العراق يدخل فراغاً دستورياً بعد الإخفاق في اختيار رئيس الجمهورية
الرأي الثالث - وكالات
دخل العراق، منذ مساء أمس الخميس، في مأزق الفراغ الدستوري بعد إخفاق مجلس النواب في التصويت على اختيار رئيس الجمهورية، وتأجيل الجلسة البرلمانية المخصصة لذلك للمرة الثانية، في حالة تكررت أكثر من مرة، لأسباب ترتبط بالخلافات السياسية بين الأحزاب والمنافسة في الحصول على المناصب المهمة.
وتجرى حالياً المنافسة على منصب رئيس الجمهورية بين الحزبين الكرديين الكبيرين والحاكمين في إقليم كردستان، شمالي العراق.
وحدد دستور العراق سقفاً زمنياً واضحاً لانتخاب رئيس الجمهورية، يقضي بوجوب انتخابه خلال 30 يوماً من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب الجديد، مع استمرار الرئيس القائم بتصريف مهامه لحين انتخاب بديل جديد.
وبفشل جلسة أمس الخميس، فإنّ العراق قد دخل في حالة الفراغ الدستوري، ما قد يتسبب بإشكالات تتعلق بصلاحيات المسؤولين المنتهية ولايتهم، بالإضافة إلى تأخر على مستوى إتمام المشاريع والأمور اليومية للبلاد.
ولم يحدد البرلمان أي جلسة جديدة له للتصويت على اختيار رئيس الجمهورية، ولم يصدر عن السلطة التشريعية أي تعليق أو تبرير حيال ذلك، باستثناء تعليقات تتحدث عن أن مهلة الثلاثين يوماً التي حددها الدستور تعني أيام العمل الرسمي ولا تشمل العطل، وهو تفسير لا يستند إلى أي تأصيل بالدستور أو القانون الداخلي للبرلمان.
وتعثر مجلس النواب العراقي، الثلاثاء الماضي، في عقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بعد عدم اكتمال النصاب القانوني، نتيجة استمرار الخلافات الكردية بشأن المرشح للمنصب.
وحتى اليوم، لا توجد مؤشرات واضحة على انفراج قريب، في وقت تجاوز فيه العراق فعلياً المهلة الدستورية المحددة لاختيار رئيس الجمهورية، وفق ما ينص عليه الدستور.
وفي هذا السياق، أكد عضو حزب الاتحاد الوطني الكردستاني برهان الشيخ رؤوف "غياب أي توافق حتى الآن مع الحزب الديمقراطي بشأن مرشح توافقي لرئاسة الجمهورية".
وقال في تصريح صحافي، اليوم الجمعة، إنّ "أبواب الاتحاد الوطني ما زالت مفتوحة للحوار، إلا أنّ الاتفاق لم يحصل حتى اللحظة"،
مشيراً إلى أن "عدم حسم الملف بين الطرفين قد يدفع البرلمان إلى اختيار أحد المرشحين المعروضين، وهو سيناريو لا يحظى بإجماع سياسي واسع".
وتزامناً مع هذا الانسداد، اتسعت المخاوف داخل الأوساط السياسية في العراق بعد فشل "الإطار التنسيقي" في حسم موقفه من ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، عقب ما وُصف بـ"الفيتو الأميركي" على عودته إلى المنصب.
هذا التردد وضع "الإطار" أمام خيارات محدودة، وأربك حساباته، ما يزيد من احتمالات تجاوز المدد الزمنية المحددة لتشكيل الحكومة.
من جهته، أصدر مجلس القضاء الأعلى في العراق بياناً دعا فيه إلى "الالتزام الصارم بالتوقيتات الدستورية الخاصة بتعيين رئيسي الجمهورية ومجلس الوزراء"، محذراً من "أي خرق قد يهدد هذا الاستقرار السياسي".
ودعا القوى والأحزاب السياسية إلى "احترام المدد الدستورية ومنع أي تدخل خارجي، حفاظاً على المسار الديمقراطي للبلاد".
تعليقاً على ذلك، قال الخبير القانوني معن الفتلي إنّ الدستور العراقي "حدد المدد بشكل واضح، وحذر من أن تجاوزها يمثل خرقاً خطيراً"،
مضيفاً أن "حسم ملف رئاسة الجمهورية يجب أن يتم خلال اليومين المقبلين، وإلا فإن التأخير سينعكس مباشرة على اختيار رئيس الحكومة".
وأوضح أن "الدستور ينص على ضرورة وجود حكومة منتخبة كاملة الصلاحيات بموعد أقصاه 14 مارس/ آذار المقبل"، محذراً من أن "أي تأخير إضافي لن يكون في صالح البلاد، وقد تترتب عليه آثار سلبية سياسية واقتصادية".
وفي ظل استمرار حكومة محمد شياع السوداني بوصفها حكومة تصريف أعمال، تتصاعد التساؤلات حول قدرتها على إدارة الملفات الحساسة، لا سيما الاقتصادية منها، في مرحلة تتطلب قرارات جريئة وإصلاحات عميقة.
ويؤشر بقاء الوضع على ما هو عليه على أنّ العراق يتجه نحو أزمة حقيقية، قد تعيده إلى دائرة عدم الاستقرار، في وقت يحتاج فيه إلى توافقات عاجلة تعيد تفعيل المؤسسات الدستورية وتمنع الانزلاق نحو فراغ سياسي مفتوح.
وبحسب مصادر سياسية كردية، فإنّ "الصراع محتدم بين حزبي الاتحاد والديمقراطي على منصب رئيس الجمهورية، حيث يرى الأول أنه الأحق بالمنصب وفق العرف السياسي المعمول به في البلاد منذ عام 2005،
لكن الثاني يرى أنه الأحق كونه الفائز بالانتخابات ضمن المساحة الكردية، ولم يتوصلا إلى حل واضح بهذا الشأن بالرغم من عقد أكثر من 10 اجتماعات خلال الأسابيع الماضية،
فيما تقف الأحزاب الشيعية والسنية وبقية الكيانات السياسية على الحياد، كون المنصب يعتبر كردياً، وتنتظر هذه الأحزاب الاتفاق الكردي".
إلا أن مصادر سياسية أخرى من بغداد أفادت بأن "الحزب الديمقراطي الكردستاني تعّمد تعطيل وإفشال الجلستين السابقتين لاختيار رئيس الجمهورية بسبب تلقيه رسائل أميركية تمنعه من المضي نحو اختيار رئيس الجمهورية، كي لا يمضي مرشح تحالف الإطار التنسيقي نوري المالكي، لأنه مرفوض أميركياً"
مؤكدة أنّ "واشنطن هي سبب تعطيل جلسات البرلمان الخاصة باختيار رئيس الجمهورية، لأنها تنتظر من الإطار التنسيقي أن يختار مرشحاً آخر غير نوري المالكي".
في السياق، قالت عضو حزب "الاتحاد الوطني الكردستاني" سوزان منصور إن "الإخفاق في الجلسات البرلمانية الخاصة باختيار رئيس الجمهورية يعود إلى عدم الانتهاء من المفاوضات بين الحزبين (الاتحاد والديمقراطي)"
مشيرة إلى أن "مرشح حزب الاتحاد هو الأقرب إلى الفوز، وأنه يحظى بدعم قوى الإطار التنسيقي إلى جانب قوى سياسية".
وأكدت أن "حزب الاتحاد غير متعمد بالدخول في الفراغ الدستوري، بل إننا لا نريد أن يدخل العراق حالة الفراغ، وأن الاتحاد يعتمد القانون والدستور وسيلةً لإنهاء أي أزمة سياسية، ونعتقد أن جلسة مجلس النواب المقبلة سيُصوَّت خلالها على رئيس الجمهورية".
من جهته، بيّن عضو تحالف "الإطار التنسيقي" عدي عبد الهادي أن "التوقعات تفيد بأن جلسة اختيار رئيس الجمهورية ستعقد يوم الأحد المقبل، وستكون جولة حاسمة لاختيار الرئيس، بالتالي فإن الفراغ الدستوري لن يكون مؤثراً على وضع البلاد"
مبيناً أن "تجاوز مرحلة انتخاب رئيس الجمهورية سيجعل عملية تشكيل حكومة إقليم كردستان، بالإضافة إلى الحكومة في بغداد، أكثر مرونة وانسيابية، بالتالي فإن الاتفاقات الكردية إذا تمت فإنها ستعود بالمنفعة على جميع البلاد".
ويتنافس 13 اسماً على منصب رئيس جمهورية العراق، بينهم شخصيات عربية ضمن ما قال بعضهم إنها مساعٍ لكسر معادلة المحاصصة في المناصب.
وتضمنت قائمة الأسماء الأخرى كلاً من: شوان نامق، وأحمد عبد الله توفيق، وحسين سنجاري، ونجم الدين عبد الكريم، وآسو فريدون، وسامان علي إسماعيل، وصباح صالح سعيد، وعبد الله محمد علي ظاهر، وإقبال عبد الله، وسردار عبد الله، ومثنى أمين نادر، ونوزاد هادي مولود.
لكن المنافسة المحتدمة والقوية تنحصر بين مرشحي "الاتحاد الوطني الكردستاني" نزار آميدي، و"الحزب الديمقراطي الكردستاني" فؤاد حسين.