام، فسيحتاج إلى أصول في المنطقة أكثر مما هو موجود حالياً.
وقال المسؤول الدفاعي المتقاعد في السياق: "لا أعتقد أن لديهم ما يكفي من المعدات هناك حتى الآن".
ووفق المسؤول نفسه، ومصدر آخر مطلع على الأمر، فإن عدداً من قدرات الدفاع الجوي، بما في ذلك أنظمة باتريوت، لم يجر نشرها بالكامل بعد.
ويأتي هذا في وقت أظهرت صور أقمار اصطناعية نشرها معهد العلوم والأمن الدولي (isis) أعمالاً عدة أجرتها إيران خلال الأسابيع الأخيرة في مواقع نووية وعسكرية، استعداداً في ما يبدو لتعرّضها لهجمات أميركية أو إسرائيلية في إطار التهديدات الأخيرة.
وتشمل الإجراءات أعمال دفن وردم لمداخل أنفاق، إضافة إلى عمليات بناء بمجمع أنفاق جديد في أحد الجبال الشاهقة، وتحصينات في مواقع أخرى.
أكبر تحشيد عسكري منذ غزو العراق
من ناحيتها، وصفت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، الحشد العسكري الجوي الأميركي في المنطقة بأنه الأكبر منذ غزو العراق عام 2003،
مشيرة إلى أن الولايات المتحدة مستعدة للتحرك ضد إيران، لكن ترامب لم يقرر بعد ما إذا كان سيأمر بشنّ هجمات، وإذا أمر بها، ما إذا كان الهدف سيكون وقف البرنامج النووي الإيراني، أو القضاء على قوتها الصاروخية، أو محاولة إسقاط النظام.
ووفق ما أكده مسؤول أميركي للصحيفة، واصلت واشنطن في الأيام القليلة الماضية، نقل طائرات مقاتلة متطورة من طراز "إف-35" و"إف-22" باتجاه المنطقة، كما أن حاملة طائرات ثانية محمّلة بطائرات هجومية وطائرات حرب إلكترونية في طريقها إلى المنطقة.
وتتجه أيضاً، وفق الصحيفة، طائرات القيادة والسيطرة، الضرورية لتنسيق الحملات الجوية واسعة النطاق، إلى المنطقة. وقد تم نشر أنظمة دفاع جوي حيوية في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة.
وتشير بيانات تتبع الرحلات الجوية، إلى أن القوات الجوية الأميركية نقلت أخيراً عشرات الطائرات المقاتلة وطائرات الدعم إلى قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، وقاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية.
وتشمل هذه الطائرات، مقاتلات إضافية من طراز "إف-35" و"إف-15" و"إف-16"، بالإضافة إلى طائرات نظام الإنذار والتحكم المحمول جواً (E-3)، وطائرات مراكز الاتصالات المحمولة جواً (E-11).
ومن المتوقع وصول المزيد من الطائرات المقاتلة قريباً. ووفق مسؤولين أميركيين، ستمنح هذه القوة النارية الولايات المتحدة خيار شنّ حرب جوية تستمرّ أسابيع ضد إيران، بدلاً من ضربة "مطرقة منتصف الليل" التي نفذتها واشنطن في يونيو/ حزيران، ضد ثلاثة مواقع نووية إيرانية.
وبحسب المسؤولين، تلقى ترامب عدة إحاطات حول خياراته العسكرية في حال قرر شنّ ضربة، وكلها مصمّمة لتحقيق أقصى قدر من الضرر للنظام الإيراني ووكلائه الإقليميين، وفق قولهم.
وتشمل الخيارات، بحسب مسؤولين أميركيين وأجانب تحدثوا إلى الصحيفة، حملة لاغتيال العشرات من القادة السياسيين والعسكريين الإيرانيين بهدف الإطاحة بالحكومة، فضلاً عن هجوم جوي يقتصر على ضرب أهداف تشمل منشآت نووية وصواريخ باليستية.
الجدول الزمني المحتمل لمهاجمة إيران
إلى ذلك، كشفت مصادر مطلعة على المناقشات لشبكة "سي بي إس نيوز" الأميركية، عن أن كبار مسؤولي الأمن القومي أبلغوا ترامب بأنّ الجيش مستعد لشنّ ضربات محتملة على إيران بحلول يوم السبت، لكن من المرجح أن يمتد الجدول الزمني لأي تحرّك إلى ما بعد نهاية عطلة الأسبوع.
وأكدت المصادر بدورها أن ترامب لم يتخذ قراراً نهائياً بعد بشأن ضرب إيران.
وبحسب ما أكده العديد من المسؤولين، فإن البنتاغون يقوم بنقل بعض الأفراد مؤقتاً من منطقة الشرق الأوسط، بشكل أساسي إلى أوروبا أو إعادتهم إلى الولايات المتحدة، تحسباً لأي تحرك محتمل أو هجمات مضادة من جانب إيران إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في عمليتها.
وقال أحد المصادر: "إن نقل الأصول والأفراد قبل أي نشاط عسكري أميركي محتمل هو إجراء معتاد بالنسبة للبنتاغون، ولا يشير بالضرورة إلى أن الهجوم على إيران وشيك".
وتحدثت "سي بي إس" و"وول ستريت جورنال"، عن زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال أسبوعين إلى إسرائيل، للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ونقلت الشبكة عن مصدرين قولهما إن ترامب أبلغ نتنياهو خلال لقائهما في مارآلاغو في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، بأنه سيدعم هجمات إسرائيلية على برنامج إيران الصاروخي الباليستي إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران.
فرص الدبلوماسية تتراجع... وتدفق الأساطيل يفتح باب الحرب
تزداد المؤشرات في الساعات الأخيرة على أن الأزمة الأميركية - الإيرانية باتت أقرب إلى لحظة قرار لا تُشبه جولات التصعيد السابقة. فواشنطن تُكمل حشدها العسكري حول إيران، وتقول إن قواتها ستكون جاهزة لتنفيذ أوامر الرئيس، دونالد ترمب، بدءاً من السبت،
فيما تُظهر صور أقمار اصطناعية أن طهران تُسرّع تحصين مواقع نووية وصاروخية وترميم منشآت تضررت، كأنها تتعامل مع التفاوض على أنه غطاء زمني للاستعداد لأسوأ الاحتمالات لا على أنه طريق مضمونة لتسوية.
وبينما يستعد وزير الخارجية، ماركو روبيو، للتوجه إلى إسرائيل في نهاية الشهر لإطلاعها على حصيلة محادثات جنيف، فإن المنطقة تبدو أمام سؤال واحد يتكرر في عواصمها:
هل تقترب «الضربة» أم إن الدبلوماسية ستفتح في اللحظة الأخيرة مخرجاً يتيح لكل طرف ادعاء النصر؟
في خلفية هذه اللوحة، يتعاظم عاملان ضاغطان على القرار: الأول هو أن الحشد الأميركي لم يعد مجرد «ردع»؛ بل صار ترتيباً عملياتياً يخلق توقعات دولية بأن واشنطن ستتحرك إن لم تحصل على تنازلات كبيرة، خصوصاً مع حديث مصادر أميركية عن أن أي عملية ضد إيران قد لا تكون ضربة محدودة، بل حملة تمتد أسابيع.
والثاني هو أن إيران، بدلاً من إرسال إشارات تهدئة عملية، تُوصّل عبر التحصين والتشتيت أنها تريد رفع تكلفة الضربة وتقليل قدرتها على تحقيق حسم سريع.
وهذا ما يلتقطه ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق لشؤون الشرق الأدنى، حين يقول إن واشنطن وطهران «تبدوان بعيدتين» عن اتفاق يمنع عملاً عسكرياً.
وسط هذا كله، تتحرك إسرائيل بوصفها شريكاً لا يمكن فصل دوره عن حسابات واشنطن. فزيارة روبيو إلى إسرائيل في 28 فبراير (شباط) الحالي ليست مجرد إطلاع دبلوماسي. إنها؛ عملياً، محطة تنسيق لما بعد جنيف: ما الذي عدّته واشنطن تقدماً؟
وما الذي تعدّه إسرائيل غير كافٍ؟ وأين تقف حدود العملية إذا اختير المسار العسكري؟
ويشدد شينكر على أن نافذة التحرك ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية؛ «والسبب ليس سياسياً فقط، بل هو عملي كذلك. فوجود مجموعات حاملات الطائرات في المنطقة مكلف، ولها التزامات صيانة ومهام أخرى؛ مما يعني أن إبقاءها (على المحطة) لفترة طويلة ليس خياراً مريحاً».
من هنا تأتي فكرته الجوهرية: «ترمب يعطي التفاوض فرصة، لكنه لن ينتظر إلى الأبد».
ووفق تقديره؛ فإنه إذا لم تحمل الأيام القليلة المقبلة مؤشرات على تنازلات إيرانية ذات معنى، فإن احتمالات العمل العسكري «تزداد» وقد تصبح «قريبة» زمنياً.
لكن ترجيح كفة الحرب أو الدبلوماسية لا يزال مشروطاً بلحظة واحدة: ما الذي ستضعه طهران على الطاولة فعلياً؟
إذا جاءت الورقة الإيرانية بمسار واضح يتعامل مع عقدة التخصيب وضمانات التحقق ويمنح الإدارة إنجازاً يمكن تسويقه، فقد يفتح ذلك باب «تجميدٍ مرحليٍ» يجنب المنطقة مواجهة واسعة.
أما إذا بقيت الفجوة على حالها، واستمرت إيران في تحصين مواقعها دون تقديم مقابل تفاوضي ملموس، فإن الحشد الأميركي الذي بُني أساساً كي يكون قابلاً للاستخدام، سيصبح في حكم السياسة والمنطق العسكري معاً أقرب إلى أداة قرار منه إلى مجرد ورقة ضغط.