Logo

ماكرون: واشنطن لم تعد صديقة أو حليفة للاتحاد الأوروبي

الرأي الثالث - وكالات

 أكّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مقابلات صحافية مع وسائل إعلام عدّة، بينها فايننشال تايمز ولوموند الفرنسية، نشرت أمس واليوم الثلاثاء، أن العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة لن تعود كما كانت، وأن واشنطن لم تعد صديقةً أو حليفةً حقيقية للاتحاد الأوروبي. 

وأضاف ماكرون أن هذا التدهور بدأ منذ نهاية عهد باراك أوباما، وتصاعد خلال إدارات ترامب وبايدن، إذ شهدت أوروبا تهديدات مباشرة على مستويات متعددة، شملت الاقتصاد والسياسة والتدخلات الانتخابية، في محاولة أميركية واضحة للتأثير على الخيارات الداخلية لأوروبا.

وأكد ماكرون أن هذه التحولات ليست مجرد خلافات سياسية عابرة، بل تحولات استراتيجية عميقة تجبر أوروبا على إعادة تقييم اعتمادها الطويل على الولايات المتحدة في المجالات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، وعلى التفكير في بناء استقلالية سياسية واستراتيجية أوسع.

وبحسب ماكرون، تجلّت عدائية الولايات المتحدة تجاه أوروبا في مستويات متعددة، بما فيها التهديدات الاقتصادية والسياسية المباشرة، فقد استهدفت واشنطن مناطق استراتيجية مثل غرينلاند في القطب الشمالي، واستخدمت الضغوط الاقتصادية للتأثير على قرارات الاتحاد الأوروبي. 

وأشار الرئيس الفرنسي إلى خطة وزارة الخارجية الأميركية لإنفاق أموال لدعم أحزاب أوروبية مشككة في الاتحاد الأوروبي، أو متعاطفة مع حركة "لنجعل أميركا عظيمة مجدداً" 

معتبراً أن هذا يعكس استراتيجية أميركية متعمدة لإضعاف الوحدة الأوروبية وتقويض استقرار مؤسسات الاتحاد. 

وقال ماكرون: "لقد شهدنا تصعيداً متعمداً للتأثير على خيارات أوروبا، وليس مجرد خلافات سياسية عابرة. أوروبا بحاجة لأن تتعامل مع الواقع الجديد، حيث لا يمكن اعتبار الولايات المتحدة شريكاً مضموناً بعد اليوم".
 
لحظة غرينلاند: إدراك هشاشة الاعتماد على واشنطن

ويسمي ماكرون هذه المرحلة بـ"لحظة غرينلاند"، وهي النقطة التي أدرك فيها الأوروبيون هشاشتهم أمام النفوذ الأميركي، بعدما حاولت واشنطن التدخل في جزيرة غرينلاند ذات الموقع الاستراتيجي 

ويقول: "هذه اللحظة لم تكن مجرد نزاع رمزي، بل إنذار حقيقي بأن أوروبا بحاجة إلى إعادة النظر في موقعها الاستراتيجي، وتحويل هشاشتها أمام النفوذ الأميركي إلى فرصة لتعزيز استقلالها الاقتصادي والسياسي".

وأكّد أن الأزمة يجب أن تُستغل لإطلاق ثورة اقتصادية وسياسية تجعل الاتحاد الأوروبي قوة مستقلة، قادرة على حماية مصالحها دون الاعتماد على الولايات المتحدة أو الصين. 

وذكر ماكرون أن هذا التوجه مشابه للاستراتيجية الأوروبية السابقة لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي أثناء أزمة الطاقة، معتبراً أن أوروبا يمكنها تحويل التهديد إلى فرصة لتعزيز السيادة الاقتصادية والتكنولوجية.
 
إلى جانب التوترات السياسية، تتجلى الخلافات عبر الأطلسي في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، فقد شهدت أوروبا تهديدات مباشرة باستخدام القوة الاقتصادية، ومحاولات التأثير على الانتخابات البرلمانية لدعم أحزاب مشكّكة في الاتحاد الأوروبي.

 ويعتبر ماكرون أن هذه الممارسات تمثل استراتيجية متعمدة لتقسيم أوروبا وتقويض وحدتها، وأضاف: "اعتمادنا على التكنولوجيا الأميركية والأنظمة المالية لم يعد خياراً مضموناً، ويجب أن نطوّر قدراتنا الذاتية لحماية أمننا واستقلالنا السيادي".

في السياق، أعلن ماكرون عزمه الضغط على قادة الاتحاد الأوروبي لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية طويلة الأمد لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية لأوروبا، مشدداً على أن استراتيجيات التفاوض التقليدية مع واشنطن لم تعد مجدية في ظل سياسة عدائية واضحة.
 
تأثير الضغوط الخارجية على السياسة الداخلية

لا تقتصر آثار التوتر عبر الأطلسي على المستوى الدولي فحسب، بل تمتد إلى السياسة الداخلية للمناطق الاستراتيجية.

 فعلى سبيل المثال، قرّرت الحكومة الائتلافية في غرينلاند تعليق جميع الأعمال التشريعية حتى إبريل/نيسان، لتركيز جهودها على إدارة الأزمة الراهنة وسط تصاعد الجدل حول استقلال الجزيرة عن الدنمارك. 

ويعكس هذا القرار حساسية المناطق الاستراتيجية الأوروبية وتأثرها بالضغوط الدولية، ويبرز أهمية تنسيق أوروبا لاستراتيجيات حماية مصالحها بعيداً عن الاعتماد الكامل على القوى الكبرى.

ويؤكد ماكرون أن أوروبا بحاجة لأن تصبح قوة اقتصادية وسياسية مستقلة، قادرة على مواجهة الأزمات الدولية والتحديات الاستراتيجية دون الاعتماد على الولايات المتحدة أو الصين، 

ويضيف: "حان الوقت لنقل أوروبا إلى مستوى جديد من السيادة، إذ يمكنها حماية مصالحها ومواجهة التحديات العالمية باستقلالية، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي أو التكنولوجي" 

ويشدد على ضرورة توحيد مواقف الدول الأعضاء في مواجهة الضغوط الدولية، وتعزيز القدرة التنافسية الأوروبية، وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي طال انتظارها، ليصبح الاتحاد قوة متماسكة ومستقلة 

واختتم: "إذا لم نتمكن من حماية مصالحنا بأنفسنا، فلن تنتظرنا الولايات المتحدة أو الصين. حان الوقت لتتصرف أوروبا كقوة واحدة، قوية ومستقلة".