حكومة الكفاءات.. رهان الزنداني على إعادة بناء الدولة
في لحظة سياسية فارقة من تاريخ اليمن، يقود الدكتور شائع محسن الزنداني، رئيس مجلس الوزراء المكلف، مشاورات مكثفة لتشكيل حكومة كفاءات وطنية، في خطوة تتجاوز منطق الإجراء الروتيني إلى محاولة جادة لإعادة تعريف مفهوم الحكم وإدارة الدولة.
هذه المشاورات لا تُقرأ باعتبارها إعادة توزيع للحقائب، بل محاولة واعية لكسر نمط سياسي ظل لعقود يربط السلطة بالمحاصصة وليس بالكفاءة، وبالولاء لا المقدرة على الإنجاز.
ما يلفت الانتباه في المسار الذي يتبناه الزنداني هو وضوح المعايير التي تحكم عملية الاختيار، فبحسب المصادر الحكومية تقوم المشاورات على قاعدة صريحة عنوانها الكفاءة قبل الانتماء، والخبرة قبل الولاء والقدرة على الإنجاز قبل أي اعتبار آخر، وهو معيار إن كُتب له التطبيق الصارم، سيشكل انقلاباً حقيقياً على ثقافة التعيينات الحكومية التي أضعفت مؤسسات الدولة وأفقدت المجتمع ثقته بها.
لقد دفعت الدولة اليمنية ثمناً باهظاً لسنوات عديدة من التعيينات القائمة على القرابة والمصالح السياسية الضيقة، حيث أُنهك الجهاز الإداري، وتراجع الأداء الحكومي، وتآكلت فكرة الدولة في وعي المواطن.
اليوم يبدو أن الزنداني يدرك أن أي حديث عن التعافي أو الاستقرار لا يمكن أن يستقيم دون معالجة هذا الخلل البنيوي، عبر إعادة الاعتبار لمبدأ الجدارة بوصفه أساساً للحكم.
ووفقاً للمصادر فإن المشاورات تجري استناداً إلى توجيهات مباشرة من فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي، وبمعايير صارمة تشمل النزاهة، والكفاءة المهنية، والخبرة العملية، والسجل الإداري النظيف، والالتزام بالعمل المؤسسي، وهذه المعايير لا تعكس فقط رغبة في تحسين الأداء، بل توجهاً سياسياً نحو استعادة هيبة الدولة وحماية مواردها من العبث والفساد.
النزاهة هنا ليست شعاراً أخلاقياً بل شرطاً سياسياً لإنقاذ ما تبقى من ثقة عامة، والكفاءة والخبرة ليستا ترفاً، بل ضرورة لضمان قدرة الوزراء على إدارة ملفات معقدة في ظرف استثنائي، أما السجل الإداري النظيف، فيحمل رسالة واضحة مفادها أن الحكومة المقبلة لن تكون مظلة لتبييض الفشل أو إعادة تدوير الفساد.
الأهم من ذلك، أن المشاورات تضع في صدارة أولوياتها الملفات التي تمس حياة المواطن مباشرة وهي، الاقتصاد والخدمات والأمن وتخفيف الأعباء اليومية، وهو إدراك متقدم لطبيعة الدور الحقيقي للحكومة، باعتبارها أداة لتحسين معيشة الناس، وليس مجرد جهاز إداري لتسيير الأعمال.
فالمواطن اليمني المنهك من الحرب والانهيار الاقتصادي، لم يعد معنياً بالخطابات، بل بالنتائج الملموسة في ملفات الكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية، وفرص عمل، وعملة أكثر استقرارا.
وتأتي هذه المشاورات في سياق استراتيجي لا يقل أهمية، مع ما تحقق من خطوات في استلام المعسكرات، والمساعي الجادة لتوحيد القرار العسكري والأمني، وهي تطورات تفرض بالضرورة وجود حكومة قوية، قادرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، ومواكبة التحولات الأمنية باستقرار إداري ومؤسسي مواز حيث أنه لا معنى لنجاحات عسكرية تُدار بدولة مترهلة أو حكومة عاجزة.
في هذا الإطار يبرز الدعم الأخوي المتواصل الذي تقدمه المملكة العربية السعودية لليمن وقيادته الشرعية، بوصفه عامل محوري في تثبيت مؤسسات الدولة ومساندة الحكومة في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية.
وهذا الدعم الذي ينطلق من إدراك سعودي بأن استقرار اليمن جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة، يجب أن يشكل حافزاً إضافياً للحكومة المقبلة لإثبات الجدارة وتحويل الثقة السياسية إلى إنجازات واقعية.
الرسالة التي تتشكل من مجمل هذه المعطيات تبدو واضحة، لا عودة إلى الوراء، ولا عودة إلى حكومات المحاصصة، ولا إلى العبث بالمال العام، ولا إلى الأداء الباهت الذي راكم الأزمات بدلا من حلها، فالحكومة التي يجري الإعداد لها اليوم أمام اختبار حقيقي، إما أن تكون حكومة بحجم الدولة والتحديات، أو حلقة جديدة في سلسلة الإخفاق.
رهان الدكتور شائع محسن الزنداني على تشكيل حكومة كفاءات ليس رهاناً شخصياً، بل رهان على فكرة الدولة نفسها، وهو رهان يستحق الدعم، لكن الأهم أنه يستحق المتابعة والمساءلة، فالإرادة السياسية مهما بدت واضحة، لا تكفي وحدها ما لم تُترجم إلى قرارات شجاعة وتعيينات مسؤولة وأداء مختلف على الأرض.
نعم الوقت لا يرحم والتحديات جسيمة والمسؤولية ثقيلة لكن إذا توفرت الإرادة، وتم الالتزام بالمعايير وقدمت الكفاءة على الحسابات الضيقة فهناك فرصة حقيقية لأن يشهد اليمن بداية جديدة، بداية دولة تُدار بعقل ولا تُستنزف بمحاصصة وتستحق بعد سنوات طويلة من المعاناة.
الكاتب | سامي الحميري