Logo

عودة مشاريع تقسيم اليمن: الاتجاه هذه المرة شرقا

  عند ضمور قدرات الدولة المركزية تظهر نزعات الانفصال والاستقلال في أطرافها، بما فيها تلك التي تستند إلى ممول خارجي، وهو ما شهده اليمن بشكل واضح في العقد الثاني من الألفية الثالثة؛ بدءًا من ظهور مشروع الأقلمة، مرورا بمشروع الانفصال الهوياتي والجغرافي للجنوب، والذي تصدّر له بوضوح المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي حُل مؤخرًا، بعدما كان قد صار دولة موازية، بل كان هو الدولة الفعلية في الجنوب والشرق.

ونتيجة لذلك الحضور الطاغي لمشروعه تراجعت أصوات مشاريع تقسيمية وانفصالية أخرى، كمشروع الحكم الذاتي لحضرموت ممثلًا في حلف قبائل حضرموت والمطالبة بدولة حضرموت كخيار عبّر عنه مجلس حضرموت الوطني من خلال علم ونشيد مستقل،

 بالإضافة إلى مشروع الإقليم الشرقي، ممثلًا في المجلس الموحد للمحافظات الشرقية، ومشروع إقليم المهرة وسقطرى، الذي يتبناه المجلس العام لأبناء محافظتي المهرة وسقطرى؛ 

علاوة على ما ذهب إليه رئيس لجنة الاعتصام السلمي لأبناء المهرة، علي سالم الحريزي، الذي أكدَّ تمسكه بوحدة اليمن، أما في حال سقوط مشروع الوحدة -يقول- حينها ستكون المهرة دولة مستقلة.

مثّل انكسار ما يمكن تسميته بمغامرة المجلس الانتقالي في اجتياح محافظتي حضرموت والمهرة، وما نجم عنه من حلّ المجلس في التاسع من كانون الثاني/يناير، تراجعًا لمشروعه في محافظات الجنوب والشرق، لكنه لا يعني وفاته؛ 

فهناك مَن يسعى لاستئناف مسيرته بمشروع وتمويل جديد، لكن المراقبين تفاجأوا عقب ذلك التراجع بعودة ارتفاع أصوات كانت خفتت وتستأنف المطالبة بمنح حضرموت حقها في أن تكون إقليمًا مستقلًا بكامل الصلاحيات في حال نشأت دولة اتحادية، أو أن تكون حضرموت دولة مستقلة في حال تقسيم اليمن؛

وهو ما عبر عنه مجلس حضرموت الوطني بوضوح في اللقاء الموسع، الذي عقده السبت 24 كانون الثاني/يناير في مدينة سيئون في وادي حضرموت؛ واستهل الحفل بما يعتقده نشيد حضرموت الوطني، 

 كما ارتفع خلاله ما يعتبره، أيضًا، علم دولة حضرموت. وهو مطلب يُشكّل في كلتي حالتيه تهديدًا خطيرا لوحدة البلاد؛ لكنه لم يلفت الانتباه أو تم التغاضي الرسمي عنه، في غمرة تزاحم مشاريع التقسيم وتعدد الرايات التي تزاحم راية الدولة.

 واللافت أنه قبل بيان مجلس حضرموت الوطني عن دولة حضرموت، كان هناك حديث أدلى به محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، لصحيفة سعودية، تحدث فيها عن تطلعه إلى دولة حضرموت، 

وقد مرّت تلك التصريحات بهدوء، على الرغم من أنها صدرت عن شخصية تشغل منصبًا حكوميًا في الجمهورية اليمنية، ويرفع علمها في مكتبه، وعلى سطح مبنى السلطة المحلية التي يديرها في حضرموت، أكبر محافظات البلاد وأغناها ثروات.

عقب أيام مما صدر عن مجلس حضرموت الوطني، أصدر حلف قبائل حضرموت، الثلاثاء 27 كانون الثاني/يناير، بيانًا طالب فيه باعتبار حضرموت طرفًا ثالثًا مستقلًا عن الجنوب والشمال، في أي ترتيبات.

 وهو مطلب يمكن النزول عنده ومناقشته؛ إلا أن الحيثيات التي يطرحها الحلف في بياناته وتصريحاته السابقة تذهب بعيدًا من خلال الحديث عن كون حضرموت إقليمًا مستقلًا (بدون توضيح حدوده وماهيته الجغرافية) ضُم قسرا للجنوب، ومن ثم للشمال؛ 

وسبق وطالب الحلف بتقرير المصير، في سياق مطالبته بالحكم الذاتي، وهو ما أصدر في سياقه، وثائق تتحدث عن دولة أكثر منها إقليم.

وكان مؤتمر الحوار الوطني، الذي انعقد خلال 2013/2014، قد انتهت وثيقته إلى تقسم اليمن إلى ستة أقاليم؛ وهو ما رفضه البعض؛ 

وهؤلاء يشككون في مدى صحة إقرار المؤتمر لهذا التقسيم، ويقولون إنه قد فُرض قسرًا، ومن ضمن هذه الأقاليم إقليم حضرموت، الذي يشمل محافظات حضرموت وشبوة والمهرة وأرخبيل سقطرى.

في كانون الثاني/يناير 2024 أُعلن في مدينة سيئون في حضرموت عن اللجنة التحضيرية للمجلس الموحد للمحافظات الشرقية (حضرموت، شبوة، المهرة، أرخبيل سقطرى). وهو ما تبلور الحديث عنه باسم إقليم حضرموت أو الإقليم الشرقي؛ وهو الحديث الذي عاد للظهور عقب كسر شوكة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي حضرموت والمهرة، واستعادة السيطرة الحكومية لبقية محافظات الجنوب والشرق.

وربما أن تعيين سالم الخنبشي، محافظًا لحضرموت، ومن ثم عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي، كان من أهدافه تمكينه من التحرك باتجاه إحياء فكرة الإقليم الشرقي (وفق رأي أحدهم) باعتباره الوسيلة الوحيدة لإجهاض مشروع انفصال الجنوب عن الشمال. وهو حاليًا يحرص على أن تشارك المحافظات الأربع، التي تُمثل الإقليم، من خلال رؤية موحدة في مؤتمر الحوار الجنوبي المُزمع عقده في الرياض.

وفي هذا الاتجاه، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي، محافظ حضرموت، سالم الخنبشي، الأربعاء الماضي، في الرياض، قيادة مجلس شبوة الوطني العام.

وفي حسابه على منصة إكس قال إنه «تم خلال اللقاء مناقشة جملة من القضايا ذات الاهتمام المشترك، وفي مقدمتها تعزيز العلاقات التاريخية والأخوية التي تجمع شبوة وحضرموت، وما تمثله المحافظتان من عمق اجتماعي وجغرافي واحد، قائم على تاريخ مشترك وروابط راسخة بين أبنائهما».

وقال بيان مجلس شبوة الوطني، إن قيادته «عبّرت عن التقدير الكبير لمواقف الخنبشي وحرصه الدائم على تعزيز العلاقات الأخوية بين المحافظات، مؤكدين أن التنسيق المستمر والحوار المسؤول يمثلان الطريق الأمثل لخدمة المصالح المشتركة لأبناء شبوة وحضرموت».

ما صدر عن مجلس شبوة الوطني يؤكد استمرار التواصل، بينما قال عمار العولقي، عضو هيئة رئاسة مجلس شبوة الوطني العام، في تدوينة على حساب المجلس في منصة إكس، في 25 كانون الثاني/يناير، إن «حضرموتُ تقودُ اليوم سفينةَ المحافظاتِ الشرقية، وهناك تواصُلاتٌ مكثَّفة بين أبناءِ الشرق للخروج برؤيةٍ موحَّدة تُقدَّم في مؤتمرِ الحوارِ الجنوبي».

لكن الموقف بدا مختلفًا بشكل جوهري في محافظتي المهرة وسقطرى وصولا إلى ظهور ما يمكن تسميته خلاف حدودي بين المحافظتين المتجاورتين؛ إذ اعتبر المجلس العام لأبناء محافظتي المهرة وسقطرى، الخميس، في بيان، «المهرة وسقطرى كيانًا سياسيًا متعارفًا لدى المحيط الإقليمي والعربي والدولي بهويته وعلمه وحدوده التاريخية الممتدة منذ مئات السنين».

وأضاف: «وفي العام 2012، أجمع أبناء المحافظتين على مشروعهم الوطني وخيارهم المجمع عليه، والمتمثل في إقليم المهرة وسقطرى على حدود عام 1967، استنادا إلى هُويتهم التاريخية وخصوصيتهم الثقافية ونسيجهم الاجتماعي الواحد وإجماعهم الشعبي والرسمي الموثق».

وبناء على ذلك.. أكدَّ أيضًا أنه «لم يعد مقبولًا استمرار سياسات التهميش أو الإقصاء أو القسمة التي عانت منها المحافظتان خلال فترات حكم الأنظمة المتعاقبة، وهي سياسات لا تتوافق مع مكانتهما، ولا مع ما تمتلكانه من مقومات وعوامل تجعلانهما في موقع الصدارة وفي مقدمتها الموقع الاستراتيجي والمساحة والثروات وغيرها من الإمكانات».

وقال: «كما نرفض بشكل قاطع استمرار التقسيم الإداري الجائر الذي استُقطعت بموجبه مساحات شاسعة من محافظة المهرة، وضُمّت إلى محافظة حضرموت، رغم المطالبات المتكررة والتوجيهات الرئاسية السابقة التي قضت بتصويب الخارطة الجغرافية وفصل مناطق التماس بين المحافظتين».

وسبق وأعلن القيادي الانتقالي، محافظ المهرة السابق، راجح باكريت، رفضه لضم المهرة وسقطرى لإقليم حضرموت وتأييده لما صدر عن المجلس العام لأبناء المهرة وسقطرى، 

قائلًا، الخميس، «نعلنها بوضوح ونؤكد تأييدنا لبيان المجلس العام لأبناء المهرة وسقطرى برئاسة السلطان عبدالله بن عيسى آل عفرار، تأييداً راسخاً لا يتزعزع».

وأضاف: «المهرة وسقطرى إقليم واحد وكيان واحد ومصير واحد لا يقبل القسمة أو المساومة، وأبناء المحافظتين صف واحد ولن يخرجوا عن إجماعهم مهما كان الثمن، وهذه إرادة شعب وهوية أرض وتاريخ لا يقهر».

وأكد أن «المهرة وسقطرى ليستا ملحقا لأحد»، مضيفًا: «تشهد الساحة اليوم فوضى في الطرح السياسي تقودها أصوات تدعي الحديث باسم حضرموت، وتحاول تجاوز حدودها الجغرافية والتاريخية لفرض مشروع الضم والإلحاق على محافظات لم تفوض أحدا، ولن تقبل أن تدار كملحق أو ورقة سياسية».

وأتم: «نلاحظ محاولات جر المهرة وسقطرى إلى ما يُسمى بإقليم حضرموت، وليست سوى إعادة إنتاج لنهج الوصاية وطمس الهُوية، وهو نهج مرفوض سياسياً وأخلاقياً وتاريخياً. ونؤكد بوضوح: لا يحق لأي شخص كائن من كان التحدث باسم المهرة أو تقرير مصيرها أو ضم خريطتها قسراً».

وفي المهرة ذاتها؛ يظهر اتجاه لجنة الاعتصام السلمي لأبناء المهرة، التي يرأسها الشيخ علي سالم الحريزي، والذي يؤكد على الوحدة اليمنيّة، واعتبار المهرة جزءًا لا يتجزأ من اليمن الكبير الموحد كامل السيادة، وضد كل مشاريع التفكك التي تستهدف اليمن أرضًا وإنساناً، لكنه يقول: في حال انهيار الوحدة ستكون المهرة دولة مستقلة.

عودة الحديث عن الإقليم الشرقي ينطلق، بلا شك، من الأهمية الجيوسياسة والاقتصادية لهذه المحافظات، التي تتجاوز مساحتها ثلاثمئة ألف كم مربع، وتتوفر فيها ثروات من النفط والغاز والمعادن وغيرها؛ 

علاوة على موقعها على شريط ساحلي طويل على بحر العرب، ويتوفر على امتداده عدد من الموانئ الهامة، وقبل ذلك ما يمثله بعضها من حدود برية هامة متاخمة للمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان.

استئناف طرح مفهوم الإقليم الشرقي، وما يتخلله من مشاريع تفكيكية أخرى لليمن الكبير، يمكن قراءته كتحدٍ جديد وخطير لوحدة البلاد، التي انزلقت في حرب عبثية، وتقزم الاهتمام الإقليمي والدولي بقضيتها السيادية والإنسانية لأسباب عديدة.

نقول مهما اُعيد توصيف وتجميل حيثيات المطلب، سواء تحت اسم إقليم حضرموت أو الإقليم الشرقي، وما يتخلله من أسماء وأعلام ومشاريع؛ لاسيما وأن الدستور اليمنيّ الحالي، وهو الفيصل الراهن، ما زال يُقرّ الوحدة الاندماجية، وهو دستور وافق عليه الشعب اليمنيّ في استفتاء شعبي؛ ما يجعل المشاريع التقسيمية الراهنة مخالفة صريحة لدستور البلاد، كما يمثل صمت الدولة عنها تجاوزًا وتساهلًا خطيرًا، كما كان منها إزاء مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل.

أحمد الأغبري