الحضور العسكري الأجنبي في الصومال: تنويع الشراكات لبناء توازن ردعي
الرأي الثالث - وكالات
وقّعت الحكومة الصومالية في سياق توسيع الحضور العسكري الأجنبي في الصومال منذ عام 2022، مجموعة من مذكرات التفاهم الأمنية واتفاقيات تعاون عسكرية مع عدد من الدول، وذلك وسط تحولات إقليمية ومتغيرات طارئة شهدتها منطقة القرن الأفريقي.
وتزامنت هذه الخطوات مع إعادة انتخاب الرئيس حسن شيخ محمود في مايو/أيار 2022، وإطلاق حملة عسكرية شاملة ضد حركة الشباب.
واتسمت مرحلة الحضور العسكري الأجنبي في الصومال بتكثيف الشراكات الدولية وتنوع الفاعلين العسكريين الأجانب،
بدءاً من القوى التقليدية كالولايات المتحدة وتركيا، وصولاً إلى فاعلين إقليميين جدد كمصر وقطر والمملكة العربية السعودية، والتي وقعت اتفاقية تعاون مع الحكومة الصومالية في التاسع من فبراير/شباط الحالي،
وتهدف إلى تعزيز أطر التعاون الدفاعي والعسكري بين البلدين، وتشمل مجالات متعددة ذات اهتمام مشترك، بما يخدم المصالح الاستراتيجية للطرفين.
وهو أمر من شأنه أن يغير خريطة الحضور العسكري الأجنبي في الصومال إثر إلغاء مقديشو جميع الاتفاقيات الأمنية الموقعة مع أبوظبي في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي.
تعزيز الحضور العسكري الأجنبي في الصومال
ووفق خبراء، يعكس التنوع في الشركاء الأمنيين مع الصومال (تركيا، الولايات المتحدة، مصر، السعودية) رغبة الصومال في تنويع خياراته الأمنية وتقليل الاعتماد على طرف واحد، ومواجهة التهديدات الأمنية والتدخلات الخارجية التي تهدد سيادته ووحدة أراضيه، خصوصاً بعد الاعتراف الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال دولة انفصالية في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي.
في السياق، رست سفن حربية تابعة للبحرية التركية، الأربعاء الماضي، في ميناء مقديشو، في خطوة تعكس تصاعد وتيرة التعاون الأمني البحري بين الصومال وتركيا، في إطار الحضور العسكري الأجنبي في الصومال وتعزيزه، ضمن مساعٍ مشتركة لتعزيز أمن السواحل الصومالية وحماية المياه الإقليمية.
ووصلت القطع البحرية إلى العاصمة وسط ترتيبات رسمية، حيث استقبلها الأربعاء وفد صومالي رفيع المستوى برئاسة وزير الدولة للدفاع عمر عبدي علي، وبمشاركة قائد الجيش الوطني الصومالي اللواء إبراهيم محمد محمود، إلى جانب عدد من كبار الضباط، وسفير تركيا لدى الصومال.
ويأتي انتشار السفن التركية، في وقت تكثّف فيه الحكومة الفيدرالية جهودها لإعادة بناء القوات البحرية وخفر السواحل وتأهيلها، في سياق خطة أوسع لإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية ورفع جاهزيتها.
وتراهن مقديشو على هذا التعاون لتأمين أحد أطول السواحل في أفريقيا، ومواجهة تحديات مزمنة تشمل القرصنة والصيد غير المشروع والتهريب والتهديدات البحرية الأخرى.
في سياق دعم الحضور العسكري الأجنبي في الصومال بشكل واسع، أفاد مسؤولون صوماليون الشهر الماضي بوصول ثلاث مقاتلات تركية من طراز "أف 16" إلى مقديشو، مع توقعات بوصول ست طائرات إضافية لاحقاً.
وتندرج هذه الخطوة ضمن حزمة دعم عسكري تقدمه تركيا ودول حليفة أخرى، في وقت تكثف فيه الحكومة الصومالية عملياتها ضد حركة الشباب، وتسعى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية وترسيخ سيطرة الدولة على كامل أراضيها.
حول هذه التطورات، يقول الباحث الصومالي عبد الولي السيد، إن الصومال يشهد في الفترة الأخيرة حراكاً عسكرياً متسارعاً مع عدد من الدول الخليجية المؤثرة، وعلى رأسها قطر والمملكة العربية السعودية،
بالتوازي مع تعمّق الشراكة الدفاعية مع تركيا، في لحظة إقليمية توصف بالحاسمة لكل من الصومال ومنطقة القرن الأفريقي على حد سواء.
وتعكس تطورات الحضور العسكري الأجنبي في الصومال تحولات لافتة في الاصطفافات الإقليمية، مع تصاعد حدة التنافس في البحر الأحمر والقرن الأفريقي،
حيث اشتدت المنافسات الجيوسياسية وسط مخاوف متزايدة تتعلق بأمن الممرات البحرية واحتمالات التدخلات الخارجية.
ويشير السيد إلى أن السعودية ومصر تنظران بقلق متنامٍ إلى أي حضور إسرائيلي محتمل في القرن الأفريقي، ولا سيما في محيط مضيق باب المندب، باعتباره تهديداً مباشراً لأمنهما القومي ونفوذهما الإقليمي.
كما تثير حالة الهشاشة والتشظي التي تعاني منها دول مطلة على البحر الأحمر، مثل اليمن والصومال والسودان، مخاوف إضافية بشأن استقرار هذا الشريان البحري الحيوي.
ويتقاطع هنا الموقف المصري أيضاً في ظلّ الخلاف مع إثيوبيا حول مياه النيل، ما يضفي بُعداً إضافياً على حساباته الإقليمية. في المقابل، يبرز الحضور الأمني التركي في الصومال،
إذ إنه رغم كونه سابقاً لتحولات الحضور العسكري الأجنبي في الصومال في السنوات الأخيرة، إلا أنه شهد زخماً متزايداً في ضوء المستجدات الراهنة، خصوصاً مع اقتراب موعد تقليص بعثة الدعم والاستقرار التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال (أوصوم) بحلول ديسمبر 2026، الأمر الذي يعزز الحاجة إلى دعم الحكومة الفيدرالية الصومالية في مرحلة انتقالية حساسة.
وحول دوافع الوجود العسكري التركي في الصومال، يرى السيد أن المصالح الاستراتيجية لتركيا في الصومال توسعت وبشكل ملحوظ. واستثمرت أنقرة أخيراً مئات الملايين من الدولارات في عمليات استكشاف الهيدروكربونات قبالة السواحل الصومالية،
مع توقعات بضخ استثمارات بمليارات الدولارات خلال السنوات المقبلة، إلى جانب خطط لإنشاء مرافق لإطلاق الفضاء في جنوب البلاد.
ويستدعي تأمين هذه الأصول الاقتصادية والاستراتيجية طويلة الأمد حضوراً عسكرياً تركياً مستداماً، ما يعكس تداخلاً متزايداً بين الأبعاد الأمنية والاقتصادية في مشهد الحضور العسكري الأجنبي في الصومال في الفترة المقبلة.
ويرى خبراء أن التعاون العسكري بين الصومال وبعض الدول العربية والإقليمية، يمثل تحولاً نوعياً في معادلات الأمن في القرن الأفريقي، ويتجاوز الإطار التقليدي ليصبح جزءاً من إعادة تشكيل موازين القوى في محيط البحر الأحمر وخليج عدن.
في السياق، يقول مدير معهد الدبلوماسية والدراسات التابع لوزارة الخارجية الصومالية محمد جوري ، إن الصومال الساعي منذ سنوات إلى إعادة بناء مؤسساته الأمنية واستعادة السيطرة الكاملة على مياهه الإقليمية، يجد في الشراكة مع تركيا ومصر رافعة استراتيجية لتطوير قدراته البحرية، سواء لجهة التدريب أو البنية التحتية أو أنظمة المراقبة الساحلية.
أما تركيا، فتنظر إلى الصومال بوصفه شريكاً محورياً يمنحها حضوراً مؤثراً على أحد أهم خطوط الملاحة في العالم، إذ يمرّ جزء كبير من تجارة الطاقة والبضائع بين آسيا وأوروبا.
أما التعاون بين الصومال وبعض الدول الخليجية إلى جانب مصر، فإن الإمكانيات قائمة لبناء منظومة تنسيق أمني بحري غير معلنة بالضرورة، تقوم على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق الدوريات، وتطوير قدرات خفر السواحل الصومالي، وربما تنفيذ تدريبات مشتركة.
وتبدي مصر قلقها حيال التطورات الأخيرة في البحر الأحمر، الذي تعتبره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، نظراً لارتباطه بقناة السويس، والسعودية تعتبره عمقاً استراتيجياً لأمنها الساحلي ومشاريعها الاقتصادية الكبرى.
أما الصومال، فيمثل الضفة الأفريقية المقابلة للممرات الحيوية، وبالتالي فإن استقراره البحري يصب في مصلحة الجميع.
التعاون العسكري بين الصومال وتركيا
ويضيف جوري: إن التعاون العسكري بين الصومال وتركيا، إلى جانب مصر والسعودية وقطر، يعكس سعياً لبناء توازن ردعي في بيئة إقليمية متغيرة، بينما يشكل أي انخراط إسرائيلي محتمل في أرض الصومال عاملاً إضافياً يعمّق حساسية المشهد.
مستقبل البحر الأحمر سيتحدد بمدى قدرة الدول المشاطئة على بناء منظومة أمن جماعي تعطي الأولوية لسيادة الدول والاستقرار طويل الأمد، بدلاً من تحويل الممرات البحرية إلى ساحات صراع نفوذ متصاعد.
ويشير جوري إلى أنه ينبغي الإقرار بأن أي تعاون يهدف إلى "منع التمدد الإسرائيلي" بشكل صريح، قد يخلق استقطاباً حاداً ويزيد من عسكرة البحر الأحمر.
والمقاربة الأكثر واقعية دبلوماسياً هي التركيز على مبدأ حماية حرية الملاحة، واحترام سيادة الدول، ومنع استخدام الموانئ والجزر لأغراض تهدد أمن الدول المشاطئة.
إذا تم تأطير التعاون في هذا الإطار القانوني والأمني العام، فإنه سيحظى بشرعية إقليمية أوسع، ويقلل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة بالوكالة.
وتهدف الحكومة الصومالية إلى تنويع الحضور العسكري الأجنبي في الصومال وتنويع شراكاتها الأمنية وتوسيع رقعة انتشارها العسكري برياً وبحرياً، ضمن خطة مشتركة بين الصومال والدول الإقليمية سيما السعودية ومصر، والتي تهدف إلى حماية الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وباب المندب، ومواجهة أي حضور عسكري منافس يُنظر إليه كتهديد،
إضافة إلى سد الفراغ الأمني المحتمل مع انسحاب قوات الاتحاد الأفريقي.
كما أن البعد الجيوسياسي يعزز سعي قوى إقليمية ودولية أوراقها في سياق صراعات النفوذ، بما في ذلك الهواجس السعودية ـ المصرية تجاه إسرائيل، والضغوط المصرية على إثيوبيا في ملف سد النهضة ومياه النيل.
وكذلك أيضاً محاولة تأمين الاستثمارات الاستراتيجية طويلة المدى، وفي مقدمتها استكشافات النفط والغاز البحرية، والبنية التحتية الحيوية، والمشروعات ذات القيمة العالية التي تتطلب مظلة حماية عسكرية مستمرة.